داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 03:00
المحور:
الادب والفن
لم يكن ميلس الآشوري بذاتِ المزاج الذي يجعله يبدو سعيدا، يشعر أنَّ الزمنَ كأنما يتمدد، وبدأت الأشياءُ تتغلغل إلى دواخله بالتدرج، ومتاهةٌ أخذت تتسربُ إلى جميعِ مساماته، وظهرت الذكرياتُ التي كانت تغطي بعضها البعض، غريبٌ أن يرى أدقَ التفاصيل حينما وجد نفسه في دوامةٍ تدور بسرعة، ربما وقع ضحيةً لذلك الوهمِ السائدِ الذي تعايش معه، أو هي استجابةٌ لذلك الموروثِ الجيني من دون أن يعلم، إذ كان أحدُ أجداده ينسجُ أحلاماً تصلُ إلى مدياتِ التفكيرِ بالحكمِ عبرت أصقاعَ السراب، أو هي الحقيقةُ المرةُ التي لا يزال لا يعترف بها، أو أنَّ الحاضرَ التصق بالماضي، صورٌ تثيرُ الهلعَ في دواخله من أزمنةٍ تطالها الذاكرة، وتعاظمٌ لأصواتٍ خافتة، وتفاصيلٌ لحياةٍ مجتزأة من القلعةِ التي اضطر على هجرها قد حضرت، بعدما قرر الملكُ الآشوريُ بظرفٍ غامضٍ المغادرةَ إلى شرقِ نهرِ دجلة وأدارت دفةَ الحكمِ من منطقةِ تلوك العكر، وكان يتمنى لو تمكن الكاهنُ من إقناعِ الملكِ بالعدولِ عن قراره، ليست بدافع أنه سيفقد بعض الامتيازات، فهو كما هو سيبقى رهن الإشارة، إنما يعرف نفسه أنه من النوع الذي لا يحب التغيير، لم يكن ذلك الملكُ قبل التتويجِ يحتك بالعالمِ الخارجي إلا ضمن حدود مرسومة سلفا، لذا؛ فإن دواخله لا تحمل أبعادا من الهواجس، عدا تلك التي تتعلق بالتقربِ من العرشِ الملكي، فهذا خطٌ أحمرٌ ضمن حاشيةِ العائلةِ يتعلمها الأفرادُ منذ الصغر.
أشعلت صورةُ قلعةِ آشور اللامعة في ذهنِ ميلس، تلك الفخامةُ التي لم يرَ بمثلها من قبل، ولم يمتلك بالمقابل فكرةً وافيةً عن المكانِ الجديدِ بحكمِ قيودِ الحركةِ لضآلة مكانته في ذاتِ المكان، لا لوم عليه، فلقد دخل ميدانَ الترويضِ من دون وعي، أو ربما نُسجت له أحلاماً مغزولةً بخيوطِ الخديعة، فحفزت لديه فصولَ الشوقِ إلى العطاءِ عسى أن تقرب الوعود، ثم بدأ يشعر أنَّ دائرةَ التقيدِ صارت تأخذ مداها الأوسع في أفق تفكيره، بل الأقربُ أنه بدأ لا يشعر بأنه يمتلك ذاته حتى يتمكن من التعبير عنها، لذا؛ أخذه الحنينُ بعدما استنزفه الهذيان، ذلك الطوفانُ الذي يجرفُ الأغلبَ من أمثاله من دون وعي، ووصلت درجةُ ذلك الحنين إلى الغبارِ الذي كان يغطي أثاثه البسيط في كوخه الصغير خارج أسوار تلك القلعة، فلم يعد بإمكانه كبح الدموع متى ما اختلى مع نفسه، إذ فاضت عيناه ليلة الوداع الأخير، بعدما طلعت بشائر النور بفجرٍ جديدٍ أجبرَ العتمةَ على الرحيل، فكأنما رمت روحه أنفاسها بعدما انكمشت على نفسها، يغمض عينيه ويحرك يديه كأنما يحاول أن يبعد عن ذهنه تلك الذكريات التي لا يود إعادتها، أو أن يزيح ذلك الهاجسَ اللامرئي من أن يقترب منه.
- ربما البعدُ سيولد النسيان.
اعتاد الاستيقاظ مبكرا، يسرحُ في عالمه السري على طاولةِ الحزن، ذلك الشيءُ اللامحدود الذي يسمى الطبيعة خارج أسوار المكان، تلك التي لا يحق له أن يراها إلا من خلف النوافذ، كلُ شيءٍ رسخَ في المخيلةِ وفق الحكاياتِ المتناقلةِ التي تسحق الرغبات، ذاكرةٌ تتخذُ مساراً دائريا، فما أن تبدأ بنقطةٍ حتى تنتهي بها، استغرقت روحه في لحظاتٍ خرافيةٍ تتأرجح ما بين العبثِ والكبرياءِ المهزومةِ بجسدٍ يتهادى، الصحراءُ الممتدة بلا نهاية غرب القلعة، المجرى الوحيد الصيفي الذي يخترقُ الصخورَ الكلسيةَ في تلك الصحراء، المنطقةُ الفسيحةُ التي تكثر فيها الضباع، القصبُ الذي يتهادى مع حركة الريح، وعطرُ الأرضِ بعد نزولِ المطرِ من الغيمةِ الأولى في موسمِ الخريف، إلا أنه قد ظهرت بداية لكآبة، وفيضٌ من حزنٍ أخذ يهيمن عليه، ربما كردةِ فعلٍ لذلك الإعصارِ الذي أخذ يدور في أعماقه، والاندفاع اللاوعي استجابة لتساؤلات كثيرة، إذ بدأ يستشعر بوجود تلك القبضة القوية التي نشأ عليها والتي تسلبه حرية التصرف، يجدها الآن أصبحت أكثرُ قوةً وإيلاماً من ذي قبل، يعلم أنَّ التعاملَ هو جزءٌ من نظامِ الأشياء، فلا يحق له أن يفكر فضلا أن يبوح بتلك الأسرار، عليه أن يلتزمَ الصمتَ ولا شيء غيره.
- ربما سأعتاد تلك الأشياء مع مرور الزمن.
فيجيب نفسه.
- وهل لدى خيار آخر؟
إلا أنَّ الشكوكَ بدأت تساوره، فالطقسُ باردٌ ولم يشعر بوصولِ تلك البرودة إلى تجويف عظامه، عكس حالته الاعتيادية تماما، ربما سببه الترقب من صوتٍ لشيءٍ ما يجهله الذي أخذ يداهمه من جميع الاتجاهات، أو لربما ذلك الصوتُ القادمُ من مرتعِ طفولته عندما كانت لا تزال تعكس البراءةَ لا أكثر التي ودعها بعمرٍ مبكر، أو هو صوتُ الكاهنِ الذي أفهمه بأهمية المساواة في الحياةِ المجهولةِ إلى نفسه في أقصى أعماقها من دون وجود إغراءٍ بنكهةِ اكتشاف الغموض، وبدأ يرى تصرفُ ذلك الكاهن عكس ذلك، وإنَّ مفهومَ المساواةِ ما هو إلا مصطلح مهلهل وإن كانت لا تعنيه بشيء، إلا أنَّ رفرفةَ العصافيرِ وهي مشغولة ببناءِ أعشاشها على الجهةِ الخارجية من النافذةِ الوحيدةِ التي يتمكن من خلالها رؤية العالم الخارجي من دون حذر, ألهبت تلك العاطفة التي تناقلت عبر السنين، إذ أوقفت بشكلٍ قاطعٍ متعةَ التساوي المفترض بعدما أخذت بالتلاشي شيئا فشيئا في عالمٍ يعتاشُ على الشعارات، توارد إلى ذهنه حكاية من الماضي كسيل جارف، ففي طفولته المفقودة استطاع أن يصنع مصيدةَ طيورٍ تقليداً لعبثيةِ أقرانه خارج تلك النافذة، وتمكن خفيةً من اصطياد عصفور صغير، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إليه خشية اكتشاف أمره، وستكون العقوبةُ أما بالصفعِ أو بسيلٍ من الكلماتِ النابية، لذا؛ أخذ ينظر إليه بنظرةِ الحسرة، وذلك الصغيرُ يبحث في العيونِ عن عاطفةٍ تنتشله من وجعِ الروح، وصوتٌ خافتٌ تستقبله أسماعَ ميلس يفصح عن ألمٍ يفوق الجبال، لذا؛ بدأت تزال تلك الغشاوةُ أو الغموض، وأدرك تلك الهوةَ التي تفصل أحلامَ الطفولةِ عن الواقع، إذ حفزت لديه التوق إلى معرفةِ شغف تلك الطيور لهذا الطلاقة، وبماذا يعني لها الأقفاص، بتلك الأجواءِ المغلقةِ على نفسها كان يعيشُ ولا يزال، لذا؛ أخذ يحاول أن يواري تلك الأحاسيسَ قدر استطاعته بعدما أيقن بوجود تلك الفوارق منذ الأزل..
اختار العزلةَ وضاع في متاهاتها بعينين ساهمتين في كوخٍ صغيرٍ مشتركٍ مسقف بالقش، يرى من خلال الفجواتِ توامضَ النجوم، يواسي نفسه بأملٍ مبهم، وبشعورٍ يعتقد أنه سيخلصه من واقعه الأليم، إذ بدأ كأنه يتعلق بخيطٍ من الإلهامِ الذي يعتقد أنه يتمسك به، تائها في تخيلاتٍ مستوحاةٍ من النزرِ اليسيرِ من تمرد طفولته الخفي، لذا؛ أخذ ذلك التمردُ الداخليُ يحركه، لم يعد يقدر الأخطار بعدما تغلب على مشاعرِ الرهبةِ الأولى، وببداية من شجاعةٍ مستمدةٍ من ذلك التمردِ يحاول أن يجمعَ صلابةَ أعماقهِ تشاطرها تلك الانفعالاتُ التي تمزق روحه، صوتٌ يتحول كالصراخِ في دماغه، فالفاصلُ ما بين الحياةِ والموتِ لم يعد يهمه، يستمعُ إلى دقاتِ قلبه كالطبل التي تتصاعد مع ما يدور في دواخله من هواجس، ولم يعد يخشى أن تتحول إلى نوباتٍ من الهيجان، إذ يجد نفسه بإمكانه أن يصارع ذئبا، فالمخيلةُ ترسم له المعنى النقص الحاصل فيه، وصمتٌ تتدافع على أبوابه كلمة لماذا، وسيلٌ من الأسئلةِ تتزاحم في مخيلته عن السلطةِ والجاه، الحروبِ والنهايةِ الحتميةِ لكلِ إنسان.
ينظرُ إلى البوابةِ الواسعةِ التي يدخل منها الحضور، يشعرُ بالدمِ يطرقُ صدغيه، وبضميرِ الرجلِ الذي يعتقد أنه بدأ يرفضُ الطاعةَ العمياء، شيئا ما تفتح في فهمه بأنه لم يكن يمتلك امتيازاً كغيره من القلةِ الذين يشملهم ذلك التقرب، ومراسيمٌ تجثمُ على صدره كأنها أحمالٌ ثقيلة، وكآبةٌ تنسدلُ على عينيه، ربما يشعر بالغيرة، هكذا يوجه الاتهام لنفسه، لا يود الاعترافَ بذلك، لذا؛ أخذ يحاول أن يفرغ روحه من تلك العدوانيةِ كي لا ينكشف، أن يعاودَ التحدثَ مع الماضي، بتلك المتاهةِ التي لا تحتاج إلا لتكرارِ الأحداثِ المعروفةِ نهاياتها حتى وإن كانت من نسجِ الخيال، أو أن يكبحَ ذلك الهيجانَ بإعادةِ قربه من المعبدِ الذي كان يعتقد أنها تخفف وطأة الشر لديه، إلا أنه حينما تجاوز حدود حاضره، بدأ كأنه يسمع أنيناً خلف الجدرانِ السميكةِ لم ينتبه إليها من قبل، أقرب إلى أن تكون أصواتُ استغاثة، أو أصواتٌ تنبأ بتلاشي الأمل الذي بدا كأنها كانت تملأ الأمكنة بالأوهام، أو ربما تواصل مع أرواحِ موتى لا تزال هائمة.
بدأ الحضورُ بالجلوسِ على المقاعدِ المخصصة، كتلٌ بشريةٌ هلاميةٌ صامتةٌ كما يراها، أو أقرب إلى أن تكون أشباحاً لا أكثر، سكن الجميعُ بعد مدةٍ من الهمسِ مع ابتساماتٍ تتوزع حسب الموقف، لا تصل إلى حدِ القهقهات، بانتظارِ نواياهم المعلقة في الفراغِ أن تتحقق، لحظاتٌ من ذلك الانتظارِ والتي بدت له كأنها زمنٌ لن ينتهي، وصل الموكلُ إليه بإنجازِ الأعمالِ بعدما نزل من القارب، نهض الجميعُ وأنظارهم ترتكز عليه، أحدث أحدُ المرافقين حركةً ما لضمانِ الصمتِ المطبق، صارت كلماتُ ذلك الموكلَ تصطدم في ذهنِ ميلس، تلك الخطاباتُ البعيدةُ عن عالمه، تجسدُ هواجسه التي يخبئها في دواخله، يحاول أن يصنع ذلك الرجلُ البهجةَ التي اختفت منذ قرار الرحيل، والرعبُ الذي يفرضه لن يؤدي إلى فرضِ نظامٍ إلى أمد بعيد، أنه يفترض ذلك عن يقينٍ لا وجود للاحتمالاتِ فيها.
يستحوذ على ميلس الفضول، ففي الركودِ يكمن الخطرُ كما يظن، فالحكمُ بالتدجينِ في وسطِ الحضارةِ أمرٌ بدأ يؤرقه، إلا أنَّ الخوفَ أصبح يملأه بالحرجِ حتى وإن لم يكن غير مكشوف، كأنما الصدى بدأ يعيد دقات قلبه أو يردد أفكاره عشرات المرات، خمّنّ في سرهِ لحظة الصمت، أو أنَّ غريزته أسعفته في الانتباهِ على ما يجري، شيءٌ أحس به قبل أن يساوره القلقُ بوقتٍ ليس بالقصير، كأنه بدأ يرى ما رسمته له مخيلته من أحداث، يحاول أن يقصي الفكرة عن ذهنه، بعدما بدأ يخشى بأنَّ كلَّ شيءٍ في دواخله سيكون مكشوفاً بوضوح، وقد لا يتمكن من الدفاعِ عن نفسه، وربما يظهر بنبراتِ صوته، عليه أن يضبطَ أعصابه، أملا في أن يوقفَ دويَّ الطبولِ في صدره، إلا أنَّ صرخةً أخرجته من هوسِ التفكير، بنبرةٍ مبهمةٍ وصلته من القاعةِ أمرته أن يفعل، لم يفهم بما هو مطلوب، ولم يمتلك الشجاعةَ التي تلاشت بالكاملِ في أن يستفسر، مرت اللحظاتُ التي تبدو كأنها أبدية، يحاولُ أن ينهضَ من على تلك الدكةِ الحجريةِ إلا أنه أخذ يتخبط، فلقد أفقده الهلعُ أشكالَ الواقع، بعدما تحرك الجسد تلقائيا من دون مراجعة، فإمكانية الهرب معدومة من الأساس.
- ماذا أفعل؟
تدلفُ هنا الحقيقة، أخذته إلى أعماقِ التساؤلات، يبحثُ عن شواطئٍ تخبئ المعنى، أو أن يسابقَ المجهول، عن نهارٍ يفضحُ العويلَ الصامتَ في دجى الليل، يتمنى لو يتمكن من إعادةِ الأحلام ولو بسِنة، ذلك الإحساسُ بأنه يعيش وعيناه مطبقتان ولا يتمنى الرحيل، فلا يجد فواصلَ ما بين الممكن و اللاممكن، ولا الإحساسُ بالجهاتِ الأربعة، وأن يتشبث بالحريةِ التي بالنسبة له أهم شيءٍ في الحياة، يدورُ وتدورُ معه الأفكار في رأسه، فذلك الدورانُ يعني له أنه يمتلك الأحقية في ذلك.
ظهرت حول عينيه ظلالٌ داكنةٌ وعلى ملامحِ وجههِ وجومٌ سريعٌ بعدما أيقن أنها ضربٌ من المستحيل، بعد أن توقف خياله المسافر نحو المجهول، لذا؛ أخذت تنكمش تلك الرغبةُ في دواخله، وبدأ يشعر بالوهنِ واللاجدوى من إحصاءِ الانكسارات، سيبقى هنا خارج حسابات الزمن، جسدٌ بلا روح وما تبقى منه رماد، وبانتصاراتٍ وهميةٍ وإن أخذت بالتلاشي، أحلامٌ تنتهي بأوهام، آهاتٌ وصرخاتٌ آتيةٌ من جحيمِ تلك الأحلامِ يدفعُ فاتورةَ صداها الأجيالِ من دون وعي منهم، فلعنةُ الطموحِ تقف عائقاً أمام أجيال الصبر، تنشر مجسّاتها في كلِّ الاتجاهاتِ على امتدادِ الأزمنةِ العسيرة، وقد يوجدُ الأسوأ تحت الشمس، إنها تتكرر عبر الأزمان في جميع الأمكنة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟