أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دموع أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: دموع أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 20:26
المحور: الادب والفن
    


كانت تبتسم للزهور المتفتحة في الربيع، كأنها تستنشق الحياة بكل ما فيها من خفة ودهشة، تناجي القمر في ليالي الصفاء، وتتهامس مع الغيوم البيضاء حين تتثاقل بالمطر. كانت تزرع البسمة في الوجوه كما لو أنها تُعيد ترتيب العالم على مقاس الفرح، وتحرّك شغاف القلوب دون أن تقصد، حالة طفولية شفافة تنبع منها كنبع لا يعرف الانقطاع ولا الجفاف. تضحك بعفوية صافية، تركض خلف أسراب الطيور، كأنها تريد أن تتعلّم الطيران من ظلالها، وتصنع في محيطها المحدود عالماً ممتلئاً بالحب والحنان والدهشة.
ومع ذلك، كانت لغزاً حين تصمت؛ صمتها يبدو كأنه لغة سومرية منسية أو همس آشوري غابر، لا يُفك إلا بتأويل الوجع. ومن قطرات دموعها كان يتشكل بحرٌ خفيّ، تختبئ فيه أسرار لا تُقرأ إلا حين ينكسر القلب على عتبته الأولى.
ومع مرور السنوات، كبرت وكبر معها ذلك السر الذي لا يُقال، والسحر الذي لا يُمسك. امتلكت القلوب بخفة ظلها وصدق ملامحها، حتى صار الشباب يتسابقون إلى بابها كأنها جائزة مؤجلة. تُخطب من هذا وذاك؛ عجوز في أقصى الأرض تبحث لابنها التاجر عن حظّ جديد، وأخرى ترى فيها زوجة لابنها الثري المدلل، وثالثة تستند إلى قرابة قديمة كأنها وثيقة ملكية للقدر. لكنها كانت تقف بين هذا كله حائرة، يضغطها الإلحاح من كل جهة، وتتوسل في داخلها ألا تُطفأ النار الصغيرة التي ما زالت تتوهج في روحها.
كانت تقول في سرّها:
- ليت جسدي يُترك لي وحدي، يطوف حيث يشاء، يغرق أو ينجو، لا فرق… أريد أن أعيش لحظة كاملة، أن أتنقل كما أريد، أن أفرح حين أفرح وأحزن حين أحزن، أن أكون حرة في أمري، لا أكثر.
لكنهم لم يمنحوها ذلك الهامش البسيط للتفكير. كانوا يفتحون الموضوع مع كل وجبة، وكأن حياتها مشروع يُدار على طاولة الطعام. نظراتهم كانت تمضي قبل كلماتهم، تحصي الخيارات وتغلق النوافذ. الجار الثري صار حلمهم، والتاجر ابن العم غايتهم، وكل طرف يرى فيها ما يخصّه لا ما تكونه. وفي هذا الصخب العائلي، لم تجد إلا أن تنحني، فاختارت الصمت حين ضاق بها الصوت، ومضت نحو قدرٍ لم تختبره بإرادتها.
رحلت إلى بيت بعيد، لا تعرف فيه وجهاً مألوفاً. هناك، واجهت الوحدة كما يواجه المرء مرآة باردة لا تكذب. في البداية شعرت أن الكون قد انكمش حتى صار فراغاً بلا معنى، وأن ملامحه محفورة بين جفونها لا تغيب. لكن الأيام لم ترحم هذا الانبهار الأول، فبدأ الود يتراجع شيئاً فشيئاً، ويتحوّل إلى نفور صامت، حتى صار البيت أشبه بصدى طويل لا يسكنه أحد. الوجوه حولها متجهمة، كأنها تماثيل نُحتت من الصمت، والضجر يسكن الزوايا كضيف دائم لا يغادر. أما هو، فكان لغزاً أكثر من كونه زوجاً؛ غارقاً في انشغالاته، متوارياً خلف صمتٍ لا يُفسر، وغياب يبدو أقرب إلى حضور ثقيل بلا روح.
وفي لحظة انكسار داخلي، همست لنفسها:
- ليتني أملك أكثر من نسخة منّي، نسخة تصرخ وتبكي وتفرغ هذا الركام، وأخرى تبتسم لتستمر في الحياة كما لو أن شيئاً لم يحدث.
كان ملاذها الوحيد أن تعود إلى ذاكرتها؛ إلى أمٍ بعيدة، وإخوةٍ صاروا كأطياف الضوء، تستعيدهم كلما اشتد بها الضيق، فتستمد من حضورهم الغائب شيئاً من الاتزان، كأن الحنين وحده قادر على ترميم ما تهشّم.
لكن هذا الملاذ لم يدم. ففي مساءٍ ثقيل، سمعته يتحدث عبر الهاتف مع امرأة يقول إنها تقطعت بها السبل. كان صوته كافياً ليكسر شيئاً داخلها، كأن الكلمات لا تمر عبر الأذن بل تنخر الروح مباشرة. ومن تلك اللحظة، صار كل شيء في داخلها ينزف بصمت. انطفأ الأفق الذي كانت تتكئ عليه، وصارت الأحلام تبحث عن ضوء فقد عينيه. بهت وجهها، وتكاثرت في داخلها الصور والهواجس، كأن الربيع نفسه اقتلع من أرضه خوفاً من البهجة. صارت تخاف أن تتلاشى كقطرة مطر على وجه عابر لا يلتفت. اعتكفت في صمت طويل، وغارت عيناها في محجريهما، واحتبست العبرات في صدرها كأنها لم تُخلق لتخرج.
تهمس لنفسها:
- كنت أظن أن الحب ظل، فإذا به مرآة… كلما بكيت فيها رأيت وجهي الحقيقي يتشقق أكثر.
وذات صباح، جلست أمام المرآة. كانت تحدق في وجهها الشاحب كأنها ترى امرأة أخرى تسكنه، تجاعيد مبكرة نبتت من وجع لم يُعلن اسمه. سألت نفسها بصوت مخنوق:
- لماذا احتبستِ أيتها الدموع؟ أليس البكاء خلاصاً؟ أسعفيني قبل أن أتحجر في صمتي…
ثم أطبقت جفنيها، وكأنها تغلق باباً على عالمٍ كامل، فيما في الداخل صرخة خافتة تتوسل أن تُنقذ ما تبقى من براءتها. كانت تنتظر شمساً لا تشبه الأمس، شمساً تمسح ليلها الطويل، وتعيد ترتيب روحها من جديد. عندها فقط، لم تعد دموعها ضعفاً، بل غسلاً لوجهٍ أثقله الغبار، وتطهراً من أوهام لم تكن يوماً تخصها، بل فُرضت عليها باسم الحياة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين


المزيد.....




- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...
- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...
- لوحة لفان غوخ تُعرض للمرة الأولى منذ 60 عاما وقد تُباع بـ180 ...
- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يفتح باب المشار ...
- الناقد بين الحياد والتواطؤ في جلسة أتحاد الأدباء
- السجن المؤبد لمدبر قتل مغني الراب توباك شاكور بعد 30 عاما عل ...
- الذكاء الاصطناعي يهدد باستنساخ أكثر المواهب الأدبية تميزا
- مهرجان -رايندانس- بلندن يخصص مسابقات لأفلام شاشات الهواتف
- موقع مزيف يستغل اسم -نازا- لترويج الرواية الإسرائيلية
- التعليم العالي: وزير التعليم العالي يشارك في اجتماع رئيس الو ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دموع أنثى