أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: تغريبة وطن














المزيد.....

قصة قصيرة: تغريبة وطن


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 07:53
المحور: الادب والفن
    


وسط أرضٍ رمليةٍ متعرجةٍ مترامية الأطراف، وتحت سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم، كانت الرياح الجنوبية الشرقية تنذر بمطرٍ قريب. أحسَّ ببرودةٍ تسري في ظهره، وبساقين كأنهما قطعتان من الجليد. فتح عينيه ببطء، مستفيقاً من غيبوبةٍ لا يعرف كم استغرقت.
همس بصوتٍ متعب:
- أين أنا الآن؟
أدار بصره في الجهات كلها. لم يكن هناك أحد. لا صوت إلا صفير الريح وهي تعبث بالكثبان. عرف أن الحروب كثيراً ما تحوّل الإنسان إلى رقمٍ في سجلٍّ طويل من الأرقام، وأن الاسم والوجه والذكريات تصبح تفاصيل لا يلتفت إليها أحد.
حاول النهوض، فخانه جسده. شعر بألمٍ حاد في ساقه اليسرى وخاصرته اليمنى. تحسس موضع الإصابة، فوجد ملابسه مشبعة بالدم. عندها تذكر ما جرى في ذلك الصباح؛ تذكر الانفجار، والغبار، والصراخ الذي ابتلعته الفوضى.
كان يعرف أن الجرح إن تُرك على حاله سيفتك به، فجمع حفنةً من الرمال المالحة ووضعها فوقه، ثم مزق جزءاً من بنطاله وربط به موضع النزف. رفع رأسه نحو الأفق. كانت الشمس توشك أن تغيب، والظلام يزحف ببطء كوحشٍ صامت.
راح العطش ينهش حلقه، فيما أخذت غمامة سوداء تدور أمام عينيه.
"عليَّ أن أتماسك... ليس الآن."
لم يكن أمامه سوى تلةٍ رمليةٍ منخفضة. أقنع نفسه أن النجاة قد تكون خلفها. بدأ يشق طريقه بصعوبة، يصنع بيديه مصاطب رملية صغيرة تساعده على الصعود. كان الألم يمزق جسده مع كل حركة، لكنه واصل التقدم. خطوة تجر أخرى، وأنفاس متقطعة تلاحق أنفاساً أشد تعباً.
وصل القمة بعد الغروب بقليل. كان البرد قاسياً، ورذاذ المطر يتساقط بخجل. حفر لنفسه حفرة صغيرة، وانكمش داخلها.
همس لنفسه:
"وما التمني إلا ذلك الخيط الرفيع من الأمل الذي يربط الإنسان بالحياة حين تنقطع كل الحبال".
في فجر اليوم التالي، ألقى نظرة واسعة على الجهات كلها. لم يرَ سوى عرباتٍ محترقة، وآثار نارٍ خمدت منذ ساعات. لا جنود، لا نجدة، لا أثر لحياة.
واصل المسير بالطريقة ذاتها. يصعد تلة ويتدحرج عنها إلى أخرى. ومع كل ساعةٍ كان الجوع والعطش والنزيف يقتطعون جزءاً جديداً من قدرته على الاحتمال .وحين خارت قواه أخيراً، استسلم للرمال.
هناك، في حضن المنخفض الرملي، أخذ يغوص في ذاكرته. ظهرت صورة طفله الوحيد. ذلك الصغير ذو الأعوام الأربعة، الذي كان يعبث بخصلات شعره الطويلة الذهبية ويضحك كأن العالم كله خُلق لأجل تلك الضحكة.
ابتسم رغم الألم.
تذكر كيف كان يمنحه كل ما يملك، وكيف كان يرسم له أحلاماً أكبر من عمره الصغير. وتذكر همسته ذات مساء:
- أبي... أريد دمية تشبهني، دمية تتحرك بنظراتٍ تائهة.
ضحك يومها وقال:
- أمرك مطاع يا صغيري.
ثم مضى إلى واجبه العسكري دون أن يدرك أن السنوات القادمة ستسرق منه أكثر مما يتخيل.
ساد الصمت، صمتٌ ثقيل يشبه الغرق في بحرٍ بلا شاطئ. شعر أن الفراق ليس غياب الأشخاص فحسب، بل غياب النسخة التي كان عليها قبل الرحيل. وأن الحرب لا تقتل الناس دائماً، بل تقتل أشياء أخرى فيهم؛ الطمأنينة، والبراءة، والقدرة على البكاء.
جلس في مقعده بعد الإفراج عنه بسنوات طويلة. سنواتٌ قضاها بين الجدران والأسلاك والأبواب الحديدية، سنواتٌ كان الزمن فيها يدور في المكان نفسه، حتى بدا وكأنه توقف عن الحركة.
في الحافلة الكبيرة التي كانت تقلهم، جلس إلى جواره رجلٌ يحاول كسر الصمت. قال:
- الحمد لله... عدنا أحياء.
أومأ برأسه:
- الحمد لله.
ثم قال الرجل:
- أتعلم؟ هناك أناس يموتون وهم ما زالوا أحياء.
رفع رأسه نحوه. أكمل الرجل:
- يموت الإنسان حين يصبح جسداً بلا روح، حين يبقى اسمه في السجلات فقط. يموت حين تنكسر دواخله، وحين يفقد القدرة على الحب والدهشة والحنين.
سكت قليلاً، ثم أردف:
- والأشد قسوة أن يعود إلى بيته ولا يعود معه قلبه.
شعر أن الكلمات أصابت شيئاً عميقاً فيه، شيئاً ظل صامتاً طوال تلك السنين.
عاد بعد أعوام طويلة، عاد بجسدٍ أنهكه القهر والعذاب والفراق. نزل من الحافلة في عصر يومٍ هادئ. كان ابنه، الذي صار شاباً في الكلية العسكرية، قد سمع بخبر وصوله. ركض الشاب نحو البيت بكل ما أوتي من لهفة، دخل الحوش فوجد الناس يملؤون المكان. شق طريقه بينهم حتى وصل إلى غرفة الاستقبال، وقف مرتبكاً، راح يتفحص الوجوه واحداً تلو الآخر، وجوه كثيرة، شاختها السنين. ثم توقف، لم يعرف أيهم أبوه.
أشار له عمه قائلاً:
- ذاك هو أبوك.
ركض إليه.
احتضنه بقوة.
قبّل رأسه ويديه وهو يبكي:
- عذراً يا أبي، لم أستطع أن أتعرف عليك.
بكى الجميع، إلا الأب، كان جالساً كتمثالٍ أنهكه الزمن، لا دمعة، لا ابتسامة، لا ارتجافة شوق.
عينان فقط تنظران إلى الأشياء وكأنهما خرجتا من زمنٍ آخر.
لقد أسرته الحرب يوماً، لكنها حين أطلقت سراحه لم تُعد إليه كل شيء. أطلقت الجسد، واحتفظت بالروح رهينةً لديها.
جلس الابن قربه محاولاً أن يوقظ شيئاً من الماضي.
ابتسم وقال:
- أبي. ما زلت أنتظر دميتي المتحركة، تلك التي تحمل نظراتٍ تائهة.
ارتجفت عيناه فجأة، وتحرك شيءٌ بعيد في أعماق الذاكرة، شيء ظل مدفوناً تحت ركام السنين.
شيء يشبه صوت طفلٍ صغير يضحك، وربما، للمرة الأولى منذ أعوام طويلة، شعر الأب أن باباً صدئاً في داخله قد بدأ يُفتح ببطء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة


المزيد.....




- ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
- النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك ...
- من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: تغريبة وطن