داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 01:16
المحور:
الادب والفن
عندما يواجه الكاتب تبعات قلمه، يتحول حينها كل حرف الى سلاح ذي حدين، وكل قصة مرآة تعكس وجود الألم والقهر المخفية خلف الكلمات، القاص هنا ينصت لنداء الحزن الخافت، ممن يئن في العتمة، فيتدخل لينقذ ما وراء ذلك الأنين المتصاعد، باحثا عن خلاص من قسوة هذا العالم وصلابته، ليبتعد عن الواقع والصلة بهذا العالم، في تلك اللحظات، يجد نفسه في مواجهة الأرواح التي تتشكل في هيئات شتى، فهي ليست سوى انعكاسات لذاكرته المثقلة بما يحمله من جراح وتجارب، لذا فهو يسكب من روحه في كلماتها، ويغذي ذاكرته مع كل سطر، ومع ذلك يبقى كمن يطارده شبح الأموات التي لا تفارقه، وظل الظلم الذي بدأ يتبعه في أول سطر قرأه، فيما الهم يحفر في الجسد والروح، يتسلل بين سطور الكلمات، ليبقى عالقا في أعماق الذكرى.
أخذت الأرواح تسكنه، تهمس في داخله بتراتيلها المبهمة، فما بين الكوابيس التي تحدثها تلك الأرواح ومحاولة الوثوق بالنفس، يكمن هناك خوف خفي، يزداد كلما زادت تلك الكوابيس، كأنها تتغذى منه، لتسيطر على حالة الكاتب، لذا يحاول أن يخفف منها بأن يدون ما يدور بين ثناياه، ومع كل محاولة للكتابة، يسعى لإعادة صياغتها برؤية حداثية تتجاوز القوالب التقليدية والأفكار المستهلكة، هو لا يكتب ليكرر، بل ليكسر القيود، ويبتكر لغة تحمل بين طياتها تجليات الوعي وجراح الذات، باحثا عن معنى جديد في عالم يزداد اغترابا، في هذا الصراع الداخلي، يتجلى التوتر بين الخيال والواقع كمرآة مشروخة تعكس الألم من زوايا متعددة.
ففي هذا السياق، تأتي قصة القاص حسين الحسن كرحلة تتأرجح بين الانتقام الصامت للبائسين وتجارب لا ترحم تمزج الواقع بالخيال، فتتداخل الهلوسات مع التجارب القاسية، فما بين القراءة السطحية لأي كتاب وبين الغوص بروح الشخصيات تنبثق المشاعر الدفينة، وتوقظ الذكريات المؤلمة التي تخرج من دون إنذار، وهكذا يجد القارئ نفسه يدخل في حالة حضور ذهني شديد ويشوبه التوتر بأقصى درجاته، إذ يتعايش مع شخوصها التي تتأرجح بين الموت الحقيقي والموت المعنوي المتكرر، فيتحول هذا الشعور إلى ألم جسدي غامض، ومع تراكم تلك المشاعر، يصل إلى حالة الشك الدائم بين ما هو حقيقي وما هو وهم.
في بداياته الإبداعية، انطلق القاص كفارس مغامر، مستكشفا عوامل الغموض والرمزية الهادفة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، محاولا نسج عالم يتشابك فيه الحلم مع الحقيقة، فالصراع بين الواقع والخيال يصبح أكثر وضوحا حين تتداخل حدود الأدب مع الحياة، الشخصيات الأدبية لا تظل في الظلال، بل تنهض من بين السطور كأنها كائنات حية، تندفع لتتنفس الهواء الذي فقدته في عالم الحبر، ومع هذا التكرار، لا يعود القارئ من مجرد مشاهد ومتصور للحدث، بل يصبح شريكا في إعادة إحياء تلك المعاناة، حيث تختلط الحدود بين النص والحياة، ليصبح الأدب سجنا جديدا لتلك الأرواح المعذبة.
النص لم يكتفي بعرض مأساة فردية، بل يعكس صراعا نفسيا يعمق الاحساس بالعجز والقهر بين الماضي والحاضر، ليظهر تلك المأساة الإنسانية وهي تسحق الإنسان تحت وطأة مجتمع لا يرحم أو حكومة متسلطة، لذا راح القاص ينبش في قبور الاحلام المدفونة، ويدور في أفلاك الأدب والكتب القديمة، وكأنه يسعى لاكتشاف أسرار الأقفاص الأرضية التي حُبست فيها الأرواح في أوراق اصفرت مع تقادم السنين، وكأنه بدأ يستمع إلى صدى الأنين الخافت لمن طال انتظارهم لحظة انبثاق الحرية، إلا أن تلك الشخصيات ظلت محبوسة بين الأمل والخيبة، فباتت الكلمات شاهدة على صبر السنين ووجع القيود، وربما لن تتأكد بأن لا وجود للحرية المطلقة على هذه البسيطة، فالنص يعكس صراعا غير مرئي بين الأدب كأداة للتحرر والأدب كوسيلة للمعاناة المستمرة.
يحاول الكاتب أن يعكس ما يشعر به من صراع، ليقنع نفسه به بأنه مجرد وهم لا أكثر، وكأن هناك خطأ واضح بين الواقع والخيال:
" كم احسدكم أنكم تعيشون لمرة واحدة"
فهي تعكس فعلا حالة الألم من العذاب النفسي، أو حالة الندم التي يراها في تجسيد البعد الإنساني المقيت في تلك الروايات، سواء في رواية المعطف أو رواية الشيخ والبحر، مما يجعله يتكرر لديه هذا الوجع المتصاعد الذي يجده مع كل قراءة أو تذكر انتهاك إنساني في أي مكان، ومع اعتقاده الراسخ بأن شخوص هذه الروايات في حالة ألم متكرر، إذ يصورها بأنها تبحث عن من ينصفها، وهذا يعكس حالة الاغتراب الاجتماعي، القهر، والمصير المأساوي الذي يراه يرتبط بالفقر، وكما ذكر الامام علي:
" لو كان الفقر رجلا لقتلته"
إن القاص، في رؤيته العميقة، يرى أن كل شخصية تمثل في جوهرها توسلا صامتا للكاتب، طالبة منه ألا يعيدها الى دائرة البؤس التي لا نهاية لها، فالفقر قد نال منها كثيرا، وارهقها البحث عن الانصاف على مر السنين، فهذه الشخصية باتت تتمنى الموت لمرة واحدة فقط، في علامة واضحة على أن الكتابة عن الظلم قادرة على تجسيد الشخصيات بطريقة تجعلها تنبض بالحياة مجددا رغم معاناتها المتواصلة، ما يظهر هنا قدرة الكاتب على التوغل في أعماق المعاناة البشرية، إذ يتماهى مع آلاف البسطاء الذين يكابدون الفقر والعوز.
لكن الكاتب يدرك أن هذه الشخصيات محكومة بتقيد ادبي، محكوم بالقوانين التي تفرض عليها معاناة لا تنتهي، مما يجعل معاناتها تتكرر بلا هوادة، فالشخصية تعيش في حلقة زمنية مغلقة، حيث لا موت ولا نهاية لتاريخها المأساوي، فتظل حبيسة النص، محاصرة داخل دائرة من الالم المتجدد الذي لا يتوقف مع كل قراءة جديدة، لذا فهي في صراع داخلي متواصل، تكافح من أجل الخلاص من هذا التكرار الذي يثقل كاهلها، لكن المفارقة تكمن في انها وصلت الى مرحلة الإشباع التام من ذلك الألم، ليصبح رمزا لكفاح طويل ضد دورة لا نهائية من الحزن والظلم، مع تنامي الوعي بالعجز عن التغيير.
تتصاعد فانتازيا الرعب، حيث يطرح صوت الميت الذي يعزف على قبره، ومع هذا الخوف من واقع غريب، إلا أنها توحي على أن القامات الأدبية التي أثبتت حضورها لا تموت حقا بل تبقى في ذهن القارئ، إذ جسدت ذلك الحضور بأنها تمكنت من رسم الضحية من زبد الأرواح التائهة التي أُجبرت على حمل أداة قاتلة، إذا أذعنت لذلك لترويض أجسادها لظلم متكرر ليشمل من ليس لهم حضور اجتماعي على مدى العصور، فلم تنجو من فخاخ نصبت لها، لأنها بلا ذاكرة، ولكي تتناسل الخرافة في عزفها المنفرد كتأبين لتلك الأرواح، تستمر الحكاية.
من ثم يعود الكاتب الى قراءة الروايات، إلا أنه يجد كلماتها قد غادرت الصفحات، وكأنما هجرت الشخصيات النصوص كليا، معمدة بالهزيمة والبكاء، كأنها ظباء تطاردها الوحوش، ربما هو الخلاص، ليترك الكاتب في دهشة هذا الوعي الغامض، ويدخل في دوامة من القلق المبهم المنبث من جنبات النفس.
ثم وإذا بالشخصيات الأدبية تخرج على شكل فوضى عارمة قاتمة، كي تثور وتهيج وتنتفض غاضبة، وبدت خارجة عن السيطرة تماما، وكأنها تبحث عن كتّابها، إذ تبددت أحلامها بعد أن وجدت نفسها كانت مجرد وهم، تُحركهم ايقاعات مسموعة لا يُعرف مصدرها، في سخرية لتفريغ ما في دواخل الكتّاب من ألم ومرارة، يزورها النحيب، ويقاضيها الضياع، وألسنتها معقودة وإن كانت تعرف مكامن الحقيقة، تلك التي تظهر لا تبعث إلا على الأرق، وإن كانت تحمل الاسرار، فعالمها لا يتشح الا بالغم والسواد، ليقول الشيخ في رواية الشيخ والبحر:
" حسنا، سأذهب إذن لأنبش قبر هذا الكاتب المغرور الذي ظن أن الصيادين أمثالي لعبة تعيش تحت رحمته"
تتصاعد الفوضى اكثر، لتصل الى مستوى جديد من السخرية، فهو سلاح الفقير والمغتصب حقوقهم الذي يلجأ إليه البشر منذ الأزل، حيث تحولت المقابر الى ساحات لعودة الشخصيات الأدبية كلها، الكتاب أنفسهم، المشهد يصبح أقرب إلى السريالي، إذ تمتلئ الأرض بالكائنات العجيبة، حتى الشخصيات التي كانت في طي النسيان، لتبدأ دورة جديدة من الانتقام، العالم بأسره أصبح ميدانا للحرب بين تلك الشخصيات والأدباء، فالكتاب أصبحوا في مأزق, والأدب نفسه يتحول إلى لعنة، وكأنها صرخة ضد السلطة المطلقة للكاتب على شخصياته، وقد تعبر على رفض، من أن بعض الأدب يتفرد كوسيلة لخلق المعاناة في اصل المتعة الفكرية، ليكون في النهاية عبثا لا يستطيع الكاتب التخلص منه، لذا فإنه لم يعد مجرد سطور على الورق، بل مقصلة لأحلام الكتّاب الذين عجزوا عن منح شخوصهم الخلاص.
في النهاية، الأدب لا يتوقف عن كشف الوجوه المتعددة لذات الكاتب والشخصيات التي وضبها، هذه الشخصيات ، التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من النص، تحارب من أجل التحرر من قيود الورق والحبر، لكن، عندما تتداخل الحدود بين الواقع والخيال، ترى هل تبقى تلك الشخصيات مجرد انعكاس لآلام الكاتب، أم أنها تكسب حياة خاصة بها، لتأخذ زمام الأمور وتستعيد حرية الإرادة؟ الأدب هنا ليس مجرد وسيلة للسرد، بل هو معركة مستمرة بين المبدع وأرواح قد تُركت لتعيش في النص، في هذه المتاهة من الكلمات، لا يبقى سوى صدى الأصوات الضائعة، يبقى الواقع كما هو، ألم يعيد نفسه، وظلم يتكرر، وجروح لا تلتئم، هي الكتابة هكذا، تعبر عن الجراحات، لكنها تظل في ذات الدوامة، لتستمر الحكاية… كأنها تبحث عن خلاصها بين سطور لا تنتهي.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟