أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفاة للكاتبة د. تهاني محمد















المزيد.....

ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفاة للكاتبة د. تهاني محمد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 02:30
المحور: الادب والفن
    


بين العطاءِ والخذلانِ، تتسعُ رقعةُ الشكِ في النفس، وتضيقُ مع توالي الخيباتِ والعزلةِ، تارةٌ تُبقي على بصيصِ أملٍ، وتارةً أخرى تدفعُ إلى حافةِ اليأسِ، خاصةً عندما ينقضي العمرُ بين كفاحٍ لا يكللُ بالتقدير، وترحالٍ لا يجدُ وطناً يحتضنه، فحينئذ، تتداخلُ فصولُ الشوقِ في دواخلِ الإنسان، ويتسعُ شعورُ الغربةِ الذي يهزُّ كيانه، في عالمٍ بدأ يتجلى له كلوحةٍ رماديةٍ بلا ملامح، فيتبادرُ سؤالٌ: تُرى هل العزلةُ نتيجةٌ للخذلانِ أم هي وسيلةٌ لحمايةِ الذاتِ من ألمٍ أكبر؟
بينما تترددُ أصداءُ الكلماتِ في ذهنه كما تتلاطمُ الأمواجُ العمياءُ فوق صخورِ الذكريات، تدفعه إلى متاهاتٍ موحشةٍ، ينادي، لكنَّ الصدى وحده يجيبه، فيكلّمُ الجدرانَ الصامتة، ويحدقُ في بابٍ لا يُفتحُ إلا لماماً، ويتربصُ صريرَ الباب، كأنَّ الصمتَ نفسه يترقبُ شيئاً لن يحدث، وكلما طالَ انتظاره، ازداد يقينه بأنَّ الأبوابَ التي لا تُفتحُ اليوم، ربما لا تُفتحُ أبداً.
وهنا تتجلى ذروةُ العزلة، حيث يصبحُ الصوتُ مجرد صدى، والحركةُ مجردَ انتظارٍ عبثي، فتلك الأبوابُ المغلقةُ، ليست مجردَ عوائقَ ماديةٍ، بل هي شواهدٌ صامتةٌ على رفضِ العالمِ الاعترافَ بمن صارَ ظلاً يتلاشى في العدم.
أين تلك الابتسامةُ في صورته الشخصية؟ إذ تلاحقه أخبارُ الحروب، في وطنٍ يُنازعُ كشيخٍ يلفظُ أنفاسه الأخيرة، وكأنَّ الأيامَ باتت تدون نعيها في زوايا الذاكرة، فهل الوطنُ يموتُ كما يموتُ الإنسان؟ أم تبقى ذاكرته حيةً بعد فناء أهله؟ لقد جفّت القلوبُ، وتلاشت الأحلامُ كما تتبخر مياهُ بحيرةٍ مهجورة.
يتمنى لو يذوبُ ظلّهُ في عتمةِ الليل، ويهمسُ لألمه بكلِّ ما عجزَ عن البوحِ به في وضحِ النهار، بين موتِ الروحِ الذي يبدأ من لحظةِ تجاهلِ الإنسانِ لوجوده ومعاناته، وموتِ الجسدِ الذي يعلنُ الفراقَ البيولوجي، تكمن مفارقةٌ قاسيةٌ، لكن أيهما أشدُّ قسوة؟ موتُ الجسدِ السريعُ، أم الموتُ البطيءُ الذي يتآكل فيه الإنسانُ يوماً بعد يوم؟، فقد تموتُ الروحُ في لحظة، وقد تعاني سكراتُ الموتِ على مدارِ سنواتٍ طويلة، السعيدُ هو من يودعُ الحياةَ برفقةِ من يحب، أما الأسعد، فهو من يجدُ بينَ الوجوهِ من يرى وجوده قبل أن يتحول إلى ذكرى.
ما أقسى أن يُنسى الإنسانُ وهو على قيدِ الحياة، كأنَّ وجوده لا يتجاوزُ طيفاً عابراً ينعكس في مرايا الآخرين دون أن يبصره أحد، لكن ماذا لو كان كلُّ ذلك محضَ وهم؟ ماذا لو لم يبقَ شيءٌ سوى الوحدة؟ فهل تلك الوحدةُ مصيرُ محتوم، أم أنها خيارٌ أُجبر عليه البعض؟ لا شيء غير الصمت.
في عصرٍ طغت فيه المادةُ على العاطفةِ وانحسرتِ القيمُ الإنسانيةُ، يجدُ المسنُ نفسه معزولاً، يئنُ تحت وطأةِ الوحدة، فيعجزُ عن إيجادِ من يفهمه، ولا يسمع أحدٌ نداءَ روحه، حينها، يصبحُ صوته كأوراقِ الخريف، لا تثير إلا ضجيجاً خافتاً سرعان ما يتلاشى.
حين يكون هذا المسنُ مبدعاً، تتضاعفُ غربته في مجتمعٍ لا يمنحه ما يستحقه، فتتحولُ العزلةُ إلى موتٍ بطيء، أشدَّ وطأةً من الفناءِ الجسدي، عاشها السيابُ في أيامه الأخيرة، والمعري في سجنه الذهني، و"نيتشه" حين تجاهله معاصروه، و"كافكا" الذي لم تقدّر أعماله إلا بعد وفاته، وكأنَّ المجتمعَ لا يعترفُ بالمبدعِ إلا حين يصبحُ ذكرى.
وحده يجوبُ الليلَ المظلم، الذي ارتدى مثله لباسَ الصمت، كأنَّ كلَّ شيءٍ من حوله قد اختفى في غياهبِ الفراغ، بعدما غادرت أجزائه، كأنّه ظلٌّ بلا صاحب، يتلمسُ بقايا الدفءِ في طرقاتٍ باردة، وحيداً سيكون الشاعرُ مع أوراقه المبعثرة، وصوتٍ يجولُ في رأسه يستصرخه، يحاولُ الخروج، ولا يعرفُ إن كانت ولادةً أم وأداً له، فالكتابةُ صراعٌ مستمرٌ بين الكشفِ والإخفاء، بين البوحِ والصمت، فاليدُ قد كتبت ما كان يعتقده أنه الصواب، لذا تجده يقضمُ حزنه، وكأنَّ الحزنَ صار جزءاً من ذاته، لا يحتاجُ إلى البكاءِ أو الكلام، بل يُترجم بالوحدةِ والانعزالِ عن كلِّ شيء.
في القصة، يجسدُ الحوارُ بين الشبحِ والطبيبةِ الخفر أبعاداً أخرى للموت، ذلك الغامضِ المتخفي بين الحضورِ والغياب، بين المعلومِ والمجهول، بين القريبِ والبعيد، الشبحُ هنا ليس مجردَ كيانٍ هائم، بل هو انعكاسٌ لأولئك الذين ماتوا قبل أن يرحلوا، لمن دفنت أرواحُهم في مقابرِ التجاهلِ بينما لا تزالُ أجسادُهم تتحرك، الحوارُ بينه وبين الطبيبةِ يتخذُ طابعاً جدلياً ساخراً، وكأنهما يختبران عبثيةَ الحياةِ والموتِ على حدٍّ سواء، في عالمٍ لا يرى الإنسانَ إلا حين يُفقد، ولا يسمع الصوت إلا حين يصير صدى.
الطبيبةُ، بانشغالها المستمرِ بتشريحِ الموتى ودراسةِ حياتهم، تبدو وكأنها تبحثُ عن إجابةٍ لمعادلةِ الفقدِ التي لم تستطع فك رموزها، حتى باتت تستشعر كيف يُقتل الإنسانُ قبل أن يوارى الثرى، وكيف أنَّ التجاهلَ قد يكون خنجراً أكثر مضاءً من الموتِ نفسه.
فالشاعرُ الذي يُسلبُ اعترافَ الآخرين به، يغدو وجوده أشبه بالعدم، وكأنَّ شبحاً يعترضُ على موته، لا لأنه يرفضُ الرحيل، بل لأنَّ موته بدأ مع أولِ لحظةِ تجاهله المجتمع، وهنا يطرحُ السؤالُ: أيهما أشدُّ وطأة، موتُ الجسدِ أم موتُ المكانةِ والهوية؟ فهو كان يكتبُ بدفقةٍ لاشعوريةٍ، وربما يصلُ إلى حافةِ الجنون، إنَّ المفارقةَ الأشد مرارةٍ تتجسدُ في مشهدِ الطفلِ الذي يبكي فور ولادته، وكأنه ينعى قدومه إلى هذه الحياة، وبين المرأةِ التي تسبُّ وتلعنُ وهي تعاني آلامَ المخاض، وكأنها تودع جزءاً من ذاتها مع كلِّ ميلادٍ جديد، هنا تتجلى قسوةُ الحياةِ في صورتها الأكثر سخرية، حيث البكاءُ يرافق البدايةَ والنهايةَ معاً، وكأنَّ الوجودَ رحلةٌ قصيرةٌ بين دمعتين، دمعة الميلاد ودمعة الرحيل.
" لم تلد امرأة ما ابناً بريئاً قط “مثل سومري قديم كأنه يعلن أنَّ الإنسانَ يُولد بحكمٍ سابق بالإدانة، وأنَّ الشقاءَ قد كُتب قبل أن يتعلمَ كيف ينطقُ باسمه.
الشعرُ كشفٌ لجراحِ الروحِ واحتجاجٍ صامتٍ ضد العدم، فهو ليس مجردَ كلماتٍ، بل إعادة تشكيلٍ للذاتِ من جديدِ وسط عالمٍ ينهار، لكنه قد يكون خلاصاً أو لعنةً أبدية، فهل يمكن للشاعرِ أن يحطمَ ذاته التي قُيدت بواقعٍ يرفضه، ويعيد تشكيلها دون أن يظلَّ عالقاً في فخِ التكرار؟ ففي كلِّ نصٍ، يُعاد طحنَ الروح، وكأنَّ الكتابةَ ليست سوى تمزيقٍ مستمرٍ للذات، ومحاولةٍ لإعادةِ بعثها وسط ركامِ الحياة.
ربما، كان عليه أن يسلكَ طريقَ الغباوةِ واللامبالاة، أن يتخلى عن البحثِ عن المعنى، عن الإجابات، فالتفكيرُ المستمرُ هو سجنٌ بلا جدران، حيث يصبح الهروبُ مستحيلاً، والوقتُ بلا معنى، والأيامُ التي تتساقطُ من بين الأصابعِ كالرمالِ، بلا أثر.
في هذا السياق، يعتبر الموتُ الجسدي مجردَ محطة، لكنَّ الموتَ الحقيقي هو ذلك الذي يسلبُ الروحَ ببطء، تاركاً الجسدَ يمشي بلا حياة، حيث يتحول العطاءُ إلى استجداء، والوهجُ إلى ظلالٍ باهتةٍ تبحث عن ضوء، حيث لا يبقى منه سوى رجاءٌ صامتٌ للشفقة، حتى وإن كان بشكلٍ باطني لا يُفصح عنه، لذلك، فإنَّ الحاجةَ إلى الاحتفاءِ بالجانبِ الروحي للإنسانِ لا تقل أهميةً عن أي ضرورةٍ مادية، وإن كانت المادةُ تؤمن البقاء.
الحبُ ليس إحساساً عابراً، بل جذرٌ ممتدٌ في القلب، لكنه أيضاً عطشٌ دائمٌ لا يرتوي، هنا تتجلى أهميةُ الاهتمامِ بالجوانبِ الروحيةِ والعاطفيةِ في حياةِ الإنسان، إذ لا يكفي أن يكونَ الجسدَ حياً ما لم تكون الروحُ نابضةٌ بالحياة، مما يجعل العنايةَ بالمشاعرِ والتواصلِ الحقيقي ضرورةً لا تقل أهمية عن الاحتياجات المادية، فإن كانتِ المادةُ تضمن البقاء، فالمودةُ وحدها تمنحه معنى، وإلا صار الإنسانُ مجردَ رقمٍ في شهادةِ وفاةٍ، قبل أن يرحلَ حقاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...
- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفاة للكاتبة د. تهاني محمد