داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 00:27
المحور:
الادب والفن
بين الماضي والمستقبل, يقفُ الحاضرُ متأرجحاً كريشةٍ في مهبِ رياحِ الذكرى, وأعاصيرِ التوقعات, الأفكارِ والتطلعات, حيث يصبحُ الحاضرُ مرآةً تعكسُ تراكماتِ الماضي وتطلعاتِ الأحلام, باحثاً عن ذاته وسط خرائب المجهول, يحاول إيقافَ عقاربِ الزمنِ ليخلق وجوداً له, أو الهروبَ إلى خيالٍ لا يعترف بالقيود, فتحتَ ظلالِ الموت, يختلطُ هديرَ الحوافرِ بأزيزِ الطائراتِ بتصوراتِ الصحونِ الطائرة, بينما يتعلمُ العقلُ أن الماضي سلسلةً تشكّل الوعي, والمستقبلُ وهمُ يتراقص بين الرجاءِ والخوف, بين الشكِ واليقين, وبين الأملِ واليأس.
وفي هذا الصراع الأبدي, تطوقُ ظلالُ الماضي الحاضر, وتحثه على التحررِ في لحظاتٍ أخرى, وفي كلِّ لحظةٍ ينكمش فيها الزمنُ إلى أقصى حدوده, بروحٍ منقبضة, فيسري الوهنُ في أوصاله, وتشتبك الذكرياتُ والآمالُ في معركةٍ عبثيةٍ لا غالب فيها سوى ذلك الزمن, فيعصف أزيزُ الألم في أعماقِ الصدر, بينما تتعثر كلُّ فكرةٍ جديدةٍ تحت وطأةِ ذاكرةٍ ثقيلةٍ ما تزال أصداؤها تترددُ في الأفق, ليبقى الحاضرُ متأرجحاً بين الثباتِ والتلاشي, بين الحلمِ والتجسيد, باحثاً عن هويته وسطَ صراعٍ مستمرِّ لا نهايةَ له, تغلفه غلالةٌ من الشعورِ باللاجدوى والتساؤلِ المستمرِ عن معنى الوجود.
تزداد تلك الحيرةُ تعقيدا, عندما يحاولُ الإنسانُ الفصلَ بين الجوانبِ الروحيةِ والماديةِ في حياته, من جهة, وكما يقول" مولوبير" يستطيعُ الإنسانُ أن يكون سيد ما يفعله, لكنه لا يستطيعُ أبداً أن يكون سيد ما يشعر به" حيث يتأرجحُ الإنسانُ بين شقي الحياة, الروحانيةِ التي تربطه بالمعاني الساميةِ والقيمِ الرفيعة, بل وتتعداها إلى الغوصِ في ماهيةِ الروحِ والعوالمِ الخفية, والتعاملِ ما بين ذلك الإنسانِ في عالمه الظاهري مع العوالمِ الأخرى, وما تواجه من أفكار, تصلُ إلى مرحلةِ المونولوج الداخلي الدائمِ والشرودِ وحبِّ العزلةِ وسيلةً لفهمِ الذاتِ والعالمِ المحيط, حيث تتداخل الأفكارُ عن الأرواحِ الساميةِ والشريرةِ في صراعٍ مستمرٍّ بين الإدراكِ الحسي والتجلياتِ الروحية.
ومن جهة أخرى, تقفُ الماديةُ بعنفوانها, تقيّد الإنسانَ في دوامةِ الواقعِ الحسي والاحتياجاتِ الملموسةِ والواقعِ المادي القاسي الذي يفرضُ نفسه بلا هوادة, وحينَ يواجهُ الإنسانُ حقيقةَ أنَّ بعضَ الحقائقِ التي كان يعتقد أنها ثابتةٌ تتبدلُ تحت وطأةِ جدلياتٍ لا تنتهي, مثل جدليةِ الوجودِ واللاوجود, وما يتبعها من فرضياتٍ ربما لم تدم طويلا, ففي هذا المسارِ المحفوفِ بالأسئلة, لا نجد يقيناً مطلقاً إلا في الأيمانِ بوجود الله عز وجل, ورسله وكتبه, وما عدا ذلك يبقى ضمنَ رحلةِ البحثِ عن الحقيقة, وربما لن نجد نهاية لها, وقد تصلُ أحياناً إلى ضربٍ من المستحيل.
الروايةُ تقدمَ الزمنَ كعاملٍ جوهري يعمقُ الصراعَ بين الماضي والمستقبل, أو ربما يزيدُ من عددٍ المبهماتِ التي تتواردُ في المخيلة, حيث الحاضرُ في سياقِ الرواية, ليس إلا ومضةً تقفُ بين ذكرياتِ الماضي والمستقبلِ الغامضِ الذي يعجُ بالاحتمالات, إذ صوّرَ لنا" علي خالد موسى" الزمنَ ككيانٍ يتحدّى القيودَ التقليدية, حيث لا انفصالَ بين الماضي والحاضرِ والمستقبل, بل نجدها تتشابكُ مع بعضِها في تشكيلةِ هويةِ الإنسانِ ووعيه, وهذا الأمرُ جعلَ من بعضِ شخوصِها تتأرجح بين الحضورِ الذهني كواقعٍ ملموسٍ والابتعاد عن دوامة المادةِ في محاولةٍ لاستعادةِ صفاءِ الروح, لذا نجده يجهزُ الماضي ويجعله شاخصاً يتفاعلُ ضمنَ حضورٍ دائم, وكأن الزمنَ تلاشى تماما, وكأن شخوصه لم تغادرِ الحياة, فهي لا تزال فعالةً تؤثرُ على ديمومةِ الحاضرِ وربما تربكه, أو تجعله يسايرُ موروثَ ذلك الماضي, ليحولنا الروائي إلى المستقبلِ البعيدِ متجاوزاً حاضرنا, وكأنَّ الحاضرَ لم يكن إلا لحظةً ليس لها تأثير في المسيرةِ الإنسانيةِ المعاصرة, ليصلَ بنا إلى حالةِ الأملِ ضمن المفهومِ الزمني المتشابك, في أن تعالجَ الأمراضَ المستعصيةَ كالسرطان, واستعادةِ الحواسِ المفقودة, بل حتى إمكانيةِ الوصولِ إلى إطالةِ عمرِ الإنسانِ ليصلَ إلى عمرِ مائة وخمسين سنةً وفق برمجياتٍ تصلها البشريةُ في مستقبلها القريب, ليبقى الحثُّ في الروحانيةِ حاضراً بوصفهِ تعبيراً عن رغبةِ الإنسانِ المستمرةِ في الوصولِ إلى صفاءٍ داخلي يوازنُ بين المادةِ والروح.
إضافة إلى ذلك, يبقى الإنسانُ سيّدَ الأرضِ عبر العصور, وهذه السلطةُ المطلقةُ كما يتصورها, تجعله يبحثُ عن الخلودِ في مراحلِ تطورِ البشرية, فالحياةُ بالنسبةِ له تبدو مليئةً باللذة والمتعة, مما يدفعه إلى استكشافِ الكون, في هذا السياق, يذكر الروائي" علي خالد موسى"" ماجين دافيد" وما يتعلق "بنجمةِ داود" لأحداثِ توازنٍ ما بين تلك القوى المتعارضة, مثل السماوي والأرضي, أو الذكورةِ والأنوثة, وهي قد تشيرُ بشكلٍّ مجازي لا أعرف حدوده إلى الوحدةِ بين الله جل في علاه والإنسانِ كمخلوق, أو بين الوعي البشري والإلهي, لذا تعتبر هذه النجمةُ رمزاً للحمايةِ من القوى الشريرة, إذ أنها كما يعتقدُ البعضُ تحملُ طاقةً روحيةً تحمي صاحبَها من الأذى, على أنَّ هذه الطاقةَ تسجلُ حضورها في كلِّ الأزمنة على ما يبدو بحسب تصورهم.
كذلك" حم إيونو" والابداعُ في هندسةِ هرمِ "خوفو" الذي يعكسُ تعمّقه في فهمِ العلاقةِ بين الإنسانِ وعالمه المادي, ومعرفته الأسرارَ المقدسة, إضافةً إلى تعزيزِ الفكرةِ الروحيةِ عن الحياةِ ما بعد الموتِ والخلود, حيث الإشارةُ إلى الطعامِ الذي كان معهم كرمزٍ لاستمراريةِ تلك الحياةِ وعدم نفادها, وهذا يعكسُ كذلك فكرةَ الخلودِ وبأنَّ الروحَ أو المعرفةَ لا تموت, بل تظلُّ محفوظةً للأبد, مما يشير إلى أنَّ الفراعنةَ الآن في حياةٍ أكثر راحةً وأبّدية في نفسِ الوقت.
وتستمرُ هذه العلاقةُ في التأكيدِ على ارتباطِ الإنسانِ بالأرضِ التي يخلصُ لها, حيث تبقى في محورَ الارتباطِ الإنساني والشغف, لذا فالإنسانُ يتفاعلُ مع رموزِ تلك الأرضِ ويكونُ هويته في ظلها, فالأرضُ لا تعطي إلا لمن يحبها ويكافحُ من أجلها, فهي تعدُّ مصدراً للثباتِ والطاقة, وتظلُّ هي الميدانَ الذي يصوغُ فيه الإنسانُ ذاته ووجوده في هذا العالم.
في سعيِ الكاتبِ لاستكشافِ الذاتِ في الأزمنةِ كافة, يتجلى الشعورُ بوصفه المحركَ الأساسي لجميعِ الأفعالِ في مسرحِ الحياة, وقد أختارَ الكاتبُ استعارةَ لعبةِ الشطرنجِ كرمزٍ لفهمِ تحدياتِ وصراعاتِ الوجودِ اليومي, في هذه اللعبةِ المجازية, تسعى الشخصياتُ نحوَ تحقيقِ الغايةِ العليا والهدفِ الأسمى, مدفوعةً بمشاعرَ متباينةٍ تتراوحُ بين السعادةِ والحزن, تلك المشاعرُ تكشفُ عن الدوافعِ العميقةِ لكلِّ فرد, وتعكسُ معتقداتهِ وتصوراته, وعلى الرغم من التباينِ في المسارات, يجدُ الشخصُ في نهايةِ المطافِ مكاناً يتوافقُ مع قدراتهِ الحقيقية, ليتيحَ له التعبيرَ عن ذاته بأفضلِ صورة, في هذه الرحلة, لا تكمنُ الأهميةُ في الوصولِ فحسب, بل في اكتشافِ الذاتِ خلالَ الطريق, وتجاوزِ العقبات, واكتشافِ المواقعِ التي تحتضنُ القدراتِ الكامنةَ وتسمحُ لها بالتألقِ رغم كلِّ القيودِ والتحديات.
ما بين مشاعرِ الفقدِ والحزن, يتجلى دورُ الأبِ كرمزٍ للحبِّ غيرِ المشروطِ والتضحيةِ الحقيقية, حيث يصبحُ محوراً ثابتاً في حياةِ الفردِ عبرَ العصور, ويُظهرُ الروائي "علي خالد" تحذيراً دائماً من فقدانِ الثقة الذي قد يصلُ إلى حدِّ الخيانةِ في العلاقاتِ الاجتماعية, لذا يؤكدُ على أنَّ العلاقاتِ الاجتماعيةَ ضرورية, لكنها تظلُّ ضمنَ حدود, فهي كالنارِ في الشتاءِ, إن اقتربت منها أكثر أحرقتك, ويحذرُ من الانخداعِ بالمظاهر, فالشخصُ الذي يشمخُ بنفسه يحترمه الناسُ وإن كان فارغاً أحمق, وكما قال الفيلسوف "البير كامو"" هنالكَ أشخاصٌ لا ينبغي أن نمنحَهم أكبرَ من حجمهم حتى لا نخسرَ الكثير من حجمنا".
وتحت ذلك التحذير, يؤكدُ الكاتبُ على ضرورةِ التوازنِ في العلاقات, فلا إفراط ولا تفريط, وكما ذكر " فرويد"" كلما بدا الشخصُ مثالياً أكثر من الخارج, كان يمتلكُ شياطينَ أكثرَ في الداخل" وعلى الرغمِ من أنَّ فرويدَ قد وصلَ إلى حالةِ التحذيرِ القصوى, فأنَّ المهمَّ التقيدُ بنهجٍ حياتي متوازنٍ يحفظُ نقاءَ العلاقاتِ ويضمنُ استدامتها, وفي كل ذلك, يظلُّ دورُ الأبِ المحوري إشاعةَ السعادةِ ومنحَ الطاقةِ الإيجابيةِ في الحياة, ليبقى مصدراً دائماً للثباتِ والطمأنينةِ في جميعِ الأزمنة.
وفي الختام, يظلُّ الزمنُ عنصراً أساسياً في مسارِ التطور الإنساني, فلا يمحى حضورُه, بل ويستمرُ وجودُه ما دامتِ الأرضُ تدور وتحيا, فالزمنُ ليسَ مجرّدَ لحظاتٍ عابرة, بل هو صيرورةٌ متواصلةٌ تشهدُ على ما كانَ وما سيكون, إنه نسيجٌ متشابكٌ من الماضي, الحاضر, والمستقبل, يحملُ في طياتهِ ذاكرةً الوجودِ الإنساني, وفكرةُ الخلودِ تتجاوزُ مفهومَ الجسدِ الفاني لتتمثلَ في الأثرِ الذي يتركهُ الإنسانُ في الذاكرةِ والوجود, ذلك الأثرُ الذي يبقى نابضاَ بالحياةِ حتى وإن غابتِ الوجوهُ والشخوصُ التي صنعته, وكأنَّ الروايةَ تعيدُ صياغةَ ملحمةِ كلكامشَ برؤيةٍ جديدةٍ تتحدى تقادمَ الزمنِ وتعني البحثَ المستمرِ عن المعنى.
إنَّ الإنسانَ في سياقِ هذه الروايةِ لا يسعى فقط للعيش, بل ويطمحُ إلى تركِ بصمةٍ تمنحه حضوراً أبدياً رغم تقادمِ الزمن, في توازنٍ بين المادةِ والروح, وبين تحدياتِ الواقعِ والطموح, ليبقى الأملُ حاضراً, إذ لا تنتهي رحلةُ البحثِ عن الصفاءِ الداخلي والغايةِ السامية, فالزمنُ ليس عدواً كما يتصوره الأغلب, بل هو شريكٌ يرافقُ الإنسانَ في مسيرته, يُذكّره بأنَّ ما يهم ليس فقط إلى أين يصل, بل كيف يقطعُ الطريق.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟