أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعير للكاتب أحمد الرواز















المزيد.....

جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعير للكاتب أحمد الرواز


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 08:15
المحور: الادب والفن
    


لم تكن محطة "الجرناف" في رواية حبة الشعير مجرد فضاء مكاني يعبره القطار، ولا نقطة بين عالمين متقابلين، بل بدت ككائن حي يستجيب لمشاعر منتظريه. فهي تتبدل تبعاً لما تحمله اللحظة، فرحاً كان اللقاء أم حزناً، وداعاً مؤقتاً أم فراقاً نهائياً. وكأن هدير القطار على سكته يضبط إيقاع القلوب، فتنبض وفق ما يختزنه القادم بإحساس الوصول أو ما يتخيله الواقفون في فضاء الانتظار المفتوح على الاحتمال. إذ إن كل شخوص المحطة تعرفهم، تعرف وقع أقدامهم قبل أن تراهم، كما تقرأ أعمارهم في انحناءة الوقوف، وفي الأكتاف التي أثقلها الانتظار أكثر مما أثقلها العمر.
وهكذا تتحول المحطة إلى وشم راسخ في جسد المكان، يستفز الشعر والسرد معاً، ويجمع بين أنشودة فرح، وصرخة فقد، ونداء استقبال لمن لاقوا حتفهم على سكة الحياة. فمنذ تشييد هذه المحطة تبدلت الوجوه وتغيرت الأفكار وتلاشت أمنيات كثيرة، غير أن الذكريات بقيت عصية على التلاشي، تتناقلها الألسن جيلا بعد جيل.
وفي هذا الإطار، يصور لنا الراوي أحمد الرواز الانتظار الطويل، فعلى رصيف المحطة قضت أسرة أياماً في انتظار والد لم يصل، حتى كأن الرصيف صار سريراً للحنين، وأضحى الانتظار شكلاً أولياً من أشكال اليتم.
ومن جهة أخرى، تعاقبت الأجيال على انتظار ذلك القطار، انتظاراً مشبعاً بإيمان خفي بمروره في موعده بسلام، انتظاراً مشوباً بالوجل. وهو إيمان لا ينفصل عن أولئك الذين ارتبطت حياتهم بالمحطة، مثل "إسحاق المسيحي" الذي تولى تشغيل مضخات ماء الشرب المغذي لمحطة القطار، حيث يحملها القطار إلى أماكن صحراوية بعيدة، أو "يونس الهدو" الذي عمل في إدارتها. وعبر هذه الشخصيات، تنسج الرواية شبكة علاقات إنسانية تعكس امتزاج أبناء الوطن الواحد، إذ لا اعتبار للفروق الدينية أو القومية. لكن هنا الكل ينتظر؛ لا أحد معفى من الانتظار، كأنه قدر جماعي.
لذلك فالزمن هنا لا يقاس بالساعات، بل بجرعات الأمل المعلقة على صفير القطار، أمل يبدو بعيداً كلما اقترب، وقريباً كلما ابتعدت مسافات النظر. إلا أن الرواية تجعلنها في تساؤل مستمر: ما جدوى الانتظار عند الرصيف لقلوب أدمنت اليتم؟ وهو سؤال يتكرر كصدى بعيد، ثم يغور في خوالج الذكريات والهموم، دون أن نجد جواباً شافياً.
وفي هذا السياق، لا يظهر الانتظار في رواية حبة الشعير بوصفه حالة زمنية عابرة أو محطة بين حدثين، بل يتجسد كحالة وجودية مكتملة. فهناك انتظار رب الأسرة الذي قصد بغداد للعلاج، وفي المقابل امرأة وأطفالها يراقبون كل قطار قادم بقلق ممزوج برجاء، لعله يحمل بشرى العودة.
غير أن الخوف يبدأ عندما يحل الظلام، حين تفقد الوجوه ملامحها، ويغدو الاحتمال أكثر قسوة من الحقيقة. وتلك الزوجة، ورغم تماسكها الظاهر، تستشعر الفاجعة المقبلة، ويؤكد وقعها تلك النظرات الحانية في دقائق الفقد، إذ لم تكن شفقة، بل اعترافاً صامتاً بيتم مبكر. أما الأطفال، فلم يعوه بعد، لكنهم حملوه معهم كجرح غير مرئي.
وبموازاة ذلك، ينتظر "غالب" وزوجته حلم الإنجاب، وهما يصغيان يومياً إلى صراخ أطفال الجيران، لا بوصفه ضجيجاً، بل بوصفه تذكيراً جارحاً بما ينقصهما، وبحثاً مضنياً عن وجود لا يجد نفسه بالأمان.
وفي الحالتين، يتخذ الانتظار شكل بحث عن معنى، وعن خلاص مؤجل، أو عن إشارة طمأنينة أمام خوف يتربص أو أمل يوشك أن يتلاشى.
ومع ذلك، فإن "آمال" زوجة "راغب"، ورغم خوفها المتجذر، كان الأمل يلوح لها رغم الانكسارات، وكأنها سمعت بمقولة "دوستويفسكي":
" كلما كان الليل أكثر قتامة، كانت النجوم أكثر إشراقاً"
ففي أقصى العتمة، يولد الإصرار على الضوء، ولو كان واهناً.
من خلال الرواية، يضعنا الكاتب أمام رمز مركزي مكثف هو "حبة الشعير". فبعد أن استنزفت "آمال" كل محاولاتها، عسى أن ينمو بين أحشائها كتلة فيها حياة، من معالجين وعرافات وصاحبات فال، يتجلى هذا الرمز بوصفه خلاصة لتجربة إنسانية مأزومة. ورغم تقدم العلم وتعليم زوجها "راغب" ، يبقى التشبث بالأمل معقوداً، حتى لو فتحت أبواب الخرافة، فحينما لا يتمكن العقل من القدرة على ايجاد حل، يتحول الإنسان إلى كائن مشتت الأفكار، فيلجأ إلى الخرافة التي تتكاثر من تلقاء نفسها، إن وجدت الأرض الخصبة لها.
وهنا تصبح حبات الشعير السبعة أكثر من دلالة زراعية؛ إذ إنها كيان رمزي يجسد مفارقة الحياة: فالحبة لا تنبت إلا إذا دُفنت، ولا تولد إلا عبر موت ظاهري. وبعد أن هوت أحلامهم مثل الشواظ، لكن الرماد احتفظ بسر الاشتعال، فيغدو غيابها في جوف " آمال" شرطاً أساسياً للولادة كما في الرواية، ويغدو الانتظار هو المسافة القلقة بينهما.
وعليه، لا يقدم الفقد في الرواية بوصفه نهاية قاطعة، بل كجرح مفتوح في الوعي الفردي والجمعي: فقد المكان، وفقد الأمل، وفقد اليقين، وربما فقد الذات نفسها. غير أن هذا الفقد يظل معلقاً في حالة انتظار صامت، حتى وإن بدت الحقيقة وكأنها قد نُحرت. إلا أن الشخصيات تخشى من الإفصاح عما تنتظره، خشية أن يتحول الغياب إلى يقين نهائي. وهنا يتردد صدى قول "إليف شافاق":
" نحن نكبر حين يمر عزيز في حياتنا، ولا يلبث أن يسرقه الموت"
من ثم، فالانتظار في حبة الشعير ليس فعلاً سلبياً أو استسلاماً للزمن كما نراها في تسلسل الأحداث، بل شكلاً من أشكال المقاومة الخفية، حتى لو كانت أناشيد الدموع حاضرة، وتبصر أنين الألم. ففي ذلك الموكب الجنائزي، تعيد الشخصيات ترتيب ذاكرتها، وتراجع علاقتها بالماضي، وتختبر هشاشتها الداخلية. إذ يصبح الانتظار امتلاءً موجعاً بالأسئلة: ماذا بقي؟ وماذا يمكن أن يولد بعد هذا الانتظار الطويل؟
وعلى مستوى البناء السردي، تتجلى جدلية الانتظار بوضوح؛ فالزمن لا يسير خطياً، بل يتكسر، ويتداخل فيه الماضي بالحاضر. وكأن الزمن ذاته عالق في حالة انتظار، يعكس انسداد الأفق، لكنه يفتح باب التأمل العميق. فعندما يعجز الزمن عن التقدم، تبدأ الذات بالإنصات إلى أعماقها.
أما الولادة، فلا تأتي بوصفها خلاصاً نهائياً، بل كاحتمال هش، كبرعم يخرج من تربة مثقلة بالخسارات، فهي قد تكون ولادة وعي جديد، أو استعداداً داخلياً للقبول، أو قدرة على الاستمرار رغم كل شيء. وهنا تتجلى قوة الرمز، إذ لا تمثل حبة الشعير حصاداً وفيراً، لكنها تؤكد أن الحياة ما زالت ممكنة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن حبة الشعير ليست رواية عن الانتظار فحسب، بل العيش داخله، وإن كان مشوبا بالوجل، التعايش مع الفقد دون انكاره، بإيمان خافت بأن الحياة لا بد أن تستمر، وأن امكانية الولادة واردة جداً فهي مربوطة بعنق الوقت، فهي رواية تعيد الاعتبار للصبر، وللهشاشة بوصفها شرطا إنسانيا لا ضعفا.
وهكذا تظل حبة الشعير مدفونة في تربة الرواية، صامتة، لكنها مفعمة بوعد مؤجل، كأي إنسان في لحظاته الأكثر قلقاً وانتظاراً، وعد يوحي بأن الحياة، مهما أثقلها الفقد، قادرة على أن تبتكر معنى جديداً للولادة



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...


المزيد.....




- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...
- الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2 ...
- 4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب ...
- أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد ...


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعير للكاتب أحمد الرواز