أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الذئاب














المزيد.....

قصة قصيرة: الذئاب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 02:29
المحور: الادب والفن
    


كان يجلس في موضعه المعتاد، كأن المكان جزء من ذاكرته لا يغادرها ولا تغادره. بركة الماء أمامه، محاطة بالقصب الكثيف الذي يخفي ما وراءه أكثر مما يكشفه. هناك، حيث تتردد خطوات الغزلان في الصباح الباكر، كان يسبق الجميع، لا ليشرب، بل ليصطاد.
يحمل بندقيته القديمة، تلك التي ورثت عمره كما ورثت صدأها، لا تحمل إلا سبع طلقات بدائية: رصاصة، بارود، وقطن يُحشى على عجل. ومع ذلك كان يراهن عليها كما يراهن على نفسه، وعلى فكرة الصياد الذي لا يُهزم.
لكن ذلك الصباح لم يأتِ كما اعتاد .لم تظهر الغزلان. المكان بدا ساكناً على نحوٍ غير مألوف، كأن الطبيعة نفسها تتردد في التنفس. راح يراقب البركة بصبر متوتر، إلى أن قطع الصمت ذئب كبير اقترب من حافة المدى، ثم توقف. لم يهاجم، لكنه عوى… عواءً طويلاً كأنه استدعاء لشيء أقدم من الغريزة.
في لحظات، بدأ القطيع يتشكل من العدم تقريباً. واحد… ثم اثنان… ثم سبعة.
سبعة ذئاب .وفي الجهة الأخرى: سبع طلقات فقط.
كان بإمكانه الانسحاب. العقل يهمس بذلك. لكن شيئاً أعمق من العقل كان قد سبق القرار: تاريخه، صورته، ذلك الكبرياء الذي لا يسمح له أن يعود خاسراً من معركة لم يخترها. كان يعرف أيضاً أن الذئاب لا تتراجع، وإن تراجعت فإنها تفعل ذلك وهي تنزف أو تموت. فاختار أن يبقى.
بدأت المواجهة.
تقدمت الذئاب ببطء ثم تسارعوا، كأنهم يختبرون حدود الخوف فيه. أطلق الرصاصة الأولى، فسقط أولهم. توقف الباقون لحظة، ليس خوفاً، بل كأنهم يودّعون القتيل، ثم واصلوا الركض.
رصاصة ثانية… ثالثة… رابعة…
كان يحشو بندقيته بسرعةٍ يشبه الذعر المنظم. كل طلقة كانت تشتري له لحظة حياة إضافية، وكل تأخير كان يقرّب النهاية خطوة. لم يكن يملك رفاهية الخطأ؛ فطلقة واحدة ضائعة تعني أن الحكاية كلها ستُكتب بصيغة أخرى… وربما بلا حكاية.
سقط الخامس. ثم السادس. وبقي السابع.
اقترب حتى صار بينه وبين الموت مسافة قصيرة لا تكفي للتفكير. أطلق. أصابه، لكنه لم يقتله. كأن الرصاصة نفسها ترددت في الحسم. في لحظة مفصلية، لم يعد هناك وقت لإعادة التعبئة. أخرج خنجره، واندفع، لكن الذئب الجريح كان أسرع في الانسحاب مما بدا… وترك خلفه صمتاً ثقيلاً.
انتهت المعركة، لكنها لم تنتهِ داخله.
كان واقفاً هناك، لا يعرف إن كان منتصراً أم ناجياً أم شيئاً ثالثاً لا اسم له. تساءل بصوتٍ داخليٍ متصدّع:
"هل سيصدق أحد هذه الحكاية؟ وهل يكفي التاريخ ليحمي صاحبه حين يخذله الواقع؟ أم أن بعض المعارك تُربح في الجسد وتُخسر في المعنى؟"
عاد إلى بيته مثقلاً بصمتٍ لا يشبه التعب فقط، بل يشبه الشك. ظل السؤال يطارده:
"ماذا لو لم تكن الذئاب سبعة فقط؟ ماذا لو كانت المعركة أكبر من بندقية ومن شجاعة؟"
وفي صباحٍ لاحق، عاد إلى المكان. كان الذئب السابع الجريح قد سقط ميتاً عند بركة الماء. وقف طويلاً .ولأول مرة لم يشعر أنه أنهى معركة… بل أنه مرّ بها فقط، دون أن يفهم تماماً هل انتصر فيها أم لا؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...
- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الذئاب