أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: كرامة أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: كرامة أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 06:36
المحور: الادب والفن
    


عاش زوجان من الغربان أعواماً طويلة في عشٍ واحد، كأن الزمن نفسه قد عقد بينهما ميثاق ألفةٍ لا يُرى، ووفاءٍ يتجذر في تفاصيل العيش اليومي. لم يكن ذلك العش مجرد بناءٍ من عيدانٍ متشابكة، يقيهما قسوة البرد أو لهيب الشمس، بل كان وطناً مصغّراً تتكاثف فيه الطمأنينة، وتنبض في زواياه ملامح المشاركة، وكأن الحياة هناك تُدار بقلبٍ واحد لا بقلبين.
وفي صباحٍ ربيعيٍ ساكن، مائلٍ إلى صفاءٍ يكاد يكون غامضاً من شدّة هدوئه، وضعت الأنثى بيضتين، ثم استسلمت لدفء الأمومة، ترقد عليهما كمن يحرس حلمه الأخير من انكسارٍ محتمل. كانت تحتضنهما لا بجسدها فقط، بل بما يشبه القسم الداخلي الذي لا يُقال. وكان فلاحٌ قروي يراقب المشهد من بعيد، مأخوذاً بتلك الهندسة الدقيقة للحياة فوق غصنٍ هش، غير أنّ فضوله ذلك الذي يتخفّى أحياناً في ثوب البراءة دفعه إلى أن يقترب من حدود هذا العالم الصغير.
وحين سنحت له لحظة غيابٍ قصيرة للزوجين، مدّ يده إلى العش، وبدّل إحدى البيضتين بأخرى غريبة، ثم انسحب كأن شيئاً لم يكن، تاركاً خلفه شرخاً لا يُرى.
مرّت الأيام، والأنثى تواصل حضنها لدفءٍ تظنه نقيّاً، بينما الخديعة تنمو في الخفاء داخل البيضة الدخيلة. وحين جاء موعد الفقس، انشقّ الصمت عن فرخين؛ أحدهما يحمل ملامح سلالتهما، والآخر جاء مختلفاً في اللون والهيئة، كأنه سؤالٌ لم يُطرح في هذا المكان من قبل.
تجمّد الذكر في مكانه، وقد انطفأ في عينيه ما يشبه اليقين، ثم خفض رأسه كأن السماء انحنت فوقه بثقل الفاجعة. أما الأنثى، فقد انكسر داخلها شيءٌ لا اسم له؛ أطرقت برأسها بصمتٍ يشبه الاعتراف القسري، وهي لا تدري بأي ذنبٍ تُدان، ولا بأي حقيقة تُنكر.
ولم تمضِ لحظات حتى ارتفع الذكر، محلقاً بعيداً دون التفات، تاركاً خلفه فراغاً أشد قسوة من الغياب نفسه. وبقيت هي وحدها، ساكنة في مكانها، كأنها تحوّلت إلى ظلٍّ لا يعرف طريق العودة.
وما هي إلا ساعات حتى بدأت الغربان تتقاطر من كل الجهات؛ أزواجٌ تهبط قرب العش، تحدّق في الفرخ الغريب، ثم ترمي نظراتٍ طويلة على الأنثى المنكسرة، قبل أن تنصرف إلى أغصان شجرة التوت المجاورة. تكرّر المشهد حتى اكتمل الحشد، وكأن الطبيعة كلها استُدعيت إلى محاكمةٍ شرفية لا رحمة فيها.
ثم انفجرت الأصوات، حادةً وقاطعة، كأنها سيوفٌ لا تحتاج إلى دليل. اتُّهمت بالخيانة، وبأنها لوّثت نقاء السلالة، وكسرت ما توارثوه من يقينٍ أعمى. ولم يُمهلها الجمع فرصة دفاع، فقد صدر الحكم قبل أن تُسمع الكلمة.
وبعد لحظاتٍ من الضجيج، انفضّوا جميعاً، تاركينها في عزلةٍ أشبه بالعدم، تواجه عاراً لم يكن لها فيه نصيب.
لم تحتمل الأنثى ذلك الانهيار البطيء لروحها. حلّقت عالياً، تدور في فضاءٍ متوتر، كأنها تبحث عن مخرجٍ من جسدها قبل أن تبحث عن السماء. حتى وقعت عيناها على تنورٍ طينيٍ تتوهج فيه النار، كأنه بابٌ أخير بلا عودة.
وانحدرت إليه دون تردد، وألقت بنفسها في اللهيب، مختارةً نهايةً سريعة على حياةٍ شعرت فيها أن كرامتها قد سُحقت إلى الأبد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض


المزيد.....




- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: كرامة أنثى