|
|
تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي ( الجزء الثاني)
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 02:39
المحور:
الادب والفن
هنالك صراعٌ بين الهويةِ والانتماء من جهة وبين الواقع القاسي من جهة أخرى، فنهرُ دجلة هو رمزٌ للأصلِ والجذورِ الذي يمثل روحَ العراقِ وتاريخه، لكنّه في ذات السياقِ محملٌ بالقهر بدلاً من الحياة، فهنا، أبدعَ السويديُّ في خلقِ مشهدٍ تتداخل فيه الأضدادُ في لوحةِ واحدة، إلا أنه يركز على انتقالِ المعاناةِ من جيلٍ إلى جيل، وكأنَّ الهويةَ نفسها مشبعةٌ بالحزنِ على مرَّ العصور، ربما لا أحد يمتلك بذات الكم من الأحزان، مما يضعُ العشقَ في موضعِ مواجهةٍ مع الألم، فهل هما ذئبان من رماد؟ فالظلمُ يأكلُ بلا رحمة، والحزنُ ينزلُ في كلِّ حين، ليبقى الإنسانُ في هذه الأرضِ يبررُ الأخطاءَ وإن لم يكن يعلم بها أو فعلها، فمن يمنحُ الغفرانَ أو يُثبت البراءة؟ ، لذا، سيطرح تساؤل جدلي حتمي، ترى هل يمكن للعشقِ أن يكون فيه الخلاص؟ ، إذا كان ذلك العشقُ يمثل التماهي مع المكانِ والانتماء له، فإنّ القهرَ هنا يشوه هذه العلاقة، ويجعلها محكومةً بصراعٍ داخلي بين حبِّ الوطنِ ومعاناته، وبالتالي، يفتح هذا البيتُ افقاً للتأملِ في معنى الانتماءِ عندما يصبح العشقُ مشوباً بالمآسي، وعندما تصبحُ الهويةُ متوارثةً عبر الألمِ بدلاً من الفخر. "هنا كان يحكي الناسُ عن قهرِ دجلةٍ وكم يشرب الأولادُ من ذلك القهرِ" حينما يلتقي الماضيُ بالحاضرِ في لحظةِ استبطانٍ للهويةِ الإبداعية، وقفةٌ تمثل اعترافاً بقوةِ الشعرِ وأهميته، هنا، يقفُ الشاعرُ مع "السياب"، رمزُ الشعرِ الحديثِ في العراق، الذي يمثل رمزاً للثورةِ الشعريةِ والتجديد، فحينما يعلن أمام السويدي " الآن لا وقت للشعر" في إشارةٍ إلى تراجع دورِ الابداعِ في زمنٍ يطغى فيه الواقعُ الصعبُ على الجماليات، مما يعكسُ أزمةً في الهويةِ الشعرية، وهذا ما يود أن يصلَ إليه الشاعرُ من خلال "السياب" فهنالك فاصلٌ من الجمودِ بين الشعرِ الحالي والمتلقي، فلم يعد له تلك المكانةَ كما كان، وكأنَّ الحداثةَ والتقدمَ الهائلَ صنع فجوةً كبيرة، إضافة إلى تراجعِ المستوى الثقافي مقارنةً بهذا التقدم، وهذا مما يجعل من السويدي يستشهد بالرموزِ الوطنيةِ على جميعِ الأصعدةِ عسى أن تستنهضَ الهممُ وترتقي من هذا التيه الذي يبدو لا حدود له. وكما ويشيرُ الشاعرُ على أنَّ تمثالَ "السياب" على الشطِ ماثل، يعكسُ تحول الشعر والشاعر إلى كيانٍ جامد، بلا حياة، وبلا حضور في الأمسياتِ الشعرية، لكنه حاضرٌ كمعلمٍ سياحي للزوار، وكأنه ودّعَ الحياةَ دون ضجيج، يحملُ هذا التصويرُ الرائعُ من قبل السويدي، دلالةً نقديةً تتجاوز الوصف المباشر، إذ تهيمُ الأفكارُ في رأسه، فيشيرُ على أنَّ الشعرَ، الذي كان نابضاً بالحياةِ والثورةِ، أصبح اليومُ مجردَ أثراً من الماضي، يُستهلك دون أن يكون له تأثيرٌ حقيقي، وهذا بدوره يعكس شعوراً بفقدانِ العشقِ الحقيقيِّ للكلمة، وتحولُ الهويةُ الشعريةُ إلى شكلٍّ بلا جوهر، كما ويؤكد قوله" لا وقت للشعر" يوحي بإحساسِ الشاعرِ بالاغتراب عن زمانه ومكانه، حيث لم يعد للكلمةِ ذات الأثر كما في الماضي. السويديُّ الذي يقفُ مع" السياب" يبدو كمن ينقّب عن ذاته وسط هذا المشهد، لكنه يصطدمُ بحقيقةٍ أنَّ العشقَ الشعري لم يعد كما كان، بل تحول إلى أرثٍ يُستغل لأغراضٍ أخرى، أفقده نقاءه الأول. في جدليةِ العشقِ والهوية، يبدو أن ذلك العشق، الذي كان متجسداً في الشعر، لم يختلف تماماً، لكنَّه تحول إلى شكلِّ من اشكالِ الذاكرةِ الجماعية، مما يعكسُ صراعاً بين الرغبةِ في استعادةِ الماضي والاقرار بالواقع الجديد، لهذا، فإنَّ تصورَ العشقِ والهويةِ في حالتهما المعلقة بين المجدِ القديمِ والتهميشِ المعاصر، مما يخلقُ تأملاً وجودياً في قيمةِ الابداع ودوره في التحولاتٍ الزمنيةِ ولو بعد حين. في هذا التداخلِ بين الحضور العميق، كصوت" السياب" الصارخ في المدى، الذي حمل وجعه الشخصي ليصبح انعكاساً لوجع الوطن، إذ تحولت معاناته الذاتية إلى مرآة تعكس الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد في زمنه، لقد كان شعره تجسيداً لصراعِ الهويةِ في بيئةٍ مأزومة، حيث امتزجت الروحُ الفرديةُ بالحسِ الجمعي، فأصبحت كلماته صدى لآلام شعبه وتطلعاته، وفي هذا الصددِ يمكن إجراءَ مقارنةٍ مع مكانةِ الشعراءِ اليوم من خلال التراجعِ في التأثيرِ في المجتمعاتِ الحديثة، إذ كان الشعرُ صوتَ الأمةِ وصانعَ الوعي، بل وأحياناً محرك للثورات، أمّا اليوم، فإن القصيدة تُستهلك كتراثٍ أو كجزءٍ من الهويةِ الثقافية، لكنّها لم تعدْ تلعبُ الدورُ ذاته في التوجيهِ والتغيير. لذا، فإنَّ التغييرَ في دورِ الشعراءِ يؤثر على علاقتهم بالهويةِ الوطنية، إذ إنَّ الشاعرَ، الذي كان في السابقِ مؤرخاً للزمنِ عبر القصيدة، أصبح اليوم يُنظر إليه إما كتقليدٍ موروثٍ أو كصوتٍ من الماضي لا ينسجم مع العصرِ الرقمي، ومع هذا، فإنَّ " يا دجلة الخير" لا تزال تحملُ الهويةَ الوطنية، حتى لو باتت ينظر إليها كتراثٍ أكثرَ من كونها أداةَ تغييرٍ للواقع. "وقفتُ مع السياب وقفة شاعرٍ فقال بنَّي الآن لا وقتَ للشعرِ أنا الآن تمثالٌ على الشطِّ ماثلٌ لكي يطعم الزوارَ من شعرهِ الحر" وكأنَّ العشقَ حين يُختزلُ في تمثالٍ بلا نبض، يصبحُ شاهداً على مأساةٍ كبرى، وإن خُلّد الشكلُ، إلا أنَّ الروحَ قد سُلبت التي كانت تعيله بالكلمةِ والتمرد، فهل يمكن أن تبقى الهويةُ حيةً إذا جُردتْ من قدرتها على التأثير؟ إنَّ تغييبَ الكلمةِ هو تغييب للوجود، وطمسُها محاولةٌ لدفنِ ذاكرةٍ نابضةٍ تحت ركامِ النسيان، لكنَّ العشقَ شأنه شأنُ الهوية، لا يُمحى بسهولة، بل يتجدد كلما حاول التاريخُ إخماده، في هذا الامتداد، فهل سيظلُّ "السيابُ" حياً، في صورته الجامدة، أو في قصائده التي يُفترض أن تترددَ بوعي وحضور في فضاءِ الوعيِ الثقافي؟، إذ لا بدَّ أن يتشابكَ العشقُ بالهوية، فلا يكون أحدُهما إلا امتداداً للأخر، بحثاً عن معنى بعيداً عن خضم التيه. أمَّا "وفيقة" فهي تمثل النهاية التي جاءت وكأنها أمرٌ حتمي، وكأنما أُختُزلت في " نقطة آخر السطر" ، هذه الصورةُ تستدعي فكرةَ الانقطاعِ المفاجئ، والهويةُ التي يجري طمسها قسراً، أو العشقُ الذي يُجبر على التلاشي رغم نبضه المستمر في الذاكرة، لذا فهي تحملُ دلالاتٍ حول الغيابِ والاختفاء، وربما يمتدُّ الفقدانُ ليتجاوزَ الفردَ ويشملَ الفكرة، الهوية، أو العشق المتجذر، ولذا فإنَّ طمسَ الكلمةِ يوازي مصير "وفيقة" في البيت الشعري، وكأنَّ العشقَ أو الهويةَ حين يجردان من أدواتِ التعبيرِ من خلال الكلمةِ أو القصيدةِ أو اللغة، فإنّهما يتحولان إلى ذكرى هامدة، كتمثالٍ بلا نبض، ومن هنا فإنَّ تخليدَ الشكلِ دون الجوهرِ هو المأساةُ الحقيقيةُ، تماماً كما أنَّ" وفيقة" صارت مجردَ نقطةٍ في آخرِ السطر. ورغم أنَّ "وفيقة" أصبحت تمثل الغياب، إلا أنَّ النداءَ " فقلت له يا بدرُ أين وفيقة؟ ، يحمل الرغبةَ في استعادتها، وكأنَّها لم تمحَ تماماً، بل يريدها الشاعرُ أن تظلَّ في الذاكرةِ كما "السياب"، لا يريد أن تمحى اعتزازاً ووفاء، وحتى وإن كانت نقطةً في آخرِ السطر، إلا أنَّ "السويديَّ" يريد بقائها من خلال العشقِ والهوية، عبر الذاكرةِ والتجدد، والبحثِ المستمرِ عن المعنى الحقيقي لبقائها في ذاكرةِ الأجيال. "فقلتُ له يا بدرُ أين وفيقةٌ؟ وفيقة كانت نقطةً آخرَ السطرِ" ما بين الهويةِ التي تتبدَّدُ في استحالةِ العثورِ على بغدادَ التي في ذهنِ الشاعر، مما يعكسُ ضياعاً ثقافياً وتاريخياً، وبين العشق الذي يتجلى في البحث المتواصل عن بغداد، كأنها معشوقة غائبة، فالسويدي استطاع أن يختزلَ وجعَ البحثِ عن تلك الهويةِ الضائعةِ في واقعٍ لا يعترف بها، وتحولُ العشقُ إلى حسرة، ليصبح الماضي محجوباً عن الحاضر، وقد استخدم " بدر بغداد" وصيغة التصغير " صغيري" يضيفان بعداً شعرياً، فالأولُ يمنحُ بغدادَ هالةً من القداسة، أمّا الثاني فيعكس العلاقةَ الأبويةَ بين الشاعر و"السياب"، وكأنَّ الأجيالَ الجديدةَ تُسلّم بحقيقةِ ضياعِ الماضي. ففي قول الشاعرُ" أفتش عنها في الكثير من الدهر" نجد هنالك ذاتاً تبحثُ عن بغداد، لكنَّ ليست بغداد كمكان، بل كرمزٍ للهويةِ المفقودةِ أو المغيبة، فالبحثُ هنا يحملُ دلالةً عشقٍ عميقٍ لشيءٍ كان موجوداً لكنّه لم يعد كذلك، أما كلمة" بدرُ بغداد" فهذه تعطي بعداً حالماً، حيث يتم استحضار بغداد ككائنٍ مضيء، لكنّه بعيدُ المنال، مما يعززُ الإحساسَ بالحسرةِ والضياع. في سياقٍ آخر، هنالك نصٌّ يحملُ دلالةً صادمة" إذ إنَّ بغدادَ لم تعد" حيث يظنُّ الشاعر عنها، فيُخبر بأنَّ سعيه وراءها غير مجدٍّ، لأنَّ بغدادَ التي يبحثُ عنها لم تعد كما كانت، فتسقطُ تلك الكلماتُ كالمطرقةِ على رأسه، وفي الشطر الثاني، يأتي التأكيدُ على هذهِ الفكرةِ حينَ قال" لا نصَّ عن بغدادَ يصلحُ للنشر" مما يوحي بأنَّ هويةُ بغدادَ قد أصيبت بالتشويهِ أو التحوُّل، في إشارةٍ واضحةٍ إلى انقطاعِ السَّردِ الحضاري أو غيابِ التعبيرِ الحرِّ عن حقيقتها، هنا، اليأسُ لا يتركهُ يشعرُ بمباهجِ الحياة، فيقول: "وقلتُ له يا بدرُ بغدادُ إنني أفتشُ عنها في الكثيرِ من الدهرِ فقال صغيري إن بغدادَ لم تعد ولا نصَّ عن بغدادَ يصلحُ للنشرِ" ويفاجئنا الشاعرُ السويديُّ حين يبحث عن الشاعر الكبير" الجواهري" رغم أن صدى صوته لا يزال يترددُ بين ضفافِ النهر، ذلك النهرُ الذي كان في شعره يجري كما يجري في ذاكرةِ بغداد، فلم يكن" الجواهريُّ" مجردَ كيانٍ ينبضُ بالحياةِ والحريةِ والتجدد، بل كان رمزاً أدبياً متجذراً في الروحِ العراقية، ومع ذلك، يبدو الشاعرُ هنا يبحث عنه وكأنّه رحلةٌ في اثرٍ مفقود، مما يعكس أزمةَ هويةٍ وانفصالاً عن المعاني الأصلية التي جسدها، فالبحثُ عنه في كلِّ الدواوين، ليس مجردَ استعادةً لنصوص، بل هو محاولةٍ لاستعادةِ جوهرَ الهويةِ الأدبيةِ والثقافيةِ " للجواهري" ، فالشاعرُ الكبير الذي ارتبط بالنهر حتى إنه سمى ابنه البكر" فرات" ، لم يكن إلا امتداداً لتاريخٍ من العشقِ لبغدادَ ونهرها الخالد، والصورة الحيةُ التي بقيت تنبض في كلماته. ويشعرنا الشاعرُ بالصدمةٍ الحقيقيةٍ حين ما يأتي الردُ من الليلِ بعد كلِّ هذا البحث في الدواوين" صديقك لن يأتي فقد نام في القبر"، فالشاعرُ هنا لا يتمكن من أن يتصورَ “الجواهري" بكلِّ ما يمثله من مكانةٍ في الحضورِ الوجداني العراقي بل ويتجاوز ذلك إلى المحيط ِالعربي، أن يكونَ جثةٌ فقدت روحها، فصوتُه كان مجرى للنهر، بل هو نهرٌ ثالثٌ بعد دجلة والفرات، إلا أنه قد غاب، ما يوحي بأنَّ زمنه بما يمثله من قيم وجمال قد انتهى، فالليلُ هنا ليس مجردَ وقتٍ زمني، بل كيانٌ مجسدٌ، مما يضفي طابعاً أسطورياً ويجعله رحلةً بين الواقعِ والخيال. وكأنَّ الريحَ أخذت معها صدى الماضي، إذ تشتتُ النصوصُ وضاع الأثرُ الشعري أو استحالة استعادته كاملاً، لكنَّ المفارقةَ الحادةَ والأهم" ولم يبق إلا نصّ" يا دجلة الخير" هذا المشهدُ يجسدُ انتصارَ العشقِ على المحو، إذ تبقى قصيدة" يا دجلة الخير" كآخرِ أثرٍ لصوتِ " الجواهري" وكأنها الوصيةُ الخالدةُ لروحِ بغداد، وشاهدٌ على هويةٍ تقاومُ الفناء. ما بينَ الحنينِ والخذلانِ والبحثِ واليأسِ، تبقى الهويةُ تعيشُ صراعاً بين الضياعِ والبقاء، حيثُ تتطايرُ الأوراقُ، لكن تبقى" يا دجلةُ الخيرِ" كدلالةٍ على أنَّ بعضَ النصوصِ تصبحُ مرادفةً للخلود، حتى وإن غابَ أصحابُها، لذا فهي تتركُ بصيصاً من الأملِ في أن تبقى بعضُ النصوصِ شاهدةً على عشقٍ لا يموت، وحتى وإن أوحى الليلُ على الزمنِ الحالي لم يعد يتسعُ لهؤلاءِ عشاقِ الهوية، لكن رغمَ ذلك، فإنَّ بعضَ رموزَ الماضي تأبى اختفاءَها، أمَّا العشقُ فيتجلى في البحثِ عن "الجواهري" كشاعرِ هويةٍ ونهر، وكأنَّ استعادةَ صوتهِ تعني استعادةَ بغدادَ ذاتها، لذا فيقولُ الشاعرُ السويديُّ وصوتُه تتكسرُ فيه العبراتُ: "ففتشتُ في كلِّ الدواوين عن أبي فراتٍ لأنَّ النهرَ في شعرهَ يجري فقال لي الليلُ الذي كان ظّلهُ صديقُكَ لن يأتي فقد نامَ في القبرِ تطايرت الأوراقُ منه جميعها ولم يبقَ إلا نصّ (يا دجلةَ الخير)" وفي نهايةِ القصيدة، يعودُ الشاعرُ السويديُّ ليؤكدَ رحلته إلى البصرة، حيث يبحثُ عن الراحةِ من عناءِ الحياةِ في هذا العمرِ القصير، لكنّه في الوقتِ ذاته يتجاوزُ البعدَ الظاهريَّ للرحلةِ ليطرحَ جدليةَ العشقِ والهويةِ من خلالِ استحضارِ رمزيةٍ مكانيةٍ وشخصيةٍ تاريخيةٍ، فالبصرةُ، كما أشرنا سابقا، ليست مجردَ بقعةٍ جغرافيةٍ يحضرها الشاعرُ في قصيدته، بل هي كيانٌ ثقافيٌّ وروحيٌّ متجذرٌ في الوعي، كونها موطنٌ للعلمِ والمعرفةِ والتذوقِ الجمالي. يمنحها الشاعرُ وصف" السمراء"، وهو وصفُ يمنحها طابعاً حميمياً، وكأنَّها كائنٌ حيٌّ ينبضُ بالحياة، له حضورٌ حسيٌّ وروحيٌّ متغلغلٌ في الوجدان، ويعززُ هذا الإحساسُ حين يربطُ البصرةَ بالنخلِ القائم، إذ يمنحُ هذا الترابطُ صورةً للصمودِ والشموخ، مما يعكسُ تلاحمُ المكانُ مع الزمنِ والتاريخ، ووصفه للنخل ب “القائم" يضفي عليه طابع الثبات والاستمرارية، وكأنَّ الزمنَ لم ينلْ من جوهره. يمرُّ الشاعرُ بالبصرة طلباً للراحةِ من تعبِ العمر، ومن السخرية التي تنوحُ في دواخله، لكنه في الحقيقةِ يخوضُ رحلةَ بحثٍ أعمق، رحلةً نحو المعنى ذاته، فالمكانُ هنا يتجاوزُ حدوده المادية ليصبحَ رمزاً للملاذِ الروحي، حيث يستعيدُ الإنسانُ ذاته، متحرراً من أعباءِ حزنه وعزلته، وهذا البعدُ الروحيُّ يمنحُ النصَّ إشاراتٍ صوفية، حيث يتخذُ العشقُ هنا شكلاً وجدانياً متجاوزاً الواقع، ليصبحَ تجربةَ بحثٍ عن الحقيقة، لا مجردَ ممارسةٍ دينيةٍ أو تراثية. الهويةُ تتأرجحُ بين العشقِ الروحي والتجربةِ الواقعية، كما يعلنها الشاعرُ، وكأنَّها في صراعٍ دائمٍ بين التجلي والاحتجاب، بين الحضورِ والغياب، مما يعزز الحضورَ الوجداني، فالشاعرُ هنا لم يكتفْ بالحضورِ الوجداني للتصوف، بل في الإعلانِ الصريحِ في الذوبانِ في هويةٍ تاريخية، حيث يستحضر شخصية "الحسن البصري"، وكأنّه يعلن أنَّه امتداد له، أو أنَّ روحه تحيا فيه، وهذا يفتحُ بابَ التأملِ والتساؤلِ في فحوى الهوية، فهل الإنسانُ فرداً مستقلاً بحد ذاته؟ أم هو تراكمٌ لهوياتٍ سابقةٍ تتجلى فيه؟ ليصبحَ العشقُ هنا عشقاً للمدينةِ وللتاريخِ وللروحانياتِ وللذاتِ الباحثةِ عن حقيقتها في معارجِ العشقِ والمعرفة. "على البصرةَ السمراءَ والنخلُ قائمٌ مررتُ لكي أرتاحَ من تعبِ العُمرِ مررتُ وفي قلبي بقايا تصوُّفٍ فقلت لصوفيٍّ: أنا الحسنُ البصري" وعلى ضوءِ ما تقدم، قد يبدو أنَّ فقدانَ المكانِ يعني فقدانَ الهوية، لكنَّ العشقَ كقوةٍ روحيةٍ قد يحفظها من التلاشي، فالهويةُ لا تتحدد بالمكان وحده، بل تمتد في ذاكرةِ الشعوبِ ووجدانها، "فالسياب" و" الجواهري" يمثلان الصوتُ الشعريُّ المهددُ بالضياع، مما يعكسُ صراعَ الهويةِ الثقافيةِ الحديثة، إضافة إلى بغداد، فكلُّ رمزٍ مادي أو اعتباري يصبحُ مجردَ حدث، لولا أنَّ العشقَ لا يزال يحافظُ على ذاتِ الحضور، قد لا يكون المكانُ كما كان، لكنَّ بقاءَ النصوصِ الحية، واستمرار البحث عن الذات وسط الضياع، يشيران إلى أنَّ الهويةَ يمكن أن تبقى متقدة في الذاكرةِ حتى لو تغيرت المعالم المادية، وهكذا، يبقى العشقُ في صراعٍ دائمٍ مع الهوية، فإما أن يكونَ خلاصاً، أو أن يتحولَ إلى قيدٍ آخر يُضافُ إلى سلاسلِ الاغتراب، ليتم التساؤل، ترى هل العشقُ ذاته حرية، أم أنه وهمٌ آخرٌ تتجددُ فيه القيودُ؟ وإذا كان القيدُ مغلفاً بشعورٍ سامٍ كالحب، فهل يصبحُ مقبولاً، أم أنه مجردُ قناع جديد في مسرحيةِ الإنسان الأزلية؟.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش
...
-
قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
-
رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب
...
-
قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
-
حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك
...
-
قصة قصيرة: أنقاض
-
من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل
...
-
قصة قصيرة: بين ضفَتين
-
جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر
...
-
قصة قصيرة: ذات ليلة
-
بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف
...
-
قصة قصيرة: على شفا المساء
-
بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص
...
-
حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن
...
-
بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب
...
-
قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
-
الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا
...
-
قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
-
بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن
...
-
قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
المزيد.....
-
-2026 عامي الأخير-.. حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء
-
الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي.. لماذا لا تحصل على أفضل النتا
...
-
-فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
-
تجارب رقمية وإصدارات تربوية.. كتب الأطفال تخطف الأضواء في مع
...
-
مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -
...
-
مقاومة بالضوء.. محاولات لبعث السينما اليمنية من تحت الركام و
...
-
لم يكن تعاونه الأول مع المخرج محمد دياب.. ماجد الكدواني ضيف
...
-
نصوص سيريالية مصرية مترجمة للفرنسية(مخبزُ الوجود) الشاعر محم
...
-
-أسطول الصمود-يكشف هشاشة الرواية الإسرائيلية!
-
مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|