أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحيل أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: رحيل أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 08:25
المحور: الادب والفن
    


كبرت الطفلة، تلك الكائنات الصغيرة التي تتفتح على الحياة كزهرة لا تعرف إن كان الربيع لها أم أن الخريف يتخفّى في ظلها. حين خطت أولى خطواتها نحو المدرسة، لم يكن الأب يرى فيها طفولةً تمضي إلى المعرفة، بل كان يرى احتمال الفقد يمشي على قدمين صغيرتين. كان يراقبها بعينين مثقلتين بسؤال لا يهدأ:
"أهي بداية حياةٍ جديدة، أم مقدمة لغيابٍ آخر يضاف إلى سجل الخسارات الثلاث التي حفرت في روحه ندبة لا تندمل؟"
كان الزمن، في نظره، لا يُقاس بالسنين، بل بعدد من يبقون على قيد الحياة.
ومع الأيام، أخذت الطفلة تتحول إلى معنى آخر للبيت؛ لم تعد مجرد ابنة، بل صارت الاحتمال الذي يؤجل الألم، والفرح الذي يتخفف من ذاكرة الفقد. كانت تملأ المكان بضحكتها، وكأنها تعيد ترميم ما تصدّع في الداخل الإنساني لأبويها. حتى حين كانت تقترب لتقبل رأسيهما قائلة:
"إني أحبكما"
كان الحب في تلك اللحظة يبدو كأنه اعترافٌ خفيّ بأن الفناء يقترب، وأن الكلمات الجميلة تُقال أحياناً لتقاوم ما لا يُقاوم.
وكانا يرددان:
"ونحن كذلك نحبكِ يا نور عيوننا"
لكن الدموع كانت تقول ما تعجز اللغة عن احتماله: أن الحب، حين يشتد، لا يصبح خلاصاً دائماً، بل قلقاً دائماً من زوال المحبوب.
كبرت الفتاة أكثر، وأخذ حضورها يفيض على البيت كضوء لا يعرف كيف يحمي نفسه من الانطفاء. كانت تضحك مع صديقاتها في الحديقة، توزع الحلوى كأنها توزع طمأنينة مؤقتة على عالمٍ يعرف هشاشته. لكن في قلب الأب والأم، كان هناك خوف يشبه يقيناً مؤجلاً، كأن السعادة نفسها لا تأتي إلا لتختبر قابلية الروح للكسر.
ثم جاء ما كانا يخشيانه دون أن يجرؤا على التلفظ به. مرض يعود كظل قديم، كأنه لا يختار الجسد بل يختار الأسرة كلها كقدرٍ واحد. حين خرجت نتيجة الفحوصات، لم يكن الخبر مجرد تشخيص طبي، بل كان إعلاناً صامتاً بأن الموت يكرر أدواره حين لا يُهزم في المرة الأولى.
قال الطبيب بصوتٍ منخفض:
"فصبرٌ جميل والله المستعان"
وكأن اللغة نفسها تعترف بحدودها أمام ما لا يُقال. هناك، لم يعد السؤال: ماذا نفعل؟ بل أصبح: "كيف نحتمل المعنى حين يلبس هيئة الفقد؟"
صار الأب والأم معلقين بين رغبتين متناقضتين: أن يقتربا منها حتى آخر لحظة، وأن يبتعدا كي لا يزداد انكسار التعلّق. غير أن القلب، حين يدخل في منطقة الخسارة، لا يعود قادراً على التنظيم؛ إنه يتشبث أكثر كلما اقترب الانهيار.
وفي مساءٍ بدت فيه الشمس أطول من المعتاد، سمعت الطفلة ما كان يُخفى عنها. لم تنهَر، بل اتسعت في داخلها مساحة غريبة من الوعي، كأنها أدركت فجأة أن الحياة ليست وعداً، بل تجربة عابرة لقياس القدرة على الحب رغم الفناء.
جمعت صديقاتها في الحديقة، حيث الضوء كان جميلاً على نحوٍ مؤلم، كأنه لا يدري أنه يودّع. لعبت معهم، ضحكت، قدّمت لهم ما اعتادت أن تمنحه للعالم من دفء. ثم، قبل أن يغادرن، قالت بصوت هادئ يشبه المسافة بين الحياة والموت:
"أخواتي، أعرف أني مريضة مثل إخوتي، وأن رحلتي قصيرة. لكني أريد منكن شيئاً واحداً: لا تنسوني، وزرنّ والديّ بين حين وآخر، فهما يحتاجان ما تبقى من حنان لا أستطيع منحه لهما"
في تلك اللحظة، لم يعد الفقد حدثاً قادماً، بل صار معنى حاضراً يمشي بين الكلمات. حتى الأشجار بدت كأنها انحنت قليلاً، وكأن الطبيعة نفسها أدركت أن بعض الوداعات أكبر من قدرة المكان على الاحتمال.
وفي الليل الأخير، حين اشتد عليها التعب، لم تكن الكلمات التي خرجت منها مجرد وداع، بل كانت إعادة تعريف للحب ذاته:
"أمي… أبي… وداعاً. لا تنسيا أني أحبكما."
ثم خفت الصوت، لكن الحب بقي، كأنه الشيء الوحيد الذي لم يستطع الموت أن يفسّره أو يلغيه.
وهكذا، رحلت أنثى لم تكن مجرد حياةٍ قصيرة، بل كانت تجربة كاملة عن هشاشة الوجود: أن نُحب، ثم نفقد، ثم نفهم متأخرين أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه… بل ما يتركه في قلوب الآخرين قبل أن يرحل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...


المزيد.....




- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحيل أنثى