أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك














المزيد.....

قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 07:48
المحور: الادب والفن
    


لا شيء يعدل دفء الطفولة، ذاك الحضن الذي يمنح الأمان، كأن العالمَ بأسره يختزل في ذراعين صغيرتين تحتضنان براءة الأيام الأولى، وما أروع الحكايات حينما تبدأها الأم بصوتها الواثق قرب الموقد الخامد في زاوية الغرفة الطينية الوحيدة، حيث تتعالى الكلمات فتغزل دفء الذاكرة، وتعيد للحياة نكهة قديمة يعتقها الحنين.
ووسط ذلك الدفء، تشدو الأم بقصصها، فينصت الولد بكل حواسه، وكأنه يغفو على جناح حكاية، وقد تتساقط دمعة من عينيه حين يواجه بطل الحكاية مأزقاً أو ينادي طالباً النجدة، وتتيقظ الحواس كلها إذا ما دخل الذئب المشهد، فيعلو التوتر وتزداد الحكاية ترقباً.
لكن حينما تغيب الأم بذاك الفقد الذي لا يفهمه، عندها يخفت كل دفء، وتغيب الأيادي التي كانت تُذيب الصقيع عن الكتف بحنان، تطوى الحكايات كما تطوى أيام الطفولة المبللة بالحزن، ويصبح الفزع رفيق تلك الطفولة، فيطل كعفريت من كل زاوية، ويتسلل إلى الأحلام، فيزرع الخوف في زوايا القلب الصغيرة.
ومع غيابها الذي لا يفهمه، تظل الذاكرة حائرة، تبحث عن الأم الغائبة، عن رائحتها العالقة بوسادة الليل، عن صوتها الذي يشبه همس النسيم على شاطئ الرمل. ولأن الولد لا يزال لا يعي بعد معنى الموت، يظن أن الغياب مؤقت، وأنها ستعود كما تعود الشمس كل صباح، أو كبطل الحكاية بعد غياب طويل. فإذا بالانتظار مهلة تعلٌق الأحلام، وإذا بالحقيقة ضربةٌ تهوي بالأحلام، وهكذا يتحول ذلك الانتظار إلى طقس يومي، يتجاوز المألوف، ويترسخ في الروح حتى يصبح وجعاً.
يتسلل الشك إلى قلبه الصغير بلا استئذان، يعتصره بصمت، فلا يجد من يربت على كتفه، ولا صوتٌ يهمس له أن كل شيء سيكون بخير، ليظل وحده يواجه الفقد، يصارع وجعاً يفوق عمره، يبحث عن أمان لن يعود، وعن حكاية لم تنتهي بعد.
وكأن هذا الشك الذي بدأ صغيراً، كبر معه عبر سنواتٍ وتجارب قاسية، حتى رافقه وهو رب أسرة، لكنه قد يوصله في أغلب الأحيان إلى بر الأمان، فالفقد الأول ترك في قلبه شرخاً، ما لبث أن تمدد، حتى وجد انعكاسه في حكاية الشاة التي لم تكن سوى مرآة لشك قديم. إذ كانت لديه شاةٌ سمينة، لا تشبه سواها، عامرة بالنشاط والحيوية، حتى غدت محط أنظار التجار رغبة لا تخفى، حتى باتت ترى كرمزٍ للثروة المحتملة، كأنها دفقة من ربيعٍ لا ينتهي، أو كأنها لم تعد مجرد بهيمة، بل أصبحت رمزا لما تبقى لديه من رجاء، أو قوة تمكنه من تجاوز مرحلة الفقر والفاقة التي يمر بها، أو كأنها أقرب إلى ذاكرة لا يريد أن يفرط بها، رغم ما كان يمر به من ظروف قاسية، إلا أنه كان يرفض بيعها، لا عن ترفٍ، بل عن حذر فطري من تاجرٍ قريب، ينتمي إليه نسبا، لكنه ينأى عنه روحاً، شخص يعرفه تماما، مثل بعض من يصادفهم في يقظته أو في المنام، ولم يكن غريب الأطوار، فهو مرتبط بتاجر كبير في المدينة، إذ كان يعرف أن بعض الطمع لا يجيء من الغريب فحسب، بل قد يتدثر بعباءة القربى أو يتوشح بملامح الثقة، لذا ظل يؤجل بيع الشاة، يتحصن بالانتظار، ويصطنع الاعذار كلما اقترب منه التاجر القريب.
كان التاجر يُكثر السؤال عن الشاة، يتودد، يُظهر حرصاً مبالغاً، ويقنع الآخرين أن ما يفعله هو بدافع المحبة والغيرة على مصيره، فيما عيناه تفضحان لهفنه. أما صاحب الشاة، فكان يماطل ويختلق الأعذار، مدفوعاً بحدس يخبره أن ما يُقال ليس كما يُراد.
ولأن الطمع لا يعرف الصبر، ولا يغفو، لم ييأس التاجر، كان يدور حول البيت يرقب اللحظة المناسبة، فحين اضطر الرجل للسفر لأيام، انتهز التاجر اللحظة. جاء إلى أهل البيت بوجه مطمئن، وكلام مغلف بحسن النية، وادّعى بثقة أن صاحب الشاة قد أوصاه قبل سفره بلحظات أن يأخذ الشاة إلى سوق المدينة، كي لا تفوته الفرصة. أبدى التاجر حرصاً أخوياً، وتحدث بلسان من يخشى على البيت من الضياع وبثقة لا تناقش. وما كان من أهل الرجل إلا أن صدقوا كلامه، فسلموه الشاة دون أن يطلبوا يقيناً، مكتفين بوشاح النسب وادعاء المحبة.
أخذ التاجر الشاة، وغاب، وغابت معه الحقيقة. مرت الأيام ولم يعد، وطال الانتظار، فلا شيء أجمل من الانتظار قبل أن تكتشف الحقائق، وبعد غياب طويل، عاد بوجه متهالك، ليقول بأن الشاة قد سقطت من مركبة النقل وماتت، وإنه يتأسف لما حدث، فلقد حاول الحفاظ عليها، لكنها لم تصمد، ثم أخذ يتظاهر بأن يخرج مبلغاً من المال ليثبت صحة نواياه، بطقس غرائبي حيث يجمع بين البراءة والخديعة، وبين العطاء المزعوم والأخذ المتخفي، غير أن نظرات أهل الرجل أربكته، فتراجع مدعياً أنه سيعوضه حال عودته من السفر، بمجازٍ لا يسمن ولا يغني من الحقيقة. هنا تلاشى كل شيء عن سؤال تائه عن يقين ليس له في دواخلهم جواب له، حقيقة تنزف عند أطراف حلمٍ تكسر فوق صفحات براءة الطفولة.
وبعد أن انكشفت الخديعة، عاد الرجل من سفره، تلقاه أولاده بعيون قلقة تفيض بالندم الصامت، وتنكسر فيها لهفة اللقاء، وتسكن في دواخلهم لواعج الشكوى، شكوى الحيرة ونفاذ الصبر، فتحيل أحلامهم إلى غصة معلقة على أكتاف الوهم، بعد أن باعوا الثقة واشتروا الندم، وأبلغوه بما حدث. لذا جلس بهدوء على حافة فراشه، كأن التعب قد نحت في ملامحه أخاديد الحكمة، وترك في عينيه رماد الصبر. ثم أشعل غليونه، ونفث دخاناً كثيفاً في عتمة الصمت، كأنما يخفي خيبته بين دوامات الدخان، أو يبعد عن وجهه خيبةً كان يتوقعها، عندما تكاثرت حوله شلالات من خواطر الشك الحزينة، كادت أن تنبثق مفردات الانفجار، لكنه تمكن من ايقاف صدى ذلك الهمس، ثم قال بكلمات ثقيلة، بصوت مبحوح، يقطر حكمةً كجرح قديم، ووجعاً تكسوه ملامح الصبر، لعل الليل يتحرك، ويقرع ناقوس اليقظة:
- لا تسألوا عنها ثانية، كنت أعلم... لكنكم أعطيتم الثقة بلا ضمان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...


المزيد.....




- رحيل حارس الضاد.. أكاديميون ومثقفون يودعون الدكتور خالد فهمي ...
- يولاندا حديد أم ابنتها بيلا.. من الأكثر أناقة في مهرجان كان ...
- محمد رمضان يكتسح شباك التذاكر بفيلم -أسد- وتعثر حاد لمحمد سع ...
- الفنان فارس الحلو: -عودتي للكوميديا صعبة ودموع أمهات سوريا ل ...
- مهرجان كان السينمائي-بيدرو ألمودوفار يعود إلى الكروازيت مع ف ...
- -الأمل-.. خيال علمي كوري سريالي يُبهر مهرجان كان السينمائي
- مواجهة شرسة بين -كانال بلوس- ومعارضي نفوذ الملياردير بولوريه ...
- في عالم بوليوود الشهير.. السينما تنصف فئات اجتماعية وثقافات ...
- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك