داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 14:00
المحور:
الادب والفن
بين ضياعِ الوضوحِ وسط العتمة، وبين القهرِ الاجتماعي المتجسد في الفقر، يقف العشقُ كحالةٍ من التمردِ والبحثِ عن الحقيقة، فهو ليس مجردَ مشاعرٍ متأججة، بل موقف وجودي يواجه فيه العاشق سيف القمع المسلط على الكلمة والفكر، تحت ذرائع واهية تقمع الحرية، وتخنق الجمالَ والتعبير، في عالمٍ صار فيه الفن ُصوتاً مطاردا، فتتساقط الأقنعة، ويكشف عن وجهه القبيح، حيث تتحول الأصواتُ الحرةُ إلى صدى خافت، يتلاشى في متاهاتِ الخوفِ والصمت.
بين أمجادِ الماضي والواقعِ الكئيب، وبين الحكمةِ الصوفية ورمزية الفكر العميق، يرى العشقُ طريقاً للفناء في الله، إذ أنَّ الفناءَ الحقيقي لا يكون للأفراد، بل للأوهامِ التي تستمد قيمتها من المظاهرِ الزائلة بدلا من الجوهرِ الخالد، لذا، يحاول المتصوفون الوصولَ إلى حالةٍ من الوجدِ التي تتجاوز مفاهيم الوجود والموت.
في هذا السياق، يلتقي العشق بتجليات التصوف، حيث يتجاوز كونه علاقة بين شخصين، ليصبح تجربة روحية تهدف إلى الفناءِ المطلق، بحثاً عن الحقيقةِ العليا واختبارٍا للوجودِ في ابعاده الأعمق، حيث تستكين الروحُ في خشوعٍ أشبه بالمناجاة، يحاط بشعورٍ من التأمل الهادئ، وربما المشي حفاة على الجمر، يقيناً بأنَّ الألمَ هو الطريقُ إلى الصفاءِ والنقاء. لذا، يجلسُ في وحدته، في مقعده حيث تتساقط أنفاسُ الزمنِ في صمت، كأنّها لحظاتٌ ضائعة، عيناه كانتا تحدقان في الفراغ، أو في شيء لا يراه سواه، شيء يخصه وحده، شيء يشبهه ويحمل بين طياته سراً لا يقدر أحد سواه على فهمه.
" من مقعدٍ خالٍ يضيءُ
ويدّعي أنّ الأماكنَ فكرةٌ وترقّ"
ليس المكانُ مجردَ جدرانٍ وحجارة، بل ذاكرة تنبض بالحضور والغياب، حيث يظل العشقُ منقوشاً حتى بعد أن يغادر أصحابها، لكن، هل يكون العشق خلاصاً أم قيدا؟ في رحلةِ العاشق، يظلُّ السؤالُ معلقاً بين الفناءِ والانبعاث، بين الألم واللذة، بين محاولة النسيان والاستسلام للحنين، بين الموت والحياة، فالعاشقُ هنا لا يتنازل عن ذاته، لكنه يكتشف ابعاداً أعمق في كينونته.
لم يكن يسعى إلى الحبِ لملءِ الفراغ، بل ليعيش في عيونِ العشقِ ذاته، يتغلغل في روحه حتى يصبح جزءاً لا ينفصل عنه، فالعشق لا يقاس بالعطاء ولا يؤخذ بالحساب، إنّه الانتماء إلى لحظةٍ تفوق الزمان والمكان، تلك اللحظة التي تتعانق فيها الأرواح في صمت أزلي، حيث يتلاشى الكون وتضيق المسافة بين اثنين، فيصبح كل شيء مختصرا.
كان يدرك أنّ العشقَ طريقٌ محفوفٌ بالألم، لكنه لم يعترف بالخذلان كخيار ممكن، بالنسبة له، فقد اختار أن يكون العشق ذاته، وأن يغرق في عمقه دون تردد، لذا، فالشاعرُ يشير إلى أنّ القيودَ التي تحيط بالإنسان ليست فقط مادية، بل هي نفسية وروحية، إنّها رغبةٌ عميقةٌ في التحررِ من قيودِ المجتمعِ والفكرِ الجمعي، ليتنفسَ بحريةٍ في عالمِ العشقِ الذي لا حدود له.
" هو ذلك المشنوقُ أعلاهُ
الذي لم يعترف أبداً بحبلِ الشنقِ"
ما بين التأمل الصوفي والاغتراب يتجلى إرهاق وجودي، ليس مجرد انتقال مكاني، بل رحلة طويلة في دروب الحياة وتجاربها المتراكمة، إنّه مسارٌ متعرجٌ بين عطاءٍ غير مشروطٍ يتجاوز حدود القدرة، وربما خيانةٌ اخفتها عباءة الغموض، كما توضح الأمر في تأويل قصة" إخوة يوسف" حيث الحقيقة وإن تأخرت لا بد أن تظهر.
وحين تضيع المعاني وسط ضجيج الفوضى التي قد لا تهدأ، وتتحول القلوب إلى براكين تغلي بالغضب والخذلان، يصبح الصهيلُ غريباً عن الخيل، وكأنّ الزمنَ قد جرده من هويته، ويتهافت الجميعُ نحو وجهاتٍ بلا وجهة، كأنّهم أسرى لريحٍ عمياء، ولم يعد "للسندباد" وجود بعد رحلته الأخيرة، بعدما رأى الدماءَ تلطّخ الشوارع التي كان يفترض أن تكون أمنة، وتحول الألمُ إلى غولٍ شرس، بأنيابٍ تنهشُ كلَّ بصيصِ أمل، ولم يبقَ أمامه سوى التصالح مع الذات، كملاذٍ أخير، حتى وإن كان كضوءٍ خافتٍ في متاهةٍ لانهائية، بعدما تتداخل الأمور وتذوب الحدود بين الحقيقة والسراب.
بعيداً عن قراءةِ الفنجانِ والانشغال بالخرافات، يسعى المكتفيُ بالعشقِ إلى بلوغِ حالة من الوجدِ الروحي، حيث تتبدل الرؤية للأشياء، فيرى الجمالَ حتى في أشد صور المعاناة قسوة، وحتى وإن كان مغلفاً بالأشواك.
العاشقُ هنا ليس ضحية، بل متمردٌ على قدره، حتى وهو معلق بين الحياة والموت، يرفضُ الاستسلامَ ويصر على السيرِ في طريقه الخاص، فالعشقُ لا يمنح الأمان، لكنه يكتشفُ الحقيقة، فمن يختاره، عليه أن يسير في دروبِ التيه والقلق، وأن يواجه التناقضات، أن يغامر في عالمٍ يموج بالشكوك، ويبحثُ عن المعنى وسط عالم يموج بالفوضى، ذلك النورُ الذي لا يراه سواه.
" في مقعدٍ يكفي لشخصٍ
كان يجلسُ وحدَهُ مع رأسهِ المنشقِ"
الحقيقةُ لا تختصر بالكلمات، بل هي تجربةٌ تُعاش بالقلبِ والوجدان، إنّها رحلةٌ روحيةٌ لا يبلغها إلا الصوفي الساعي إلى الوجد، الذي يبحث عن النور في أعماق نفسه، حيث تكون الهدايةُ كشفاً داخلياً لا ينتظر أحداثاً كبرى لتغييره، إنّها لحظاتٌ من النورِ تنبع من داخلِ الذات.
الوحدةُ هنا ليست عزلة، بل مواجهة مع الذات، مع أسئلة لا إجابة لها، مع تأملات لا تنتهي، فهل يمكن للعاشقِ أن يكتفي بحبه وحده؟ أم أنّ العشقَ ذاته يمتص وجوده، حتى يصبح هو الحب، هو الفكرة، وهو الحكايةُ التي تتكرر مع كل عاشق؟ فالطائرُ يبحثُ عن الحقيقةِ الروحيةِ كما يبحث العاشقُ عن اتحادٍ مع المحبوب، فهي تعكس الروح المتعطشة للمعرفة والتجربة الروحية التي لا تهدأ.
" طيراً يريدُ حكايةً لا يستسيغُ النومَ
يسألُ عن أبيهِ الأُفقِ"
يتضح أنّ الأدبَ الصوفي كما يشير إليها " السويدي" ينتقل بين مفاهيم الفناء والتجربة الروحية، مما يجعل العشق في النصوص ليس مجرد علاقة عاطفية، بل موقفاً وجودياً يحاول منحَ الحياة معنى وسط الفوضى والتغيرات الاجتماعية، أي أنّه يصنع هويةً جديدة، لا يقاس فيها العشق بمقدارِ العطاءِ أو الاستجابة، لذا فإنّ هذا الأدبَ يعتمد على توازنِ الأضداد، حيث لا إفراط ولا تفريط، فلا حب بشري يكتسح إلى حد الهوس، ولا كراهية تتحول إلى انتقامٍ مدمر، ولا عطاء يصل إلى حدِ الإفلاس، ولا شح يصل إلى حد الامتناع الكامل، من هنا، فإن الأدب الصوفي لا يقتصر على نهاية الأضداد، بل يسعى إلى اختيارِ الوسطيةِ في كل شيء، باستثناءِ العشقِ الإلهي الذي يظل حالةً متفردة، تغمرُ الجسدَ والنفس، وتغرسُ في الروحِ حتى يصل إلى مسامِ الوجودِ بكل عظمته وجلاله.
إنّه الهبةُ الربانيةُ التي تروينا بالاكتفاءِ من الهوى بسرٍ لا تدركه إلا قلوب العارفين، إنّه الحنينُ الذي لا يهدأ، والبحث عن إجابة مستحيلة، كأنّ العشقَ في جوهره رغبةٌ في استعادةِ شيءٍ مفقود، أو ذكرى لم تكتمل، أو مدينة تتلاشى بين المجد والخذلان.
بغدادُ رمز العشق والهوية، تتأرجح بين مجدها القديم وتحديات الحاضر، حيث يبقى الصراع بين الجذور والتغيير، والحرية والقيود، في محاولة مستمرة لتحقيق التوازن، لذا، كانت بغداد، مع النهر الذي يسري في شرايينها، مما يعكسُ رمزيةَ الحياةِ المستمرةِ والتجدد، ولما تقدم، يربط الشاعر العشق بالفكر الفلسفي العميق الذي يتجاوز المعاني الحسية إلى ما بعد الميتافزيقية، كذلك يُظهر التوترَ بين الوفاءِ للهويةِ والحاجةِ إلى التحررِ من قيودِ الماضي.
" قالت له اللغةُ الانيقةُ: لا تخف
فالحبلُ يا مولاي ربطةُ عنقِ"
يجسد الترابطُ الروحي بين الإنسانِ والكونِ رحلةً داخليةً تنقله من الظلامِ إلى النور، على شكلِ نداء خفي، ويظهر على اللسان، وصدى مسكون بالهذيان، فيطيل التحديق في ذلك الكون، من شغفِ الوصول، حيث يصبحُ العشقُ أكثر من مجردِ مشاعرٍ عاطفية، بل يتسامى ليصبحَ عشقاً صوفياً يرمز إلى الاتحادِ الروحي مع الله، فالعشقُ الصوفي ليس غايةً في ذاته، بل هو طريقٌ يسلكه الساعي إلى الحقيقةِ الإلهية، مسلحاً بالإيمانِ والتجربةِ الروحية.
هكذا، يصبح العاشقُ هو العشقَ ذاته، متوحداً بين الحضورِ والغياب، الألم واللذة، بين الماضي العالق والحاضر القاسي.
يواصل الشاعرُ استرساله في " المُكتفي بالعشق"، يتجلى العاشقُ في عزلةٍ وجودية، ممتحناً بعشقه، متجاوزاً المادي إلى الروحي، حيث يصبحُ العشقُ خلاصاً وسجناً في آن واحد، وهو ما يبرز في التعبير من أنّ العشقَ ليس مجردَ إحساس، بل هو لغةٌ ورؤيةٌ وموقفٌ وجودي، يحاول منحَ الحياةِ المعنى في زمنٍ تبدو فيه المعاني متلاشية، هو صرخةٌ رهيبةٌ من عالمه المألوف إلى عقله، لذا، وكما ذكر الشاعر، بأنّ المكتفي كان يبحث عن الحريةِ والتجردِ من القيود.
" ذرّوهُ في ريحِ الكنايةِ جُثةً
فدعا الطيورَ إلى الهواءِ الطلقِ"
هذا" المكتفي" الذي اتخذ من العشقِ مذهباً أو حالةً ذهنية، يخوض جدالاً مريراً لإيجادِ المعنى في عالمٍ يملأه الزيفُ والمراوغة، فلقد أبدع الشاعرُ في تصويرِ هذه الحالة عبر صورة بصرية بالغة التأثير، تجمع بين المشنوق وحبل المشنقة، فالمشنوقُ يرمز إلى الصراعِ الداخلي والاستسلام لعجزه عن مواجهة الظروف التي أحكمت قبضتها عليه، في حين يمثل الحبلُ قيوداً تفصلُ بين العاشق وألمه، حيث يجد نفسه مكبلاً بعالمه، غير قادرٍ على الانفلاتِ منه، ومع ذلك يتراءى له أنّه إنْ تحررَ من تلك القيود، فسيحلقُ في فضاءِ الحريةِ كما تفعلُ الطيورُ التي طالما حلم بها.
" مصلوباً أمامَ الخلقِ
وخليفة للعاشقينَ هو
اكتفى بالعشقِ
فهو المكتفي بالعشقِ"
غادر، لكن عشقه منحه الخلود، اسطورة تتجاوز الزمن، تاركاً خلفه مقعداً لا يزال يضيء.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟