أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟














المزيد.....

قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 02:00
المحور: الادب والفن
    


يفتح عينيه على الحياة كمن يُولد من جديد، يبتسم لكل وجه يراه، ويتمدّد في حضنٍ دافئ كأنه وجد العالم كله في ذراعين. يكبر وسط بيتٍ يبدو كاملاً من الخارج: طعامٌ حاضر، ضحكاتٌ متكررة، وإخوةٌ يملؤون المكان حركةً وضجيجاً. كان الأكبر بينهم، الأقرب إلى والده، وصوتُه هو الذي يُستجاب له حين تتعقد الطلبات وتضيق الطرق.
في المدرسة، يلمع اسمه بين المتفوقين، يحظى بإعجاب المعلمين، ويُنظر إليه كنسخةٍ مثالية من الابن الذي يُفترض أن يُفتخر به. في البيت، كان وسيطاً بين الأب وإخوته، لا يُرد له طلب، وكأن العالم قد اختاره ليكون في المنتصف دائماً.
لكن شيئاً خفياً كان يتسلل من الزوايا… لا يُقال، لكنه يُحس.
في مساءٍ صيفي، كان والده يجلس في الحديقة الخلفية مع أحد أصدقائه، يطلب منه إعداد الضيافة ثم العودة. لم يتوقع أن جملة عابرة ستسقط في أذنه كصاعقة:
- أهو ابن فلانة؟
تجمّد في مكانه.
سمع صوت أبيه منخفضاً، مرتبكاً:
-اخفض صوتك… كي لا يسمع الولد.
لم يدخل… فقط انسحب بصمت. كأن الهواء صار أثقل من أن يُحتمل، وكأن الخطوات فقدت معناها. أغلق باب غرفته عليه، وألقى بجسده على السرير، لكن النوم لم يجرؤ على الاقتراب منه. بدأ يعيد شريط الأيام… زيارات العائلة، نظرات النساء، طريقة استقبال مختلفة لا يفهمها طفلٌ صغير. كان يرافق إخوته، لكن أحداً لا يسأله عن الأم. كأن الاسم نفسه محذوفٌ من جمل الحياة.
- لماذا يسألون عن أمهم ولا يسألون عني؟ لماذا كنتُ دائماً على الهامش وأنا في الداخل؟
يرى نفسه في المرآة… ملامحه لا تقول شيئاً غريباً، لكن الآخرين كانوا يرون ما لا يراه هو. تأنيب متكرر، همساتٌ لا تنتهي، وأسئلة لم تُطرح يوماً بصوتٍ واضح.
لم ينم تلك الليلة. خرج إلى الصالة.
كان والده هناك.
رفع الأب رأسه:
- ما بك يا بني؟ هل أصابك مكروه؟
تردد، ثم انفجر السؤال من أعماقه:
-أبي… أين أمي؟
سكت الأب لحظة، ثم قال وهو يحدق في هاتفه كأنه يهرب من زمنٍ ثقيل:
- انفصلنا منذ عشرين عاماً… لأسباب كثيرة… ولا أريدك أن تسأل أكثر.
لكن السؤال كان قد خرج من القفص، ولن يعود.
منذ تلك اللحظة، صار يبحث عنها كما يُبحث عن جزءٍ مفقود من النفس. طالبٌ جامعي يعيش حياة كاملة على الورق، لكنه ناقص في الداخل.
- لا بد أن أجدها… إن كانت على قيد الحياة.
كان يشعر أن بين الزواج والطلاق هاويةً من الصمت، تسقط فيها الحقائق ولا تصل إلى أحد. وأنه هو وحده من وقع في القاع دون أن يُخبره أحد لماذا.
وفي يومٍ ما، وصل إليها.
كان الهاتف يرتجف في يده:
-ألو… هل أنتِ فلانة؟
صوتٌ أنثوي يرد:
- نعم… من أنت؟
وانكسر الصوت في صدره قبل أن يخرج:
- أنا… أنا ابنك.
صمتٌ… ثم ارتباك… ثم سؤال لا يقل وجعاً:
- هل أنتَ فلان؟
لم يستطع التماسك:
- نعم يا أمي…
وانفجر البكاء من الجانبين، كأن الزمن كله انهار في لحظة واحدة. اتفقا على اللقاء.
في اليوم التالي، لبس أجمل ما يملك، كأنه يستعد لولادةٍ ثانية، لا لقاءٍ فقط. أمام الباب، كان قلبه يسأل قبل أن يطرق:
"كيف تبدو أمي؟ هل ستعرفني؟ هل سأكون ثابتاً أمامها أم سأنهار؟"
فُتح الباب.
نساءٌ كثيرات، وعيون تنتظر. ثم ارتجف السؤال:
- من أمي؟
وقفت امرأة، كانت تبكي قبل أن تُنادي:
- أنا… يا ولدي.
لم ينتظر أكثر. انكسر الزمن بين ذراعيهما .احتضنته كما لو أنها تعيد جمع عمرٍ تفتت، وشمّته كأنها تتأكد أن ما ضاع عاد، وبكى الاثنان حتى لم يبقَ في الصوت مكان للكلام. سقطا أرضاً، كأن الوقوف لم يعد ممكناً أمام كل هذا التأخر.
وحين هدأ البكاء قليلاً، قال بصوتٍ مكسور:
- كبرتُ يا أمي… وكثرت دموعي… لكنك لم تكوني تعرفين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...


المزيد.....




- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...
- كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
- العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با ...
- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...
- مهرجان كان السينمائي-المسابقة الرسمية تستعيد ظلال الحرب العا ...
- كتاب -سورية الثورة والدولة- يفكك تحولات دمشق بعد سقوط النظام ...
- مهرجان كان: فيلم -توت الأرض-.. عن معاناة العاملات الموسميات ...
- من مخطوطة في العشق
- باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس ...
- معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟