أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الأرملة














المزيد.....

قصة قصيرة: الأرملة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 02:53
المحور: الادب والفن
    


في عينيها أعماقٌ شتى, وبريقٌ خافتٌ لذكرياتِ الحرمان, حيث تتدفقُ في رأسِها الأفكاُر كالنهرِ الهائج, دون أن تستسلم لسيلِ الصمتِ الجارف, فتزيحُ عن كاهلِها كسلَ الذهنِ عنوة, أسئلةٌ تتصارعُ في عقلها, وتستمر بالنزال, فيا ترى لماذا تفكر فيه؟ هل ستتحقق مخاوفُها في سراديبِ القلقِ أم ستتحول لأنينٍ مسموع؟ يداهما القلقُ الذي كانت تخشاه, فلم يعد يوافيها النومُ إلى أن انبلجت كوةُ الصبحِ من ستارِ العتمةِ الحزينة, ومع ذلك, بدأ شعورٌ خفيٌ يحيطُ بها, يبعثُ الوجلَ في نفسها, ويغوصُ في أعماقِها وينتشرُ في كلِّ مسامها, تشاطرها ريحٌ عاتيةٌ تعوي, مما يؤدي بها إلى النفور, يتمدد الوقت, فيعيد لها صورَ العالمِ المثقلِ بالجراح, وجوهٌ تحضرُ أغلبها من دون أسماء, والقليلُ منها يحملُ الألقاب, تتساءل, لماذا عادت هذه الوجوهُ إلى ذهنِها بعد سنواتٍ من الهدوءِ الذي لا يتجاوز تدبيرَ لقمةِ العيشِ لطفليها اليتيمين.
بدأت توجه الأسئلةَ إلى نفسها, محاولةً التعايش مع هذا الانتظارِ الذي لا يرحم, لم تستطع مقاومةَ وسواسها, فحياتُها الضائعةُ تحت عنوان " الأرملة" أصبحت كابوساً مؤلماً, وأضغاثَ آمال, يتردد الرعبُ في صدرِها كلما تذكرت نظراتِ الرجالِ إليها, وبألسنٍ تحملُ وراء المزحِ ما تخفيه الصدور, هكذا هي حياتُها بعدما تجاوزت الخامسة والعشرين من العمر, في دوامةٍ من الخيالِ والواقع, تلك الوجوهُ كلُّها, كالأشباح, تختلطُ خيالاتُ يقظتها بحلمٍ قديمٍ في سِنتها القصيرة, وفقرُها الروحي يشير إلى مستقبلٍ ضبابي, فتلك الوجوهُ قد فقدت هدوءها, أو خرجت من روتينِها المعتاد, وكأنما تراقبها من بعيد.
تدخل السوقَ الضيقَ المزدحمَ بخجلٍ رغم تعاملها اليومي مع الزبائن, يداهمها الوجلُ بعدما انتهت من تهيئةِ بعض الأمورِ في بيتها ذلك العشُ البسيطُ الموحش, وجدت نفسها ضمن التزامٍ رهيبٍ لم تكن لتتصوره, فقد خرجت من ذلك البيتِ الذي أصبح أقل قدرا مع توالي السنين, في حين تتطور الأبنية حولها وقد ذهبت بعيدا في الارتفاعاتِ الشاهقة, المحلاتُ لا تزال مغلقة, ربما نسيت أنه يوم جمعة, وبدأت المصابيحُ تفقد تأثير أضوائها في خطٍ طويلٍ كانت تراه بشكلٍ واضحٍ قبل لحظات, ولم يبق أمامها سوى خوضِ العملِ في ذلك السوق.
هي مجبرةٌ في معركتِها ضد الفقر, وقد تعلمت أنَّ أصعب ما في هذه الحياةِ أن تمد يدَك كمحتاج, إلا أنها تعرف صمتَ عقولهم, فلا أحد يعرف أين تسكن, ولا كيف تعيش, كلُّ الذي تعرفه الناس عنها, امرأةٌ ترتدي السوادَ وتتوشحَ به كذلك, تجلسُ على الرصيفِ في بدايةِ الشارعِ تبيع السمكَ الذي تعودت على روائحهِ التي تؤدي أحياناً إلى الغثيان.
تتجسدُ الحياةُ في مشهدٍ مشوش, صوتُ انفجارٍ يصم الآذان, وكوةٌ من دخانٍ تتصاعد, وأجسادٌ بأرواحٍ خرساءٍ تتراكضُ في صمت, وكأنهم يسعون لشيءٍ مفقود, أشلاءٌ ممزقة, فالموتُ قد حضر, وشظايا تملأ المكان, وتنتشرُ الدماء, مقابرٌ من دون أكفان, المكانُ دخل في ضبابٍ كثيف, تلك الصورةُ المكثفةُ نفسها التي كانت تجدها ترتسم في مخيلتها, بين الغبارِ والغبارِ تظهر الأشياء, إلا أنها لا تستطيع الهرب, فالوجعُ نهضَ من سباته, مع أنَّ قلبها قد رافق الجموع, وحاولت الاشتباكَ بعيونِها في نزال واهن, إلا أنها ادركت بعد لحظاتٍ أنها مجبرةٌ على الاستسلامِ للصمت, فالخريفُ الفاجرُ قد حان, وهي والاتهامُ يمشي كلاهما نحو الآخر, وكميةُ السمكِ التي لديها لم تبع منها شيئا لحد الآن, وحياةُ طفليها مرتبطان بما تبيعه في هذا اليوم, مع ذلك, تتمنى أن ما تراه ليس إلا تكرارا لحلمٍ يراودها, حلمٌ كانت قد فزعت منه منذ أيام.
مع ذلك, يزداد قلبُها هلعا, رغم أنها تعرف النهايةَ منذ البداية, أو كانت تتصورها, لذا, بقيت متصلبةً على الرصيف, تلملم أطرافَ ملابسها بشكلٍّ غريزي, وتوجه نظرها إلى بضاعتِها التي قد لا تنفد, فجأة, تجتاحها حالةٌ من الذعرِ الشديد, ففي لحظةٍ أدركت بأنَّ كلُّ شيء قد إنهار, فصورةُ طفليها, ملامحُهما البريئة, شاخصتان أمامها, وبدأت الشمسُ تختفي خلف ضبابٍ كثيف, ورجلان يقفان أمامها بزي رسمي, يأمرانها أن ترافقهما, بنبرةٍ هادئةٍ إلا أنها تعكس التسلطَ الواضح, لذا, نهضت بتثاقلٍ والاتكاءِ على ذراعيها من دون نقاش, فقد تيقنت أنَّ مصيرَها محتوم, فلقد تداخل احساسٌ بأنَّ ما يحصل لم يكن محضُ صدفة, إنما ما يحدث لها قد رُسم منذ البداية, وحانت لحظاتُ الوقوعِ في ما كانت تخشى منه, فلا شيء آمن طالما الفقرُ يرافقه الألم, ونظراتُها تراقبُ كومةَ السمكِ التي لم تبع منها شيئاً.
في تلك اللحظة, تلاشت الأصواتُ من حولها, فلم يُقطع حبلُ الصمت, وأصبح كلُّ شيءٍ غامضاً, إلا تلويحة الضياع, وشعرت كأن الزمنَ توقف, وكأنها تعيش في كابوسٍ لا ينتهي, ونهاراً يلفه رداءُ العتمة, بينما كانت خطواتُها تجرها بعيدا عن الرصيف, فتذكرت طفيليها, وأحاسيسهما المتوترة, وعيناهما اللامعتين تنتظران عودتها, تلك اللحظاتُ هي بصيصُ النورِ الوحيدِ في ظلامها, فما للنسيانِ من منفذ, لكن يبدو أنَّ ذلك النورَ بدأ يختفي, مثلما اختفت الشمسُ وراء الغيوم, فشبحُ الظلمِ لن يتركها, كالظلِ في الشرقِ يرافق صاحبه.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...


المزيد.....




- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الأرملة