أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث














المزيد.....

قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 09:21
المحور: الادب والفن
    


منذ أن اختفى "شلال الخلف" دون أن يترك أثراً يُرى، لم يبقَ منه سوى الذكريات، تتداولها الألسنُ بعد أن هدأت العاصفة، تلك الحادثةُ الأخيرةُ باتت تُروى كخاتمةِ مأساة، كأنها فصلٌ أغلق على رجولةٍ مباغتةٍ نبتت في لحظةِ شرف. لا شك أنه عانى ما عانى في غربته، وتذوق طعمَ العيشِ الناقصِ ومرارةَ الفقد، وعزف على وترِ الذاكرة بسيمفونية الرحيل الموجعة، بعد أن ترك كلَّ شيء خلفه في لحظة غضب، قبل مائة عام ونيف، فكانت سنين قدرٍ لا تُحتمل. لم تكن طيشاً، بل وقفة شرف في لحظةِ حضورٍ استثنائي استدعت رجولة نادرة، حين دافع عن شرفِ امرأة بريئة من كل دنس، ترتبط به بصلة دم بعيدة، فالنخوةُ لم تغب عن قلبه آنذاك.
ومع مرور الأوقات، شعر بالابتعاد عن الجذور، عن لمسات الطفولة، عن صدى أصدقائه الذي يتناسل في داخله، إذ كان في كل صباح يجد نفسه يتوكأ على الأمل، غارقاً في التفكير ذاته، فشريطُ الذكرياتِ يهرولُ كالهاربِ من قيده نحو لحظةِ الألم، فيخاطب الضوءَ الرابضَ في عتمةِ روحه، ويُعبّر عن عطشٍ لا يرتوي، عن بوحٍ بطعمِ الصمتِ وملوحةِ الحنين في غربةٍ مفرطة.
لم يعد يجيد الانتظار، فالزمنُ استحال إلى قيدٍ لا ينكسر، لكن ما الحيلة؟ فشظايا قلبه تتناثر على رصيفِ ذلك الانتظار، بينما الأرقُ يحاصره من كلِ الجهات. يتساءل:
- كيف يكون شكل النوم؟ ومتى ينقشع الضبابُ عن خيطِ الفجر؟
لكنه يدرك أن الأحلامَ في منامه ليست سوى غصّات معلقة على أكتافِ الوهم، فيرى في الحلمِ ملجأ يؤنس وحدته، إلا أن ما يغيظه هو انكسار تلك الأحلامِ مع أولِ خيطِ نور، كما لو أن الفجرَ خصيمُ الأمل.
مرت السنين، ومعها تراجع وهجُ القصةِ في أذهانِ الناس، كان يعرف أن الانتظارَ حالةُ شوقٍ وحنين، وأن الأيامَ تتسرب من ثقوبِ العمر، فيغدو حديثُ الروحِ مجرد صدى، عانى في الغربة، وتذوق طعم العيش المرّ، وبات الحفاظ على نفسه ضمن حدود الكبرياء المنسي مسؤولية وجودية يومية. كان يدرك أن الذين كانوا يذكرونه قد أقسموا صمتاً على نسيانه، فالكلماتُ باتت قاصرةً على حمل تلك الآلام، والزمنُ لا يعود إلى الخلف، لكن في أعماقه المشتتة، ظل يتردد سؤال كأنه صدى في كهفٍ مهجور:
- من يسمعني؟ من يردد "غادر الإنسانُ الطيبُ" كما كان يسمع من قبل؟
كان يحدق في نهر دجلة، حيث تلتقي مياهه بمياه الزاب الأعلى، وتتشابك التيارات كما تشابكت سنواته الماضية. بدا المشهد أمامه كلوحةٍ بين الوهمِ والحقيقة، لكنه أدرك أن النهر، يأبى أن يهادن الروح، كما لو أنه مرآة لعزلته. حتى الريح تقتحم سكينته كسيوفٍ ناريةٍ مسنونة، جاءت لتأخذ القصاص منه كما يتصور ذلك. ينظر بعيداً إلى الأمام، حيث لا شيء واضح المعالم، لكنه أخذ يبتسم، لأن يدرك أن جرحه في النهاية لا يندمل، وأن الوجعَ هو الإرث الوحيد الذي لا يسرق.
ها هم الأحفادُ يعودون على الطريق ذاته، الذي حمل خطى الجد المتسارعة، دون أن يدركوا أنهم يعودون إلى وجعٍ دفين، بعد أن سمح لهم بالعودةِ من يعتقد أنه يمتلك أسرار الحياة، يحملون ملامحَ التعبِ واللومَ المبطن، يمضون ويحيون على الغوامض، في محاولة لإثبات ذواتهم في عالمٍ واقعي يبدو غريباً، عالمٍ مليء بالتناقضات والزيف المطلق ، فما بين غربةِ الجسدِ بالأمس وغربةِ الروحِ اليوم، ضاعت ملامحُ الجد في مرايا الأحفاد، بعد أن غادر جدهم الحياة في دار الغربة ونسيته الأجيال، فلم يبق منه سوى اسمه في تسلسل النسب، بلا أثر أو حكاية تليق بما حدث، فقد تآكلت ذكرياته في وجدانهم كما تآكلت النقوش على شاهدة قبره، لا أحد يمكنه قراءة ما مكتوب، لذا أخذوا يرددون في مجالسهم الخاصة، حديث النفس:
" أيها الجد، نحن متعبون، كنا نعيش الغربة الحقيقية، والآن نعيش غربة الروح"
لم يطالبهم أحد بالثأر من " شلال الخلف"، ولم يتعاملوا معهم كما لو كانت تربطهم بهم صلة قربى أو نسب عشائري، حتى أراضيه، ذكرياته، رجولته، كلها تآكلت كأنها لم تكن يوماً، كأن الأرض نفسها أنكرت ظلاله، فالنار المسعورة بدأت تأكل كل شيء، والضفاف ضاقت بالقلب. فمن يزيل البرزخ ما بين الأزمنة؟ من يعيد نبض الذاكرة التي ذَبُلتْ في أرشيف النسيان؟
الأحفادُ ما بين كبوةٍ وأخرى يتأرجحون، وهم يرون بأن الموقفَ الرجولي صار عبئاً على وجودهم الاعتباري في أرضٍ كانت تمثل لجدهم انبعاث الذات والكينونة. وها هم الآن، لا يختلفون عنه كثيراً، اعتادوا الجلوس، يواجهون نفس النهر، وتتقاذفهم الأسئلة:
- ترى هل تركنا بصمة؟ أم أننا مجرد انعكاسات باهتة لظلالٍ قديم؟ فلا فرق بينهم الآن وبين جدهم الذي اعتاد الجلوس بمواجهة نهر دجلة، كأنما يستنطق صمته، عائدا من أعماق المتاهة، يحدث نفسه حديث الروح، حديث العودة، بعد أن أصبح صبحه بلا شمس، وصمته وصل حد الهذيان الصاخب.
الجرح عميق، الآن بدأوا يَعون ذلك، بعد أن تلاشى حلمُهم في إثبات وجودهم في أرضٍ كانت تسمى أرض الأجداد، تلك الأرضُ التي كانت يوماً تتغنى برجولته، صارت الآن تبتلع ظل الأحفاد، دون أن تسألهم عن الأسباب، ووعوا كذلك أن الذاكرةَ لا تورث، بل تكتسب بالخذلان، وتُحفظ بالخسارة. على مسامعِ الأجيالِ الحاليةِ وقفة الشرف، في لحظةٍ لا بد أن تحضر.
وكم تمنوا ولو مرة أن يطالبهم أحفاد ولي الدم بالفدية، عسى أن تعاد على مسامعِ الأجيال الحالية وقفة الشرف، في لحظةٍ لا بد أن تحضر.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة


المزيد.....




- عن الخوف وشرطة الفكر
- -بابيون-عملاقة.. ديمي مور تظهر بـ -فستان ضخم- في مهرجان كان ...
- في معرض الدوحة.. ناشرون يرصدون تحديات صناعة النشر العربية
- رحيل «مرسول الحب».. المغرب والعالم العربي يودعان الهرم الموس ...
- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...
- كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي ...
- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث