أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثمنُ الشعور














المزيد.....

قصة قصيرة: ثمنُ الشعور


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 03:10
المحور: الادب والفن
    


عند تخوم القرية، حيث يلامس الغبار حوافّ الحياة اليومية، تقف حظيرة صغيرة كأنها فكرة منسية أُسقِطت على الأرض ولم يلتفت إليها أحد. هيكل خشبي متآكل، تعلوه صفائح معدنية فقدت بريقها، وأسلاك تحيط بالمكان لا كحدود بقدر ما هي كإعلانٍ باهت عن انفصالٍ غير مفهوم بين الموجودات.
في الداخل، كائنات تشترك في الاسم وتختلف في الحظ. في أحد الأركان، أنثى حمار وابنها، وفي الركن الآخر خمسة خرفان، يفصل بينها وبينهما سياج لا يبدو صلباً، لكنه كافٍ ليصنع عالماً منقسماً قابلاً للتفسير.
كل صباح، يتكرر المشهد ذاته، وكأنه ليس فعلاً بل طقساً كونياً بلا بداية، إذ تُلقى معالف الخرفان بما يشبه الامتنان: شعيرٌ حيّ، وقطع خبزٍ طريّة، فوق تبنٍ أبيض كأنه اختير بعناية ليبدو صالحاً للحياة. أما في الجهة الأخرى، فلا شيء يشبه الاختيار. تبنٌ يابس، نباتٌ جافّ تآكلت ذاكرته تحت الشمس، وأعشاب تنمو في أطراف الأرض كما تنمو الأفكار المنسية في رؤوس لا تُصغي.
الصغير كان يراقب.
لم يكن الجوع ما يؤرقه فحسب، بل المقارنة التي لا تفسر نفسها. كان يقف أمام السياج كمن يقف أمام سؤال لا يريد جواباً، يحدّق في ما يُمنح للآخرين، ثم يعود إلى ظله مثقلاً بشيء لا يشبه الحرمان، بل يشبه الوعي حين يبدأ بالتكون.
أما الأم، فكانت تبدو كأنها مرّت من كل هذا سابقاً، ثم قررت ألا تمر مرة أخرى. لم تعد ترى الفارق بوصفه ظلماً، بل بوصفه انتظاماً قديماً للأشياء، انتظاماً لا يُسأل لأنه ببساطة استقر خارج الأسئلة.
في صباحٍ بدا أكثر صمتاً من المعتاد، كان الضوء يتسلل بخفة إلى أطراف الحظيرة، حين لمح الصغير الجزار. كان يقف أمام دكانه عند المدخل، يمرر سكيناً طويلة على حجر صلب، فتتقد شرارة صغيرة كأنها فكرة تولد من الاحتكاك. في تلك اللحظة، لم يكن النصل مجرد أداة، بل إعلاناً عن نهاية لم تُسم بعد.
تراجع الصغير. لم يكن يعرف هل يهرب من الصورة أم من المعنى الذي بدأ يتشكل فيها. أخذ يضرب الأرض بحافريه كمن يحاول تثبيت واقعٍ يتفلت من بين يديه.
في تلك اللحظات، اقتربت الأم بصمت، وكأنها تعرف أن الأسئلة في لحظات كهذه لا تُجاب، بل تُحتوى.
قالت دون أن تنظر إليه:
ـ ما بالك يا ولدي؟
أجاب، وصوته مثقوب بالارتباك:
ـ الجزار… إنه هناك يحد السكين.
التفتت الأم نحو الجهة التي أشار إليها، ثم عادت إلى الصمت ذاته الذي خرجت منه، وسألته كمن يختبر شيئاً قديماً في الذاكرة:
ـ هل أكلت الشعير؟
تردد، ثم قال:
ـ لا.
هزّت رأسها، لا بأسف، بل بما يشبه الفهم المتأخر:
ـ ثمة أشياء لا تُؤكل مرتين، وثمة أشياء لا تُؤكل دون أن تُدفع… فكل لقمةٍ تُمنح بلا حساب، إنما تؤجل ثمنها إلى حينٍ لا يُتوقع.
صمتٌ ثقيل مرّ بينهما، كأنه يمرّ عبر الكائنات جميعها دون أن يُرى .في تلك اللحظة، لم يكن الجزار يقترب من الحظيرة وحدها، بل كان شيء آخر يقترب أيضاً: لحظة الإدراك التي لا تعود بعدها الأشياء كما كانت.
وكان الباب يُفتح.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...


المزيد.....




- ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
- مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا ...
- -ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا ...
- الدكتور زهير توفيق للجزيرة نت.. نعيش حالة -هروب إلى الماضي-. ...
- «بين شطين» يحصد المركز الأول في مسابقة «عيش» للأفلام بمهرجان ...
- وفاة الممثلة جورجينا كيتس عن 51 عاماً بعد مسيرة سينمائية متن ...
- انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحت ...
- إمبريوم- و-أرض خرسانية- و-9 معابد للسماء- تتوج في مهرجان لند ...
- الفن والموسيقى في إيران ـ أدوات للاحتجاج ضد نظام الملالي في ...
- الجامعة العربية: الثقافة الإعلامية والمعلوماتية ضرورة حتمية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ثمنُ الشعور