أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدكتور عبدالستار الجميلي















المزيد.....

حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدكتور عبدالستار الجميلي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 02:38
المحور: الادب والفن
    


لا يمكن استحضار ستينيات القرن الماضي بمعزلٍ عن ذلك المدّ القومي العربي الذي بلغ ذروة اندفاعه آنذاك، متشابكاً بصورةٍ عضوية مع قضية فلسطين بوصفها القضية المركزية التي توحّد عندها الوجدان العربي، وتلتقي حولها الأحلام والهواجس والطموحات. كان الإيمان بفكرة الأمة الواحدة يتجاوز حدود السياسة إلى ما يشبه العقيدة الشعورية، حتى بدا الانتماء القومي في تلك المرحلة حالة وجدانية تسكن الإنسان قبل أن تتحول إلى خطاب أو تنظيم أو موقف أيديولوجي.
ورغم أن عمري في تلك السنوات لم يكن يسمح لي بالإحاطة الدقيقة بتفاصيل المشهد السياسي والفكري، إذ كنتُ عام 1967 تلميذاً في بدايات المرحلة الابتدائية، فإن الطفولة تمتلك قدرة غريبة على اختزان اللحظات المفصلية. فالذاكرة لا تحفظ دائماً تفاصيل الحدث، لكنها تحتفظ برجفته الداخلية. وما زلت أذكر، بوضوحٍ تختلط فيه الدهشة بالحزن، لحظة إعلان استقالة جمال عبد الناصر كما استعادها الدكتور "عبدالستار الجميلي" في القصة، ثم خبر وفاته لاحقاً، وكيف تحولت تلك اللحظات إلى ما يشبه الحداد الجمعي الذي اخترق البيوت والقلوب، حتى لدى الأطفال الذين لم يكونوا يدركون تماماً معنى الهزيمة أو أبعاد الصراع السياسي.
وأنا أقرأ قصة "الشرقاط 67"، لم أشعر أنني أتابع عملاً سردياً منفصلاً عني، بل أحسستُ أنني أستعيد زمناً كاملاً بكل ما فيه من وجوه وأصوات وانفعالات. كان النص قادراً على إيقاظ الذاكرة لا بوصفها أرشيفاً للأحداث، بل بوصفها شعوراً دفيناً ظل ساكناً في الأعماق. وربما تعمّق هذا الإحساس لأن بعض شخوص القصة كانوا معروفين بالنسبة لي، مثل المرحوم "أحمد جنداري" والمرحوم "أحمد عبود سلمان"، فيما ظلّت بقية الأسماء تتردد في الذاكرة والسمع بوصفها جزءاً من حكايات النضال القومي والسعي إلى نشر الوعي والتحريض على رفض الانكسار. وهنا تتجاوز الأسماء وظيفتها السردية، لتتحول إلى شواهد حيّة على مرحلةٍ كانت تؤمن بالفعل أكثر من القول، وبالتضحية أكثر من المصلحة.
لقد منح الدكتور "عبدالستار الجميلي" لهذه الشخصيات حضوراً إنسانياً لا يقتصر على دورها السياسي أو الفكري، بل جعلها تتحرك داخل النص كجزءٍ من روح المكان نفسه، وكأن الشرقاط لم تكن مجرد مدينة تحتضن الأحداث، بل كائناً يشارك أبناءه قلقهم وأحلامهم وخيباتهم. فالأمكنة العريقة لا تبقى محايدة أمام التاريخ؛ إنها تُعيد تشكيل وعي أبنائها، وتغرس فيهم شيئاً من صلابة الماضي وهيبته.
وفي سبعينيات القرن الماضي، شهدتُ تلك التجمعات الطلابية التي كانت تتحرك بعاطفة متقدة وحماسٍ جارف، يفوق أحياناً البناء الفكري المنظم. كانت الأحلام أكبر من الواقع، وكانت فكرة الوحدة العربية تُرى كخلاصٍ تاريخي يمكن أن يداوي انكسارات الأمة. وربما كان ذلك الحماس، على ما فيه من اندفاع عاطفي، تعبيراً عن حاجة الإنسان العربي آنذاك إلى معنى أكبر من ذاته الفردية، إذ كان يشعر أن خلاصه الشخصي لا يتحقق إلا بخلاص الجماعة.
ولعلني عايشتُ في تلك الفترة المراحل الأخيرة لذلك المدّ، ولا سيما في بدايات السبعينيات، حين كان العم الراحل الدكتور "محمد عجاج جرجيس" في ذروة عطائه الفكري ونشاطه الثقافي. وكان حضور شخصيات من هذا النوع يمنح المرحلة طابعها المختلف؛ إذ لم تكن الثقافة منفصلة عن الهمّ القومي، ولم يكن الوعي مجرد ترفٍ ذهني، بل كان جزءاً من مشروع حياة.
ومن خلال المقارنة بين ما تختزنه الذاكرة وما جاء في مضمون القصة، يبدو لي أن الستينيات كانت من أكثر المراحل نضوجاً وخصوبة على المستويين الفكري والوجداني. فقد بلغ التناحر الأيديولوجي آنذاك حدّاً لافتاً، حتى بين طلبة المدارس الإعدادية، حيث كانت الصفوف الدراسية تنقسم بوضوح بين تيار حركة القوميين العرب، والتيار الشيوعي، والخط البعثي. غير أن ذلك الصراع، رغم حدّته، كان يحمل في داخله شيئاً من البراءة الفكرية والإيمان الحقيقي بالمبادئ، إذ كان الشباب ينتمون إلى الأفكار بوصفها قضايا مصير لا بوصفها وسائل لتحقيق مكاسب شخصية.
كان ذلك الزمن، على قسوته، زمناً يؤمن بالعطاء المجرد، ويحتقر المادية مهما بلغت إغراءاتها. ولهذا لم يكن اندفاع شخصيات مثل "إذعار محمد ظاهر" سوى انعكاس طبيعي لمرحلةٍ آمنت بالفعل قبل الشعار، وبالقضية قبل الذات. وربما كانت تلك القيمة تحديداً هي ما تفتقده الأزمنة اللاحقة؛ فكلما تراجع الإيمان بالفكرة، اتسعت مساحة المنفعة، وتحوّل الحلم الجماعي إلى هواجس فردية صغيرة.
أما "جمال عبد الناصر"، وكما أشار الدكتور "عبدالستار الجميلي"، فقد لم يعد مجرد زعيم سياسي، بل تحول إلى رمزٍ جمعي تجسدت فيه آمال الأمة العربية وطموحاتها. حتى إن حضوره امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فأطلقت العائلات اسمه على أبنائها بوصفه تعبيراً عن الحب والانتماء والإعجاب. غير أن هذه الظاهرة تفتح باباً واسعاً للتأمل في طبيعة الوعي الجمعي العربي، ذلك الوعي الذي طالما ارتبط بالأشخاص والرموز أكثر من ارتباطه بالمؤسسات والأفكار المجردة.
ولعل المتأمل في التاريخ يستطيع أن يقرأ الأزمنة من خلال أسماء الناس، فكأن الاسم يتحول إلى وثيقة خفية تكشف المزاج النفسي والاجتماعي للمرحلة. وربما امتدت هذه الظاهرة إلى عصور سحيقة، حتى في الأزمنة الآشورية القديمة، حين كانت صورة الحاكم، الصالح أو الطالح، تتسلل إلى الوجدان العام وتعيد تشكيل المخيلة الجمعية.
ومن هنا، لا يبدو غريباً أن ينخرط الشيوخ وكبار السن في ذات التوجه القومي، مثل المرحوم "عباس الحويجة" كما ذكره الجميلي في قصته، لأن الشرقاط لم تكن مدينة هامشية أو عابرة في الوعي العراقي والعربي، بل مدينة تختزن إرثاً حضارياً عميقاً. فهي ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة ممتدة من قلعة آشور وزقورتها وبواباتها العتيقة تابيرا، إلى الإنسان الذي ظل يحمل شيئاً من عناد الحضارات القديمة وكبريائها.
ولعل ما قاله الدكتور "حمد الدوخي" عن الشرقاط يختصر هذا المعنى العميق حين وصفها بأنها:
"كأنما قلعة آشور تبثّ بسحرها على المناطق المحيطة بها".
غير أن ذلك السحر لم يكن أثراً حجرياً صامتاً، بل وعياً متوارثاً، وروحاً ظلّت تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى غدت الشرقاط مدينةً تُنجب الحكاية كما تُنجب الوعي، ويغدو فيها السرد امتداداً للوجدان، لا مجرد تسجيلٍ للأحداث أو استعادةٍ للماضي.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...


المزيد.....




- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...
- رُكام الأسى في قصيدة -الحزن وباء عالمي- لإدريس سالم
- مدير عام الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية: حريص ...
- عن الخوف وشرطة الفكر
- -بابيون-عملاقة.. ديمي مور تظهر بـ -فستان ضخم- في مهرجان كان ...
- في معرض الدوحة.. ناشرون يرصدون تحديات صناعة النشر العربية
- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدكتور عبدالستار الجميلي