أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها














المزيد.....

قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 03:21
المحور: الادب والفن
    


تجتاحها عاصفةُ الحنين، ويتساقط الدمعُ على خدّها، إذ تجد نفسها محاصرةً بأحزانها وأوهامها، في تلك الغربة التي انزلقت إليها، وتبدو بلا نهاية. غربةٌ بدأت من الروح ثم اتسعت لتشمل الجسد، حتى شلّت الإرادة وأربكت الفعل، فأخذت تبحث في الحروف، في الأبجدية، في القوافي، في الصدر والعجز، علّها تجمع شتات اللغة لتخفف لواعج تلك الغربة التي لم تكن تتخيل وقعها ولا اجتياحها.
لكنها كانت تجد الحروف تهرب منها، كأنها سربٌ متناثر لا يقبل الالتحام، ولا يستجيب للترويض كي يتحول إلى سطور على قرطاس. وحتى القلم، بدا كأنه يشارك هذا التمرد. ثم راحت الحروف تهمس في جوف الحنجرة: "إن في الصمت سلامة، وفي السذاجة أمان." فترتدّ إلى حزنها، تندب حظها، وتستسلم لتلك النهايات التي بدت وكأنها مسلّمات، لتتخفف عبر دموعٍ تتدفق كملاذٍ أخير، تتزاحم فيها القطرات في تدافعٍ غريب.
نشأت هكذا، تفتش عن الحرية، عن حروفها الأقرب إلى اسمها، عن كسر قيود الأعراف البالية. كانت تشتاق للقاء، لتلك الدندنة التي تتخيلها بعد منتصف الليل، حين يقف في مخيلتها كطيفٍ حتمي، فيجتاحها شوقٌ يقطع وديان الانتظار، وتسمعه يغني لفيروز وهي تحتسي قهوتها كل صباح. لذلك بدأت تخاطبه بلغة الأرواح، لغة تتجاوز حدود العقول، وتختصر ما يعتمل في أعماق الصدور.
تتهيأ الحروف، لكنها تأبى أن تتحول إلى سطور. والقلم، كأنه صُنع من رموش العيون، يحاول، بينما القلب يثقلُه الوسواس، فتتجمد الأسرار المكنونة، وتجد نفسها على شواطئ عشقٍ ضحلة للغاية.
- ما هذا؟ وأين الخوض في عباب البحار؟
تتجمع غيوم الضجر، فتمطر الأحزان والآهات، وتحجب شمسها خلف التلال.
- ترى هل تسكت؟
والصمت، كما يقال، لغة الحكماء، وقد يكون محطة استراحة من هذيانٍ طويل، ومن ثرثرةٍ بلا طحين، ومن خدرٍ وخواء.
- أتلجأ إلى الصراخ؟
ذلك الخوف الذي وُلد مع الشهقة الأولى، لا يتوقف حتى العظام، والصراخ له ضريبته، كأن الألم خُلق ليكون رفيق الدرب وجليس العزلة. فتطاردها العتمة أو تطاردها هي، وتفتش في طيات المخيلة عن ضياع العمر، في مسلسل خيباتٍ لا ينقطع. ثم ينهكها الوهن، وتتداخل عليها الكلمات، فتتهاوى كجسد فقد الأمل والإرادة.
- الغربة أن تعيش مع أحلامك فقط.
- وماذا أفعل؟
- الخسارة أن تتعايش مع من لا يفهمك.
لذا بدأت تتعايش مع أحلامها، تستفيق على حقول حبٍ مفقودة، وعلى دهشة السماء، وتقف في محراب الفارس الذي رسمته مخيلتها، وتجعل من الوجد طعم الشهد في الهزيع الأخير من الليل، عند ملتقى الأرواح. هناك، تتبدل الحكاية إلى جنونٍ هادئ، ينسى التعب وطول الطريق، ويمنحها وهماً جميلاً بالأمل، وإن كان ممزوجاً بالألم.
فالعشق، حتى وإن كان في عالم الأطياف، يمنحها قدرة على الاحتمال. تحاول مواراة أحزانها، فتدفع نفسها لتثور من وسط الركام، وتستعير ألوان الفراشات، لتحلق في حدائق الحب، تبحث عن نبضٍ يعزف بلحن قيثارة عشتار، حيث تنقش المشاعر على جدار القلب نقوش الوله، في صمتٍ مملوء بالهذيان والحنين.
ويدركها الفجر، بعد أن أصبح ليلها مكتظاً بالعقارب والانتظار. فتبتسم، لأن الوقت مرّ وهي غارقة في خيالات العشق والوجد. فبدون الحب لا يبقى أمل، ولو كان مجرد حلم يقظة أو طيف من ذاكرة بعيدة.
الحروف ما زالت تهرب، وهي ما زالت تحاول خياطة الليل بالدمع. واللغة تتركها في لجة الضياع، بينما تعلم أن الوجد متعب، والصمت يترك الروح حطاماً، وأن الأحزان تأتي كالفصول وتغادر بصمت، إلا أن حزنها لم يغادر، كأنه اختار البقاء في كل الفصول، في صحراء لا تعرف الثمر.
لكنها تعيش في أحضان أحلام يقظتها، حيث يمد ذراعيه ليحتويها، فيسحب منها الحزن والصخب، ويمنحها القدرة على الانعتاق. كأنه يعيد ترتيب تضاريسها القاحلة، ويروي عطشها بكلماتٍ هامسة، تمسح غشاوة الألم، وتذيب جفاف الفكر، لتذوب روحها في روحه.
تحتاج إليه همساً، حرفاً، نغمةً، عشقاً يدور مع الموسيقى، فيجعلها ترتجف كالمجذوب، ويناجيها بهمس العاشقين الذي تتوق إليه القلوب. فتهمس في داخله:
- ادفع بالنفس كي تثور… تثور على منابع قتل الأحلام.
أنين العشق يقودها لعبور محطات التعب، والدمع يتسارع مع صدى صوته، والصبر يرقص جريحاً على جمر الهوى، والحلم يسمو في فضاءٍ بعيد، يعانق السحاب، ويصعد بخيوط الشمس نحو معراجٍ لا يُرى.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث


المزيد.....




- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها