داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 09:19
المحور:
الادب والفن
حين يتسلل هدوءُ الليلِ إلى أحلامِ الشعراء، تتوهج القصائدُ كأقمارٍ يافعةٍ في الهزيعِ الأخيرِ من الليل، تلامس الغسق بأناملٍ ترتجفُ بالشوق، تفكك لهجاتِ العالمِ بأبجديةِ الخيال، وتغتسل بعنفوان السهر المترفع على غفلة الزمن. وفي آتون تلك اللحظات المشبعة بالصمت، ولأن الليلَ لا يمنح إلا العراةَ من الزيفِ مساحة للتجلي، ينهض الشعر، لا ليروي وجعاً عابراً فحسب، بل ليعيد تشكيل الذاكرة، مطرزا بالشجنِ وحكاياتِ الغياب، متوشحاً بالحنينِ إلى دفءٍ مفقودٍ ووطنٍ يتوه في متاهاتِ المنفى الروحي.
هناك، في حضرة هذا الليل الملبّد بالأسئلة، تنقلبُ القصيدةُ إلى محكمةٍ وجدانية، حيث تتعانق مع محاسبة الذات، وتتصاعدُ الأنفاسُ مع رمادِ آخر سيجارة تشعل لهيب الضمير قبل أن يخبو نورُ الشمسِ في غروبٍ فاقد للمعنى. يسأل الشاعرُ الكون: من ينعى الشمسَ إذا أسقطت من عليائها؟ ومن يعيد نبض الحياة حين يسكنها صقيع الخيبة؟ وتحت قول "كافكا" "الضمير الذي يصمت طويلا يصبح شاهد زور" تنهض القصيدةُ من العتاب، وتصير رجفة في صدر الليل، ترتعش بالسؤال وتصرخ بلسان الاحتجاج، وتحاول ترميم ما تصدع في الروح، ليوقظه كجرس احتجاج في صدر الخذلان، قبل أن يستحيلَ الألم إلى صمتٍ ميت. ففي الأعماقِ صمتٌ، تجد الحادثات الجسام موطنا لها.
ومن بين هذا الضجيج الصامت، يطلُّ صوتُ فالح الدراجي، لا كشاعرٍ فقط، بل كضميرٍ شعبي مشتبك مع الوجدانِ العام، عاشق للحرية والسير في الهواء الطلق، منجذب إلى العلياء، يتجاوز البوح إلى الفعل، ويعيد تعريف القصيدة بوصفها صرخة، وموقفا، ومحراباً للأخلاق. ليست القصيدةُ عنده زخرفاً لغوياً، بل كينونة متوترة تلبس لحم الشاعر ودمه وتزفر آهات الذاكرة الجمعية. صوته ينحدر من الجذور، ويتقدم كالشاهد في محكمة القيم، يكتب لا ليصف العالم، بل ليحاكمه، بدمٍ حارٍ لا يخشى المواجهة، ويبوح بما عجزت عنه الألسن المجبرة على الصمت. ولعل ما يمنح هذا البوح صدقه، هو ما عبّر عنه "تشيخوف" بقوله: "على الكاتب ألا يصف شروق الشمس، بل عليه أن يصف كيف ينظر السجين إلى هذا الشروق".
لذا فإن الدراجي لا يصف الوطن من الخارج، بل يكتبه كما يحسه القلب الجريح، ويجسده كما يشعر به الإنسان المحاصر بالخذلان والحنين والضياع، فلقد اقترب من الحقيقة أكثر، حين جعل من قصيدته مرآة للضمير لا مرآة للثرثرة.
وتبلغ هذه الروحُ الشعريةُ ذروتها في قصيدته:
" أنا وياك وصفنتي وآخر الليل"
حيث يتحول السهرُ إلى طقسِ اعترافٍ عاطفي شفيف، ويسلم الشاعرُ قلبه للعسس الليلي، ليحاور بهدوء الليل رجفة النفس ووخز الذكرى، فيتحول النص إلى ساحة مكاشفة مفتوحة على احتمالات الندم والتحدي والخذلان. الليل عنده ليس عتمة فحسب، بل زمن انفجار داخلي، يخرج فيه الألم إلى العلن، وتنهض فيه اللغة من سباتها، تتلو نشيد الكبرياء المجروح، وتستدعي كل ما تهاوى من منظومة الشرف، كأن القصيدة تشعل مصباحا في العتمة لتفرغ الغفلة من غيبوبتها، ولتؤذن بيقظة إنسانية طويلة الغياب. وهذا التوتر الزمني والوجداني لا يفسره سوى ما قاله الفيلسوف "برغسون"
"يضيء هذا المشهد "النفس هي كينونة متحولة تعيش الزمن كدفق مستمر من الوعي".
فالشعر لدى فالح الدراجي ليس مجرد موهبة أو اختيار عابر، بل هو قدرٌ محتوم يسري في دمه، كأنه مصيرٌ لا فكاك منه، أو وطنٌ لا حدود له، يمتد على اتساع الروح والوجع. إنه عالمٌ موازٍ لا يشبه عالمنا المألوف الذي نؤطر فيه بالمكان والزمان، بل حلمٌ شاردٌ يمضي على سكة الزمن كما يمضي القطار حاملاً صرخة القلب وصدى الانتظار. فالشاعر هنا لا يريد أن يكون مجرد صنم على رصيف العابرين، بل نبضا متوهجا، وصدى لصوت من لا صوت لهم، ووجعا يواجه به صمت العالم. فالشعرُ عنده صرخة حرية، ومأوى لأرواح تبحث عن ملاذ، ومساحة للبوح لا تقاس بمقاييس العالم الخارجي، بل توزن بخفة الشعور وثقل المعاناة.
وها هو الدراجي، يسير بنا مع أبيات القصيدة، يحمل همّه في قلبه، ويدعونا للمضي في درب الشرف رغم العثرات، فليس غريبا أن يحمل صوته كل هذا الاتساع، فقد أجاد الشاعر في بناء عالم شعري مزدوج، يتراوح بين بوح العاشق ونقمة اليتيم، بين كبرياء يلوح كالسيف، وتواضعٍ يعجن الكرامة بالتراب. لا يبحث عن بطولة عابرة، بل عن معنى أصيل للرجولة في زمن كأنما بيعت الذكورة في أسواق الخنوع، وأحال القيم إلى جلود فارغة. فالقصيدة عنده ليست " أناشيد حنين"، بل " صهيل عتاب" يحمل نكهة الاحتجاج الصادق، يعيد للغة عمقها النبيل، ويعيد للشعر مهابته كمحراب لمحاسبة الذات والمجتمع. إنه الأمس والحاضر، وفيه شيء من الغد، ومن الآتي البعيد، ينهل من الزمن ليبني موقفا أخلاقيا لا يفقد بوصلة المعنى.
وإذا كانت القصيدة تمور بالسخرية والاستفهام والإنكار، فذلك لأنها تفضح الزيف، وتُظهر تناقضات الواقع الذي يذبح القيم بأيدٍ ناعمة، ويتظاهر بالفضيلة على قارعة الانهيار. يساءل الدراجي الوجود من خلال مفردات مشبعة بالتأمل: أين الذين يدعون الانتماء؟ من يحمي الجار؟ من يصون حرمة البيوت؟ في زمن تاه فيه الصدق وضاعت فيه الملامح. كأنما هو يبحث في الليل عن ظلّ ضمير، وعن وجهٍ يلمع في عتمة الفقد، فلا يجد إلا أقنعة بالية، وأشكالا آدمية أفرغها الزمن من المعنى. وكما قال "يوسف السباعي":
"ليس الخطر أن يقوم الصراع بين الحق والباطل، ولكن الخطر أن يفقد الناس الإحساس بالفرق بينهما"
لذلك تتحول القصيدة عند الدراجي إلى مواجهة أخلاقية، تساءل الوعي الجمعي وتوقظ ما انطفأ في ضمير الناس، وتصرخ من قلب الاغتراب الروحي، فمن لا ينقطع عن الكذب، هو من لا ثقة له بنفسه، وهذا ما تحذر منه القصيدة، حيث تجعل من الكلمة ساحة حساب، ومن الحرية الصرخة التي تتعالى في الآفاق، لا تساوم ولا تستجدي.
لذلك لا تهدأ المفردات في قصيدته، بل تنفجر بوصفها خطابا مقاوما يُنذر ولا يساوم، يُشهر الشعر سلاحا ضد الانحدار، ويقيم الصلاة في معابد الذاكرة، حيث تستعيد المفردات بهاءها، وتتنفس لغة الكبرياء والعفاف، لا بمنطق الوعظ، بل بمنطق التماهي مع قلق الحياة اليومية. فالح الدراجي لا يتغنى بالشرف بل يجسده، ولا يتباكى على النقاء بل يذود عنه، بنبرةٍ نازفةٍ تستبطن الصدق كما لو كان الجرح ذاته هو بيت القصيدة، وهكذا وفي نظره، يجب أن تبقى فكرة العقاب ملازمة للألم، لكنها مع كل هذا تتبع للميزان البشري، تتبع رغباته وتقلبات المزاج.
وهكذا، لا تعود القصيدة مجرد كلام يُقال، بل تصير فعلا يعاش، إذ أن صوتَ الدراجي ليس نداءً عابراً في ليل القصيدة، بل هو صهيل مستمر، يعيد صياغة معنى الشاعر الشعبي، لا كمنشد مديح، بل كمقاتل من خنادق الوجدان، ليتساءل: هل ما يزال هناك متسع للحياء؟ وهل ما يزال نبض يكفي لحماية الجار، ولحراسة الشرف من الابتذال؟ في شعره، لا يختبئ الحياء خلف الكلمات، بل يصرخ علنا، يجلجل في سكون الليل، ويبث إيمانا خاصا: أن القصيدة قد تعيد ما تبقى من شرف الأزمنة الموبوءة.
القصيدة: أنا وياك وصفنتي
أنا وياك وصفنتي وآخر الليل
انتحاسب عالسهر والهم والذنوب
ومثل آخر جگارة بآخر الليل
نفس، نفسين روحي وبيدك تذوب
أگعد من عليك بآخر الليل
من ينعى الشمس لو طاحت غروب
وأفزز منْ عليك بهدوة الليل
إذا من غير فزة الكون مرعوب
واصيح منْ عليك برعشة الليل
إذا حتى النفس ثلٌج بالگلوب
واحشم منْ عليك بعضة الليل
إذا كلشي بزمانك صار مچلوب
شسوي شبيدي شگدر هيه ياليل
اشو حتى الزلال براحتي يروب
واشو عنتر زماني يصير يا ليل
عليَّ وعالشديد يصير شيبوب
انا مناكت گصب ومواكح السيل
وعلى مچافت زماني رويحتي تلوب
يركضني زماني بمركض الخيل
وعگب ما اطيح يسأل : خو ممتعوب ؟؟
إذا غالب يردني بآخر الخيل
وإذا مغلوب شحجي وآني مغلوب ؟!
يچويني الزمان بماشة الليل
ويناشدني بصلافة اتوب ؟ ما اتوب
انا شسويت حتى نتوب ياليل
غير أملك ملاحة وطبعي مرغوب
وإذا ذنبي السهر معذور ياليل
لأن بس الدجاج ينام الغروب
وإذا ذنبي الشعر محسوب يا ليل
الشعر من الولادة بگصتي مكتوب
ثگل هم القصايد يهدم الحيل
وعساه بقلق شاعر حاسدي يلوب
وإذا ذنبي الشرب محسوب يا ليل
اگولن أي نعم آثام وذنوب
لچن شربي نبيذ الشمس ياليل
وهم تحسب عصير الشمس مشروب
انا شعندي رصيد ؟ وتدري ياليل
رصيدي من المحبة مترس الجيوب
انا لسان العفيف إمنگع بهيل
وانا الطيرة التنام بفيّ الحبوب
وانا العود الرقيق البلهوى يميل
إذا أسمع قصيدة رويحتي تذوب
وانا جاراتي خواتي وحامي الدخيل
وما وصخت نفسي وشلت مذبوب
أنا البيت الأطبه يصير يا ليل
مثل جامع اقدسه ودوم مهيوب
ومثل گلبي هذني شفافي يا ليل
وقالب للشرف من عنگي مصبوب
وهذن إيدٌي عليَّ شهود ياليل
ما جسمن جسم غالب لمغلوب
ولا نهبن جدح عطشان يا ليل
رغم عمري الگضيته دوم منهوب
اعاند ؟ صح .. اجادل ؟ نعم ياليل
واذا رادت صبر.. تلكاني ايوب
لچن ذاك الوكت چالذيب ياليل
اذا تسكت عليه تعيش مسلوب
وحلاتك بالرجل چاكوچ يا ليل
ولا يگضي العمر سندان مضروب
العمر يگضي العمر ويروح يا ليل
ويظل اسمي شريف بكل الدروب
وانا بگلبي شعاع إيمان ياليل
وكل نبضة بوريدي تحش الذنوب
واذا انخى علينا بيوم ياليل
تخرس المنايا وتنجلي النوب
واذا ضكت عليَّ الباب يا ليل
دمعة اعلى الحسين تفلش البوب ..
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟