داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 00:27
المحور:
الادب والفن
تنسجُ القصيدةُ خيوطَ المعنى عبر مفرداتها العميقة والثنائية الجدلية بين العشق والهوية، حيث يحرّرُ الشاعرُ نفسه من قيود الحيز المغلق الذي يحدّه، لينطلق بثقافة مجددة تعبر الحدودَ التقليديةَ وتستشرف فضاءاتٍ أوسع، والولوج في أوسعها، فهو لا ينظر إلى الزمنِ كمجردِ إطارٍ زمني ثابت، بل يجعله نقطةَ انطلاقٍ نحو عمقِ التعريفِ بالذاتِ والوجود.
لكنَّ القصيدةَ لا تتبعُ الأسلوبَ التقليديَّ في تناولِ العشق، بل تتجاوزُ التعبيرَ العاطفيَّ المباشر، لتغوصَ في صراعٍ وجوديٍّ يعكس اضطراب البوصلة بين الماضي والحاضر، وبين الفرد والجماعة، فالعشق في هذهِ القصيدةِ يتجاوز كونه عاطفةً آنية، ليصبح موقفاً ورفضاً للامتثال، يعكس تمسك الشاعر بهويته الشعرية وسط عالم متغير، كما يؤكد السويدي في أكثر من موضع في ديوانه، حيث تتجلى رؤيته العميقةُ للعلاقةِ بين الذاتِ والعالمِ في بنيةٍ شعريةٍ متجاوزةٍ للزمانِ والمكان.
يبدأ الشاعرُ بتحذير غامض نوعا ما، إذ يقول:
" لا تبتسم، فالضحكُ ليس وسيلةً للعيشِ
بينَ العالمِ الأفظاظِ"
يضعنا النصُّ أمام موقفٍ رافضٍ لفكرةِ العيشِ السطحي، حيث يبدو أنَّ مقاييسَ الزمانِ والمكانِ قد اختلّت لدى الشاعر، وكأن المسافاتِ بينه وبين مفاهيم التقاليد التي نشأ عليها قد تباعدت، فهو لم يفكر يوماً في مغادرةِ هذا الإطارِ الذي يُحيط به، لكنّه اليومَ يدرك، دون أدني شك، أنَّ الطبيعةَ غيرَ المحسوبةِ قد تصبح عبثاً على صاحبها، في عالمٍ يخفي تحت شعاراته البراقة هشاشة انسانيته.
لقد اكتشف أن هناك وهماً في تصور جوهر الإنسانية، حيث تصبح الابتسامةُ أحياناً مجردَ شكلٍ من أشكالِ التواطؤ مع واقع يرفض الغوص في الأعماق أو الاعتراف بالهوية الحقيقية، وكأنها دعوةٌ للتمردِ على التصالح الزائف مع الحياة، حيث لا يكون الفرحُ سوى قناعٍ يخفي خلفه هشاشةَ الوجود، وسطَ عالمٍ يقدّسُ السطحيةَ ويخشى مواجهة الحقيقة.
يرسمُ الشاعرُ بمهارةٍ صورةً عميقةً لحالةِ الضياعِ والتشظي، حيث لا يبقى سوى الأرض، شاهدةً أزليةً تحمل هويتها منذ آلافِ السنين، تتغنى بألحان امجاد الرفات، وكأنها تحيي ذاكرةً مثقلةً بحمولتها التاريخية، من خلالها، تتجلى طبيعة الحياة التي يعيشها الإنسان، بما تحمله من ألم وحزن، وما يعايشه من تيه ينعكس في الأشخاص من حوله، في هذا السياق، يتحدث عن الشباب الذين ينساقون وراء وهم المعرفة، معتقدين أنهم يملكون مفاتيح اسرار الآثار، بينما هم في الحقيقة غارقون في سراب لا نهاية له.
" هم فتية ٌلا يؤمنون بليلهم
فلذاك تحسبهم من الأيقاظِ"
يهبطُ الليلُ ببطء، متسللاً بين ثنايا المساء، قبل أن يتحول إلى عتمةٍ ثقيلةٍ يعجزُ الفضاءُ عن حملها، فيهربُ الزمنُ تاركاً خلفه صدى كلماتٍ مبهمةٍ تترددُ في الفراغ، تنطق بآمالٍ لا تتجاوز حدود الألسن، وسط ارتعاشٍ لذيذٍ يتناغمُ مع موسيقى متكلفةٍ تتستر خلف قناعِ الحداثةِ الفنية.
لكن هذا الليلَ لم يكن مجرد امتداد زمني ينساب في شرايين الكون، بل هو مرآة تعكس أعماق الذات، فالهويةُ الحقيقةُ تائهةً ضائعة، فلم يعد الشبابُ يدركون ملامحها، وكأنهم يعيشون حالة يقظة ظاهرية بينما تغرق أرواحهم في متاهات الضياع، ذلك الليل، الذي كان يوما ما ملاذا للتأمل والبحث عن المعنى، بات مهجوراً في زمنٍ تطغى عليه الضوضاء والانشغال السطحي، حيث فقد السكون قيمته، وصار الفكرُ أسيراً لصخبٍ لا يهدأ، يقتات على لحظات عابرة لا تترك أثرا.
وفي النهاية، تتجلى الفكرةُ بوضوح، إذ يضيفُ الشاعرُ بأنّ الأيامَ ما هي إلا أوراقٌ تتساقطُ من اعمارنا، بلا أثر يذكر، وكأنّ الحياةَ تحولت إلى مجردِ تقاويمٍ تُمزّق دون معنى، وأيامٌ تمرُّ دون أن تتركَ بصمةً أو ذاكرةً أو هوية، يعيش الإنسان، لكنه لا يحيا، فثمةُ فرقٍ شاسعٍ بين العيشِ والحياة، يتحرك لكنه لا يتقدم، يبتسم لكن في أعماقه حزنٌ دفين، وكأن الحياةَ تسابقه نحو مجهولٍ خارج نطاق ادراكه، فيما تتجمد الكلماتُ عند حدودِ الصمت، إذ لم تعد هنالك مادة تستحق أن تُصاغ في لغة، ترى، هل بالغ الشاعر في تصوير حزنه حد أن أصبحت الأرض قاحلة لا تنبت إلا الأسى؟ أم أن الواقع ذاته هو من أفرط في قسوته، حتى بات الحزن هو الحصاد الوحيد؟.
يعرجُ الشاعرُ على دلالاتٍ ثقافيةٍ وتاريخيةٍ ذات حضورٍ عريق، ممتدة من الماضي إلى الحاضر، حيث يستحضر سوق" عكاظ" ذلك الملتقى الأدبي الذي كان رمزا للمنافسة الشعرية في العصر الجاهلي، ساحة يتبارز فيها الأدباء لإبراز هوياتهم وتثبيت مكانتهم، لكن الشاعر لا يذكره بوصفه مجرد حدث تاريخي، بل يضعه في سياق مقارنة الواقع الحالي، حيث يقول:
" يا شاعراً لا تبتئس أبداً
إذا أخذت قريشٌ منك سوقَ عكاظِ"
هنا، لا يقتصر الأمرُ على استعادةِ السعادةِ التاريخيةِ فحسب، بل يبدو أنّ الشاعرَ السويدي يستدعي هذا المشهد ليضع نفسه في مواجهة حاضر لم يعد يمنح الشعر قيمته كما في الماضي، حيث كان الشعر يشكل شرارة لإثارة الاف التساؤلات في الذهن، عن الخير والشر، عن الوطن والخيانة، عن الحياة والموت، وعن كلِّ التناقضات، بل ومليء بالفكرِ النفسي والفلسفي لفهم الحياة.
كان الشعر، في أزمنةٍ مضت، فضاء رحبا للفكرة النفسية والفلسفية، يساعد في فهم تعقيدات الحياة عبر لحظاتها الآنية، ويفرض ردود فعل نفسية تنبثق من أعماق الذات، حيث تتداخل الحوارات الداخلية، متأثرة ومؤثرة، بين الوعي واللاوعي، أمّا اليوم، فيبدو أنّ الحاضرَ قد فقد روح المنافسة الحقيقية، وتراجع حضور الهوية الأدبية الأصيلة، ليغدو الشعرُ في كثيرٍ من الأحيان مجرد صدى باهتٍ لما كان عليه، فاقداً جوهره المتجذر في وعي الإنسان وأسئلته الكبرى.
ومن خلال هذا الاستحضار، يعكس الشاعر روح العبثية التي تهيمن على الجيل الجديد، حيث تلاشى وضوح الرؤية، وضاع الإحساس بالقيمة العميقة للكلمة ولجوهر الحياة ذاته، فالعنوان هنا أشبه بالتيه، والجلدُ رقيقٌ كالوردةِ لهذا الجيل، لكنه يتوهم أنّه شوك صبار، يسلم ذاته لعبثية لا حدود لها، متناسيا أنّه ميتٌ في أعماقِ الوجود، يعيشُ في صخبِ الحياة، متجرداً من سرِ وجوده، باحثاً عن معنى لا يدركه، في عالمٍ يزدادُ ضياعا، لذا يقول السويدي:
" أيقظك إن الشعرَّ أصبح غربةً
لا تحشَ دفعَ ضريبةِ الإيقاظِ"
لذا، فإن الغربةَ هنا تصبحُ سمةَ الشاعرِ في زمنه، إذ لم يعد الشعرُ قوةً فاعلةً تصنعُ الهويةَ كما كان، بل أصبح الشاعرُ نفسه غريباً حتى بين أبناءِ لغته وثقافته، كأنه يسير عكس التيار، مدركاً أنَّ ثمنَ الصحوةِ والوعي هو العزلة.
لكن، يبدو في وسطِ هذا الإحساسِ بالغربة، لا يحمل الشاعرُ نبرةَ استسلام، بل تأتي المفاجأةُ بهيئةِ صوته المحفز:
" يا شاعرا، لا تبتئس أبدا"
إنها ليست مجرد دعوة للتفاؤل، بل تأكيد على مسؤوليةِ الشاعرِ في أن يكون رفيق المتعبين ونذيرهم، حاملاً هم المهمشين والمعذبين في هذه الأرض، فالشعرُ في رؤيته، ليس مجردَ زينةٍ بلاغيةٍ أو كلماتٍ تنتهي بانتهاء القصيدة، بل هو صوتٌ يجب أن يبقى نابضاً بالحقيقة، منارةً لمن يبحثون عن المعنى في عالمٍ يتلاشى فيه كل يقين.
تبلغ هذه الفكرة ذروتها حين يقول:
" الناس ينتظرون يأتي شاعرٌ
حتى يحولهم إلى ألفاظِ"
هنا، تتجلى الهويةُ الشعريةُ في دورها الأساسي في تشكيلِ الوعيِّ الجماعي، حيث الشاعرُ هو الصوتُ الذي يمنح الناسَ إدراكهم لذواتهم، ويعبر عن مكنوناتهم وأحلامهم التي طال انتظارها، فبدون هذا الصوت، ستظل النفوسُ تائهةً في فراغٍ لا يملأه سوى الضجيجِ العابر.
يلحُ الشاعرُ على ذكرِ موتِ المغنية "لحاظ" تلك الفاتنةُ الجميلة، العذبةُ الصوت، التي عاشت في زمنِ المعتصم بالله، وكما ذكر ابن الرومي عنها:
"غنت فلم تحوج إلى زامر، فهل تحتاجُ الشمسُ إلى شمعة"، حيث قال:
" ماتت مغنيةُ البلادِ لحاظُ
فانتسب الغناءُ لمطربينَ غلاظِ"
صورةٌ لا تقتصر على فقدانِ مغنية، بل تمتد إلى فكرةٍ أعمق، حيث يبرزُ مفهومُ الجحودِ تجاه المبدعين الحقيقين، الذين لا يدركُ الناسُ قيمتهم إلا بعد رحيلهم، وكأن الغناء، الذي كان يوماً فناً راقياً يطرب النفوس، أصبح الآن مجردَ صخبِ فارغ، تسيطر عليه أصواتٌ لا تحملُ أي إحساس، ولا تمتلك القدرةَ على ملامسةِ القلوب.
لكنَّ القصيدةَ لا تتوقف عند الحزنِ أو المقارنةِ بالماضي، بل تتجاوزُ ذلك إلى طرحِ دعوةٍ للاستمرار، تأكيداً على أنّ العشقَ الحقيقيَّ للشعرِ والهويةِ لا يموت، بل يتجددُ مع كلِ صوتٍ جديد، بحيث يختتم الشاعرُ بقوله:
" عد للكتابةِ باكراً
لا تقضِ هذا العمرَ حزناً
بعد موتِ لحاظِ"
وكأنها رسالةٌ واضحةٌ بأنَّ الفنَ رغم فقدانِ رموزه الأصلية، لا يتوقف، بل يستمر، لأن جوهره يتجدد مع كلِّ روحٍ تؤمن بالكلمة، وتصرُّ على جعلها جسراً بين الماضي والمستقبل، بين الألمِ والأمل، وبين الضياع وإيجاد الذات.
بعد هذه الخاتمة، ندركُ أنّ القصيدةَ ليست مجردَ تأملاتٍ في العشقِ والهويةِ فحسب، بل هي بيانٌ شعريٌّ يحملُ في طياته موقفاً واضحاً من العالم، حيث يرفضُ الاستسلام، فتمسكُ الشاعرُ بالكلمة، ليس مجردُ دفاعٍ عن الشعر، بل عن هويةٍ تتلاشى وسطَ الضجيج، فالعشقُ هنا لا يقتصر على الحبِ التقليدي، بل يتجاوزُ ذلك ليصبح عشقاً للهوية، عشقاً للكلمة ورسالتها، تلك الرسالةَ التي يحملها الشاعرُ في مواجهةِ عالمٍ سريعِ التغيير، عالمٌ يستهلك كل شيء دون أن يمنح الفرصة للحقيقة كي تتجلى.
إنها دعوة إلى مقاومةِ التلاشي، إلى عدمِ السماحِ للضجيج بأن يبتلعَ الأصواتِ الحقيقية، إلى الإيمانِ بأنّ الشعرَ ليس ترفاً، بل هو سلاحٌ ضد النسيان، وجسرٌ يصلُ الإنسانَ بجوهره العميق، الشاعرُ هنا لا ينظر إلى الكلمةِ بوصفها مجردَ أداةِ تعبير، بل ككيانٍ حي، يتحدى الجمود، وكصوتٍ لا ينبغي أن يطمسَ تحت ركامِ الحداثةِ المتسارعة.
وفي هذا السياق، تتخذُ القصيدةُ بعداً وجودياً، حيث تصبحُ الكتابةُ فعلاً من أفعالِ المقاومة، ومساحةً لاستعادةِ الذاتِ في مواجهةِ عالمٍ يحاول فرض صيغته الخاصة على الإنسان، وكأنَّ الشاعرَ يهمسُ للقارئ:
"تمسك بالكلمة، لا تدعها تنطفئ، فبها وحدها نعيدُ بناءَ هويتنا وسطَ هذا التيه"
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟