أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتشه للأستاذ جمال الهنداوي















المزيد.....

تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتشه للأستاذ جمال الهنداوي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 00:21
المحور: الادب والفن
    


في "حب وحمص وثالثهما نتشه" لا ينشغل الكاتب بصناعة قصص متكاملة الأركان، بل يفتح نوافذ على الروح، وبقدر ما يفتح للقراء نوافذ تأملية تطل على براءة الإنسان في لحظات صفائه، علاوة على كونه يجرهم إلى فضاء ذهني عميق، مع أن القلق يسكن الذاكرة، يدفعهم إلى البحث عن حلول جذرية لما التصق في تلك الذاكرة من صور، حتى وإن بدت في هيئة أمل يتأرجح بين حنايا الروح. هنا، يغدو البحث عن المعنى كمن يحاول الإمساك بظل، وكما قال "جان جاك رسو"" من الصعب جدا أن تفكر بطريقة نبيلة، حينما يكون كل التفكير هي لقمة عيشك".
في حين أن التفاصيل اليومية تظهر الحاجة إلى التعبير عما يدور في دواخله والغوص في دوامة الأحزان بتلك الصور المعتمة، وحيث الشك يجاور الأمل في مقعد واحد، إلا أنها تبقى محكومة بما وجب أن تكون، إنها علاقة بين الإنسان وقدره في الحياة وسط دوامة واقع أحكم قبضته على الفقراء، لذا أصبح الكاتب يوصل صوره مع يقينه بخيبة أمل كبيرة كما يبدو لتقضي على كل شيء، أو كأنه يبحث عن أحلام يقظته عن حياة حرة كريمة بعيدا عن الواقع مع خيالات حتى لو كان يعترف بأنها لم تكن إلا أوهام "الوهم ضروري كالخبز، لا أحد يتحمل الحقيقة طوال الوقت" كما ذكر ذلك "فولتير" وكما في قوله، الوهم ضروري كالخبز، يُظهر الكاتب تلصصه على الوعي الخفي، عل النسيان لا يأتي على سلوك الناس فتنمحي من الذاكرة، فتنساب كضوء خافت، أو كصدى حياة تحولت إلى متاهة.
الصور هنا لا يقتلها الغياب، فهي تحدث دائما خدوشاً في مرايا الروح، تنساب من ثقب الذاكرة، أو من حاجز يعكس متاهات الحياة، فتهمس في أذن الليل، حينما يحاول أن يطبق الجفنين، وهو على أمل بين اليقين واللاجدوى، فينتزع الشك من سطوة ذلك الأمل المترنح، في ذلك الفراغ المتشابه، مع أن الصمت لا ينفي حقيقة الأشياء، بل يسابق الكلمات وينتصر عليها. هنا، تتحول النصوص إلى حوارٍ صامت بين إرادة الإنسان وقسوة القدر، وكأن الهنداوي يذكرنا بأن الحياة نفسها لا تتقيد بانتقال منطقي، بل تعرض نفسها كخليط من المذاقات الحسية أو الأسئلة الوجودية، بهيئة تصرف يحاول أن يتجاوز رتابة الواقع الذي يبدو كأنه تغافل عن ايجاد حلول، أو أنه وصل إلى حالة الاستسلام التام لما يدور.
في هذه المجموعة القصصية، فمن جهة، لا يكتفي الكاتب بصناعة صور تروى، ومن جهة أخرى، لا يصنع أيقونات للبكاء من المشاهد المأساوية، بل يحول التفاصيل اليومية إلى مرايا متقابلة، تتقاذف فيها صور الواقع مع الوهم، الجدية والسخرية، المعنى والعبث، يمسك بيد القارئ لعبر به سوق أبو خضير المليء بعطر الذكريات، فالعطر ليس مجرد رائحة، بل خزانة أسرار تنفتح على ذاكرة تتنفس من ثقب الزمن، أو كلما مر أبو فراس من هناك، وصولاً إلى عربة جليل حيث يغلي الحمص بالصبر والأسئلة، فهي ليست زينة مكانية، بل علامات طريق في رحلة الذاكرة. هناك، يصبح طرق "الدليفري" على الباب عند أم علي لغة أعمق من الكلام، وصوتاً يذكرها بأنها لم تنسَ بعد، لكنه مع الأيام، يطرق عبدالله الباب، لكن الصمت هو الذي يجيب، في صور يعتصرها الألم يجسدها الكاتب بإتقان. بينما في رحلة البحث عن بيت الطفولة، قبل أن أودع أنور نوري بالتوقيف، ليتحول السجن إلى مهجر بلا زمن، وكأن عقارب الساعة تجمدت عند باب مديرية الأمن. وبين دشداشة مهدي المطرزة بخيوط الأمومة، وصرخة ماكنة الخياطة الأخيرة، ليست مشاهد هامشية، بل معارك الكرامة ضد الفقر، وكما ذكرت نوال السعداوي "يفقد الإنسان كرامته حين يعجز عن الإنفاق على نفسه"
فالقارئ أمام نصوص لا تقرأ دفعة واحدة، بل تُرتشف على شكل جرعات من الألم المتراكم، حتى يجد القارئ نفسه على حافة الانهيار، وكأن الإنسانية تخلت عن واجبها الفطري الذي يفترض أن يكون، وتركت المهمشين وحدهم في مواجهة مصائرهم. هنا، لا يكتفي الأستاذ جمال بأن يعكس الحياة كما هي، بل يزرع في السرد ارتجاجات تهز ثبات الصور، وتجبر القارئ من حيث لا يدري، على الاستنفار، بل والرفض أحيانا، بل والانخراط في بحثٍ مضنٍ عن جذور المعاناة، في دهاليز لم تلمسها الأضواء.
في القصص، تتأرجح شخوصها بين الحلم والانكسار، بين ليل ينسج فيه ألف أمل وأمل، ونهار يمحي ما نسج في الليل ويجعله شذرا مذرا، بين حياة تتبنى على حواف المستحيل وواقع يومي يتغنى على نشيد الحزن لتلك الحياة القاسية. تسعى هذه القصص إلى إعطاء صوت لم لا صوت لهم، بوجوه متشابهة في السلم الأدنى للحياة، لكنها متفردة في الدرجات العليا من السلم الوجداني المفروض، في ذلك الحضور الذي يمثل السواد الأعظم، فالصور مألوفة، والتفاصيل يومية، لكن ثمة ظلال تسكن الحواف، ظلال تذكر بأن الواقع ليس بريئا من الغموض.
في مفارقات هذه المجموعة أنها تنتقل من مشاهد يومية شديدة الواقعية، العطر، رائحة الحمص، دفء الأماكن، ضجيج السوق، التحول إلى الحالة العصرية، مع رتابة تحولها كي تجاري ما يدور خارج مجالات القصص دون أن تفقد جذورها، فالفضاءات مفتوحة على أسئلة الوجود، سرد لا يربك البناء بقدر ما يخلق إيقاعاً خاصاً، وكأنه يعكس إيقاع الحياة الحقيقية لواقع مرير بعيدا عن ما تعكسه المرايا المكسورة التي لا تعكس الصور الحقيقية كاملة، بل شظاياها، كأنما تحاول أن تحجب ما يدور أو تكشفه من خلال كسورها.
في "حب وحمص وثالثهما نتشه" لا يمكن إلا أن تترك أثرا في النفوس، فلا تنكسر الإبرة حين تتوقف ماكنة الخياطة فحسب، بل تنكسر القلوب التي تعلق عليها الأحلام، فصوتها كان يشبه دقات قلب منهك، يخيط الوقت بدل القماش. وكذا جليل، بائع الحمص، إذ بدا كأنه يشتري حروفاً من كتب شارع المتنبي، وأن الفلسفة تنتظر بين الأطباق النحاسية، أو كأن غياب الفتاة بداية تحرره، وربما مجرد فصل آخر من سيرة الوحدة. وهنا، يصبح العطر ليس مجرد رائحة، بل شاهدا على زمنٍ مضى، وزجاجة تتبخر فيها الذكريات مع كل صباح. هذه النصوص لا تروى، بل تُهمس، كحوار صامت بين الوجود والعدم، حيث الواقع مرآة مشروخة، تعكس الأمل واليأس في وقت واحد.
حضور نتشه في أحد النصوص ليس حضورا تاريخيا أو سرديا مباشرا، بل هو حضور رمزي، إنه الصوت الذي يختبر صلابة المعنى، فيهمس بأن الحقيقة ليست إلا طبقة رقيقة فوق بحر من الفوضى. هنا، يأتي المعنى على شكل ومضات صغيرة، في جمل حوارية بسيطة لكنها حادة، تدفع نحو البحث عن حلول، وتفتح باب التحول المنطقي وفق أمل يتدفق كي ينتشل بائع الحمص من الرتابة، ويحوله إلى حالة أخرى تمتلك حرية التفكير والقدرة على الحوار الجاد، حتى وإن كان الحب من طرف واحد هو البذرة التي أطلقت هذا التغيير.
لغة النص، على بساطتها الظاهرة، تتحرك على حافة مزدوجة، فهي تلتقط المفردات الحسية التي تنتمي إلى عالم الأسواق والمقاهي والمطبخ والعزلة المفروضة، ومن جهة أخرى، فهي تتنفس بتكرار محسوب، ووقفات تحاكي الصمت الذي يعقب كل فكرة ثقيلة على النفس البشرية، هذا المزج يمنح النصوص حيوية تجذب القارئ إلى فضاء يتأرجح بين الواقع والأمل في ازالته واخفاءه من المشهد العام الذي لا يليق مع الجغرافية وتاريخ البلد. فالحوارات بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها، كأنها أسئلة نتشه وقد وُضعت على لسان أناس عاديين.
عند الانتهاء من القراءة، إذ لا تقدم النصوص حكايات مكتملة، بل تترك القارئ أمام أسئلة معلقة، وكأنها مرايا تعكس الحياة العامة التي لم تسلط عليها الأضواء، حيث تبوح بحقيقة بأن الكل معني بهذه الجدلية، شئنا أم أبينا، فحين يطوى الكتاب يبقى ضجيج الأسئلة يدور في الأذهان، لا يغادرها بسهولة.
بهذا، تتحول "حب وحمص وثالثهما نتشه" من مجرد مجموعة قصصية إلى مختبر سردي، يختبر قدرة اللغة على الإمساك بالمعنى وهي تسبح في بحر العبث. فالشوق هنا مسافر في الدم، لا يوقفه زحف اليأس في قلب الحاضر ولا يحجبه السراب، ولا يوقف زحف الواعظين بلا هدف، وتبقى مهمة القارئ أن يبحث عن صورته في المرايا المشروخة، حيث كل شظية تعكس جزءاً من الألم والمعاناة: العطر، الحمص، الإبرة، الهاتف المسروق. وربما تكون هذه الشظايا هي الإجابة الصامتة على سؤال معلق يتردد في الأذهان: كيف نعيش عندما يصبح الواقع نفسه زنزانة بلا قضبان؟ فالمرايا لا تكذب، لكنها قد تنكسر، وربما ينكسر الإنسان ليعيد تركيب ذاته من جديد، وكما القلوب يمكنها أن تخاط من جديد كدشداشة ابن تلك الكادحة، وأن يعاد تركيب الذوات، فربما الجمال لا يكمن في الكمال، بل في أثر الترميم الذي يتركه الزمن على الملامح.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...


المزيد.....




- موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا ...
- -ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر ...
- وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا
- وفاة الفنانة المصرية سهام جلال
- الرحم الاصطناعي وهندسة الجنين.. هل تبتلع الآلة -مركزية- الإن ...
- الفن والكلمات.. أمسية ثقافية في تعز تفتح أبواب الذاكرة والأل ...
- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتشه للأستاذ جمال الهنداوي