أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ظلال الطاعة














المزيد.....

قصة قصيرة: ظلال الطاعة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 08:15
المحور: الادب والفن
    


كان لحبيب حمارٌ غريبُ الطبع، لا يعرف السكينة ولا يرضى بالقيد، وفي عينيه وهجُ حلمٍ مؤجلٍ يتوارى خلف ستار الطاعة أو خلف تمردٍ خفيّ يتأهب للانفجار كبركان صامت. لم يكن كبقية الحمير في القرية بحركاته الغريبة ونظراته المشحونة، فبدأ ينظر إلى الأفق العالي بشغف غريب، ويتوق إلى صعود المرتفعات، إلى تجاوز قدره المرسوم ضمن حدودٍ رُسمت له مسبقا، وكأنه بدأ يرسم طريقه بنفسه. يتذرع بالحزم، ويمحو كلمةَ المستحيل من كل مسلك يطرقه.
في صغره كان يظن أن الطاعة قدر كالظل يمشي بجواره، وأن السلاسل لا يمكن أن يرى أثرها في الداخل، فكانت تلك الطاعة تصرخ فيه كلما فكر في أن ينحرف عن مساره المرسوم، لكنه مع هذا كان يرقب سيده حبيب بعين فيها شيء من الإعجاب الممزوج بالغرور، حتى بدأ يرى في خطواته معنى لا يفهمه. فيه كائناً لا يستكين، يهرب من سطوة الأوامر، يضحك للحياة بلا قيود، يتحرك بخفة في السهول، ولا يستقر في مكان، وكأن السكون عدوه الأبدي، والاستقرار قيد يلف عنقه، فلقد تدرب على إرسال أبصاره إلى ما وراء حدود ذاته، ولا يقف عند أسهل الأفكار منالا، ولا يطيل التأمل في العلل، ولا يغريه التوغل في خفايا الامور، بل يرنو دائما إلى ما يتوارى خلف مرمى العقل، إلى المجهول الذي لا تُروَّضه التجارب ولا تكبّله المسلمات.
ومع تقادم السنين في عمر الحمار، أخذت فكرة التمرد تنمو في داخله، حتى خيّل إليه أن التمرد هو جوهر الحرية بعينها، لذا راح يتساءل في صمت ساخط: لماذا لا أكون مثل حبيب؟ أتمتع بذات الحرية، وأختار طريقي بملء إرادتي؟ أما آن لي أن أتحرر من تلك الأصفاد التي طالما كبّلت خطواتي؟
تبدلت ملامحه، وتسللت همسات الغريزة إلى داخله، تخبره بأنه خُلق لأكثر من مجرد دور الناقل الصامت، فلقد حُكم عليه بالطاعة العمياء، كأنه هو لوحده لا رفيق له، وكأن أوجاعه صيغت له دون غيره، ضاق صدره، لذا عهد على نفسه بعد أن استمال كل إقدام وجده في حبيب، ألا يأبه بالحذر، ويتجاوز حدوده بتلقائية، وأن لا يقف إلا على حافة قدرته للوصول على حدود نفسه، حيث تبدأ الرغبة وتنتهي الطاعة. إذ كان يعدُّ نفسه وسيلةً لا غايةً، أما الآن، فقد آن أن يكون الغاية ذاتها، حتى وإن لم يكن مقدّراً له ذلك، هكذا أخذ يتكلم بصوت يتزايد بعد كل ذلك التردد، كأن صوته كان صدى خافتا لأمنية طال احتباسها.
في ظهيرة قائظة، كانت الشمس في ذروتها، وكان أحدُ الجيرانِ قد ابتاع كمية كبيرة من ورق التبغ الخام من المدينة القريبة، وفرشها على الأرض في ساحة مكشوفة، تحت أشعة الشمس، كي تجف وتُعد للطحن والاستخدام، بعيدا عن أشباح الشكوك.
نسي الجار، أو تجاهل، أو هكذا وصل به إدراكه، أن حمار حبيب لم يعد مطيعا كما كان، بل صار يتصرف وكأنه يملك السلطة على المكان. يتجول في الطرقات بحرية، بعد أن أخذت أرجله تمتنع عن الأخذ بأي وزنٍ مقيدٍ، يعبث بما يشاء، يأكل ما يروق له، وينثر ما لا يستسيغه، وكأن درسه من حبيب هو أن الحريةَ حقٌّ مكتسب، وأن العبثَ نوعٌ من العدالةِ الطبيعيةِ التي تستجيب لرغبات ذاته لا لقوانين الخارج، كأن الحرية عنده لم تكن سلوكا يتمناه، بل ثأرا من قيد مجهول، ولو بفوضى العبث.
حين رأى أوراق التبغ مفروشة كوليمة في باحة الحوش، تحركت الرغبةُ في أعماقه نحو إيقاع داخلي، إيقاع الجوع الممزوج بنشوة التمرد، كمن يثأر لقيدِ عمره سنوات، بعدما استباح كل الحدود، فانقض عليها بشراهة من لا يخاف العقوبة، مضغ الأوراق بشراهة، وحين اختلط المذاق المرّ بلعابه، شعر للحظة أنه يبصق على قيود غير مرئية، وكأن الحرية تبسط مقاصدَه.
لكن، بعد امتلاء جوفه، أخذ يختل توازنه، كأنه وصل إلى حالة الخدر التام، أو رعباً داهمه فجأة، فاتسعت حدقتا عينيه، كأنهما مرآتان لانفجار داخلي، وصوت من أعماقه بدأ يجلجل بصوت يوقظ الهلع، كأنها بداية لهزيمِ الرعود، في فضاء لم يعتده بعد.
استدار بنصف جسده، لمعت في عينيه شرارة نصرٍ مرتجف، كأنها انتشاء لم يكتمل، أو نشوة معلقة بين الحلم والانهيار، قبل أن تتحول الأرض إلى زلزال تحت قدميه، والمنازل الطينية تتهاوى في خياله، تئن الجدران فوق رؤوس ساكنيها، كأن الشمس تقترب، قرص من نار يريد افتراسه، والعرق يفر من جبينه كأنه يخشى البقاء.
شعر بروحه تنقبض شيئا فشيئا، والوهن يسري في أطرافه، اختلطت الألوان، وانهارت المعايير، كأنما سياط بدأت تنهال عليه بلا رحمة. لم يعد أمامه سوى أن يركض هارباً من الخوف، من حقيقة موقفه. لذا أطلق ساقيه للريح، كمن يبحث عن خلاص، أو يهرب نحو مجهول لا يعرف له اسماً، كان يركض تاركاً خلفه فتاتَ وهمه، وعبق تمرده المحترق، وكأن تلك الحريةَ التي حلم بها، لم تكن إلا سراباً نسجها بنفسه من رماد الطاعة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة


المزيد.....




- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...
- الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2 ...
- 4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب ...
- أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد ...
- المفكر الإيراني حميد دباشي:المعارف الحقيقية تُولد من تحت أنق ...
- أمسية ثقافية لمناقشة كتاب -اللغة العربية كائن حي- في اثينا
- المقاصد الكبرى للحج.. رحلة في معاني المناسك مع برنامج أيام ا ...
- بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات الم ...
- ما وراء شباك التذاكر.. كيف كسرت الصين هيمنة هوليود وأعادت تع ...
- من بينهم درّة زروق وتامر عاشور.. فنانون يؤدون مناسك الحج هذا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ظلال الطاعة