أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة زوجة شهيد للكاتب أبو الحسنين الدعساوي















المزيد.....

بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة زوجة شهيد للكاتب أبو الحسنين الدعساوي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 02:15
المحور: الادب والفن
    


ليست كل الحروب تنتهي بانتهاء المعارك، فثمة حروب أخرى تبدأ بصمتٍ بعد أن يخفت صوت الرصاص، حروبٌ أكثر قسوة لأنها تُخاض داخل الروح البشرية، وفي دهاليز الحياة اليومية، وبين نظرات الناس، وخذلان الأقارب، وبرودة المؤسسات. ومن هنا تأتي أهمية قصة زوجة شهيد للكاتب أبو الحسنين الدعساوي، إذ لا يذهب أبو الحسنين إلى البطولة بصورتها التقليدية، بل يتوغل في الجانب الأكثر وجعاً؛ الجانب الذي تُترك فيه الأرواح وحيدة أمام العالم على حافة الصمت. فبعض الأرواح لا تموت مرة واحدة، بل تُستنزف كل يوم بصمتٍ لا يسمعه أحد.
في فضاءٍ يلفّه الصمت وتثقل فيه العتمة أنفاس الزمن، تبدأ ملامح زوجة الشهيد بالتشكل بوصفها كائناً يواجه الحياة لا من موقع القوة المسبقة، بل من داخل الانكسار نفسه. فالدقات المتسارعة لقلبها في اللحظات الأولى من القصة ليست مجرد تفصيل شعوري، بل علامة على بداية وعي جديد، واصطدام مباشر مع عالمٍ لا يعترف بالغياب إلا بوصفه عبئاً إضافياً على من بقي. وكأنها منذ اللحظة الأولى لم تكن تواجه الفقد وحده، بل تواجه ذلك الفراغ المرعب الذي يتركه الغياب حين يتحول البيت إلى صدى، والذكريات إلى كائنات تنهش ما تبقى من الطمأنينة.
هكذا يضعنا الكاتب أمام لحظة ما بعد الفقد، لحظة عاصفة بالمشاعر المتقلبة، لحظة ما بعد البكاء والبوح، لا بوصفها نهاية مأساة، بل بوصفها بداية امتحان آخر للحياة، حيث لا تنتهي الحرب بانتهاء المعركة بعد أن مات من لا يستحق الموت بسبب من لا يستحق الحياة، بل تبدأ حربٌ أخرى أكثر خفاءً، تُخاض داخل الروح، وفي تفاصيل العيش اليومي، بأن يُعيد الإنسان لنفسه الحياة في وقتٍ فُقدت فيه معالم الحياة، وبين برودة المؤسسات ونظرات المجتمع وخذلان الأقربين. فالعالم لا يقتل الإنسان دائماً بالرصاص، بل قد يقتله بأن يتركه وحيداً في مواجهة الحياة.
ومن هذا المدخل تتضح رؤية أبو الحسنين الدعساوي، إذ لا ينشغل بتكريس صورة الشهيد بقدر ما ينشغل بتعرية أثر الشهادة في الحياة اليومية لمن بقي بعده. فزوجة الشهيد لا تُقدم بوصفها شخصية باكية على فقدٍ نهائي، بل بوصفها ذاتاً مُجبرة على حمل وصيةٍ ثقيلة، وصياغة وجودها من جديد في عالم يتعامل مع الإنسان كملف لا كحياة، حتى لو كان القلب على كف الريح، والوجع يسود في الأعماق. ستنبذ فكرة أن تحيا بلا شعور، بلا نبض، بلا حياة، لأن أكثر ما يخيف الإنسان ليس الألم ذاته، بل أن يعتاده حتى يفقد دهشته به، وكأن روحه تتحول بالتدريج إلى شيء بارد لا يقوى حتى على الصراخ.
ومنذ اللحظة الأولى داخل الدوائر الحكومية، تتجلى المفارقة الصادمة: الفقد لا يُنهي المعاناة بل يفتتحها. فالمؤسسة التي يُفترض أن تنصف تتحول إلى مساحة اختبار للكرامة، حيث تُختزل الشهادة إلى معاملة، ويُختزل الإنسان إلى رقم، ويُعاد تعريف الحاجة بوصفها فرصة للمساومة.
وهنا يفضح النص جانباً أعمق من الفساد، لا بوصفه خللاً إدارياً فحسب، بل بوصفه انهياراً أخلاقياً في بنية التعامل مع الإنسان. فحين تتحول العبارة البسيطة "المعاملة تحتاج تسهيلات" إلى شكل من الابتزاز المقنع، يصبح السؤال الحقيقي: "هل يُختبر الفقير في حاجته أم في قدرته على حماية ما تبقى من كرامته؟" في وقت يحتدم فيه الصراع الداخلي بين التمسك بأخلاقية الوجود والرضوخ لضغط الحاجة.
غير أن أكثر ما يثير الرعب في التجربة ليس الجوع ولا الحاجة ولا قسوة المراجعات اليومية، بل ذلك التحول البطيء الذي يبدأ داخل الروح حين يعتاد الإنسان ألمه. فالكارثة الحقيقية لا تبدأ عندما يُهان الإنسان مرة، بل عندما تصبح الإهانة جزءاً من إيقاع حياته اليومي. هناك، في تلك المنطقة المعتمة من الداخل، لا يعود الخوف من الموت هو الأكثر قسوة، بل الخوف من أن يفقد المرء قدرته على الشعور، وأن يتحول وجعه إلى شيء صامت، بارد، يشبه العيش بلا حياة. وكأن البطلة لم تعد تقاتل لتنتصر، بل لتمنع روحها من التآكل الكامل وسط عالم يتقن سحق البشر ببطء.
في هذا السياق، تتجلى شخصية البطلة بوصفها مركزاً أخلاقياً يقاوم الانهيار. فهي لا تدافع عن امتياز مادي، بل عن معنى الوجود الذي تركه الزوج الشهيد خلفه. ولذلك يبدو رفضها أشبه بالفعل المقاوم، حيث لا تُقاس المعارك بما يُنتزع، بل بما يُصان من الداخل. وتنسجم هذه الفكرة مع ما يشير إليه "نيتشه" حين يقول:
"من يملك سبباً للعيش، يستطيع تحمل أي شيء تقريباً"
إذ تتحول وصية الشهيد في القصة إلى ذلك السبب العميق الذي يمنح البطلة قدرتها على الاستمرار، رغم قسوة الواقع. وكان عليها أن تبقى قوية، لا لأنها لا تتألم، بل لأنه لم يعد مسموحاً لها أن تنهار.
ومن منظور آخر، لا يقدم الكاتب المرأة بوصفها ضحية مكتملة الانكسار، بل بوصفها كائناً في حالة تشكل دائم. فهي تنتقل تدريجياً من موقع الطلب إلى موقع المقاومة، في تحول نفسي دقيق يعكس فكرة أن الإنسان قد يُولد مرتين: مرة بيولوجياً، ومرة داخل الألم حين يعيد تشكيل ذاته. فالألم ذلك الكائن الغريب الذي يبحث عن أماكن الضعف، فيعبث بالروح محاولاً أن يلتهم ما تبقى من المعنى، لتصبح المواساة كظل يصرخ بلا صوت.
وثمة لحظات في النص يبدو فيها الألم أكبر من البكاء نفسه، كأن الروح بلغت مرحلة لا تعود فيها الدموع قادرة على أداء وظيفتها. وهنا تحديداً تتجلى المأساة الحقيقية؛ حين يصبح الصبر شكلاً من أشكال النزيف الصامت، وحين يتحول الثبات إلى معركة يومية ضد الانهيار الداخلي. فالإنسان لا يتحطم دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجياً، خيبةً بعد أخرى، حتى يغدو مجرد كائن يحاول حماية آخر جزء حيّ بداخله.
وتعزز التفاصيل اليومية هذا التحول الرمزي، ولا سيما آلة الخياطة التي تتحول من أداة عمل إلى علامة دالة على إعادة ترميم العالم الداخلي. فكل غرزة في القماش تبدو وكأنها محاولة لرتق شقوق الروح، وإعادة ترتيب ما تهشم داخل التجربة الإنسانية نفسها. ويتقاطع هذا المعنى مع رؤية "ألبير كامو" حين يقول:
"في أعماق الشتاء، اكتشفت أن داخلي صيفاً لا يُقهر"
إذ تتجسد البطلة بوصفها كائناً يكتشف صلابته من داخل القسوة، لا من خارجها.
غير أن مأساة النص لا تنحصر في المؤسسات، بل تمتد إلى دائرة الأقربين، حيث يصبح الخذلان أكثر إيلاماً لأنه يأتي من داخل الرحم الاجتماعي نفسه. فصراع الزوجة مع إخوة الزوج يكشف كيف يمكن للمصلحة أن تُعيد تشكيل العلاقات، وتحوّل الذاكرة إلى عبء قابل للمحو. وهنا يقترب النص من رؤية "إميل سيوران" حين يشير إلى:
"أن الخذلان الحقيقي يأتي ممن نظنهم امتداداً لأرواحنا، لا من الغرباء."
فالمأساة إذا ليست في الغياب وحده، بل في إعادة توزيع الغياب داخل علاقات يُفترض أنها تحفظ المعنى لا تفرغه. وثمة بشر يُدفنون وهم ما زالوا يسيرون بين الناس، لأن الخذلان أحياناً لا يقتل الجسد، بل يطفئ ما كان يمنح الروح قدرتها على الاحتمال.
ومع ذلك، لا تنكسر البطلة. بل على العكس، تستعيد حضورها عبر خطاب أخلاقي واضح: "هذا البيت وصية، وهذه الأم أمانة، وهذا الطفل امتداد لا يجوز اقتلاعه". وهنا يتحول البيت من فضاء مادي إلى رمز للهوية والاستمرار، وتتحول المسؤولية من عبء إلى شكل من أشكال الوفاء الوجودي.
ورغم غياب نهاية مثالية أو عدالة مكتملة، فإن القصة تمنح بطلتها نوعاً مختلفاً من الانتصار؛ انتصاراً أخلاقياً لا يُقاس بتغيير الواقع، بل بالقدرة على الثبات داخله. فكرامة الإنسان، كما يوحي النص، ليست ترفاً، بل آخر ما يتبقى حين تتساقط كل أشكال الدعم الخارجي.
لهذا تأتي النهاية محملة بدلالة إنسانية عميقة، إذ لا تقوم على التعاطف، بل على الإقرار بقوة التجربة. فالزوجة لا تنتظر خلاصاً من الخارج، بل تقف داخل الحياة بوصفها استمراراً لمعنى الشهيد، لا مجرد ظل له.
وفي المحصلة، ينجح أبو الحسنين الدعساوي في تقديم نص يتجاوز حدود الحكاية الفردية ليصبح تأملاً في معنى الصمود الإنساني. إنها ليست قصة امرأة فقدت زوجها فقط، بل قصة إنسان يُختبر في قدرته على تحويل الفقد إلى شكل من أشكال الوعي، والكرامة إلى فعل مقاومة يومي. وهكذا، لا تنتهي القصة بانتهاء سردها، بل تترك سؤالها مفتوحاً:
"كم من الأرواح تُخوض حروبها بصمت، لا لتنتصر، بل فقط كي لا تنكسر؟"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل


المزيد.....




- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...
- كشف تفاصيل علاقته برمضان.. محمد دياب: هذه حكاية فيلم -أسد-
- العين العربية مؤجلة.. ندوة في معرض الدوحة تحفر في علاقتنا با ...
- كتارا تعلن فائزي جائزة كتارا للشعر العربي -أمهات المؤمنين رض ...
- مهرجان كان السينمائي-المسابقة الرسمية تستعيد ظلال الحرب العا ...
- كتاب -سورية الثورة والدولة- يفكك تحولات دمشق بعد سقوط النظام ...
- مهرجان كان: فيلم -توت الأرض-.. عن معاناة العاملات الموسميات ...
- من مخطوطة في العشق
- باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس ...
- معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة زوجة شهيد للكاتب أبو الحسنين الدعساوي