أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس














المزيد.....

قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 11:38
المحور: الادب والفن
    


في مكانٍ معتمٍ مكتظٍّ بما يشبه بقايا الأصوات والوجوه، وجدَ نفسه واقفاً عند حافةِ تقاطعٍ تتشعبُ منه شوارعُ مدينة صغيرة، مدينةٍ بدت له مألوفةً حدَّ الوجع. يرى الشارعَ الرئيس الذي عبره عند الفجر، حين غادر بيته مودعاً أهله وطفليه الصغيرين، تاركاً خلفه دفءَ الأصابع الصغيرة، فيما بقيت وصيةُ أحد طفليه مطويةً في جيبه كأنها آخر ما يربطه بالحياة.
تضجُّ المدينة بحركتها اليومية؛ محلاتٌ مفتوحة، وباعةٌ متجولون يتنقلون كأنهم يسابقون الوقت، وأصواتُ المناداة تختلطُ بضجيج الحافلات ومنبهات السيارات. بالقرب منه محلاتٌ لبيع الأسماك، تنبعث منها رائحة نهر دجلة ممزوجةً بتعب الناس، فيما كانت العجلات تمضي وتعود بلا اكتراث، وكأن العالم يكرر نفسه بلا نهاية.
لكن شيئاً غامضاً أخذ يتسلل إلى وعيه ببطء. إذ كانت العيونُ كلها تتجه نحوه، كلُّ من يمرُّ يحدقُ به لحظةً ثم يشيحُ بوجهه مطأطئ الرأس. ليسأل نفسه:
- أكان مختلفًا إلى هذا الحد؟ أم أنَّ الآخرين كانوا يرون فيه ما عجز هو عن رؤيته في نفسه؟"
شيئاً فشيئاً بدأت الحركة تخفت. السيارات تقلُّ، والمحالُّ تُغلق أبوابها على عجل، كأن المدينة تتراجع عنه أو تنسحب من حضوره. حتى الأطفال الذين كانوا يشيرون نحوه بفضولٍ بريء، بدأت الأيدي الأكبر تسحبهم بعيداً عنه بخوفٍ مكتوم.
ثم بدأ يرى وجوهاً يعرفها؛ أصدقاءَ وأناساً عبروا في حياته يوماً. لوَّح لهم بيديه بفرح كسر الرتابة، لكن أحداً لم يبادله الإشارة. كانوا ينظرون إليه كما يُنظر إلى ذكرى ثقيلة، ثم يمضون مسرعين، بينما ظهرت على وجوه آخرين علاماتُ ارتياح غريب، وربما فرحٌ خفيّ لم يفهم سببه، أو ربما غابت عن أعينها الحقيقة، كأن أبصارهم تنطق في ما ترى.
كانت اللحظات طويلة وهو يطير في سرب أحزانه بينهم، فتعاد فيها الحكايات، حكايات وطن يذهب إلى عالم مجهول، وعذابات توالت على الأجساد، عندها بدأ يشعر أنَّ المدينة كلها لا تراه بوصفه إنساناً، بل كأنه بوصفه سؤالاً، وكأنه يسمعهم همساً يذكرون:
- لقد غادر الحياة بهذه السرعة.
لم يكن يستوعب أنه قد أمضى في هذا المكان آخر الساعات من حياته، لذا أخذ يصرخ بأعلى صوته:
- خذوني معكم... لماذا تنظرون فقط؟ لماذا لا يسمعني أحد؟
لكن صوته بدا كأنه يرتد من الجدران إلى داخله. لا أحد يجيبه. صار الضجيج من حوله يموت تدريجياً، بينما بدأ شيء آخر يستيقظ في أعماقه؛ إدراك بارد ومفزع بأن الإنسان قد يفقد وجوده قبل أن يفقد حياته.
جلس منهكاً عند حافة الطريق، محاولاً أن يلتقط أنفاسه وسط هذا الفراغ المتسع. وحين أطرق برأسه طويلاً، اكتشف الحقيقة التي كانت المدينة كلها تعرفها سواه: لم يبقَ منه سوى رأس، جمجمةٌ وحيدة تتكلم، محاطة بكل هذا الصخب الذي خلّفته الحياة، فيما الجسدُ بكل رغباته وخطاياه وأحلامه كان قد غادر منذ زمن لا يعرف مدته. حينها فقط فهم لماذا كان الجميع ينظرون إليه بذلك الذهول. هنا، قد أدرك وأخذ يقول:
- الناس لا تخاف الموت بقدر ما تخاف أن ترى العقلَ حياً بعد أن ينتهي كل شيء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...


المزيد.....




- -مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف ...
- فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
- 6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل ...
- تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس ...
- تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط ...
- بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25 ...
- السينما الفلسطينية في شيفيلد.. مشاريع جديدة وأفلام تنافس على ...
- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس