أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الغربة














المزيد.....

قصة قصيرة: الغربة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 02:37
المحور: الادب والفن
    


يحاولُ أن يَتحدى النكساتِ، يبحثُ عن خيطِ نجاةٍ، عن مخرجٍ، فلا بدَ للفكرِ أن يذهبُ بعيداً في سماءِ الأمنيات, فالأحلامُ توحي بأنه لا زالَ في الوجود, فالصخرةُ الكبيرةُ لا تستشعرُ بوجودِها إلا إذا ارتقى صهوتها, أو إذا تحركتْ من مكانِها, وإلا ستبقى كما هي من دونِ الاستشعار بعظمتها, وكذا الضوءُ تكمن قوته في ذلك التزاحمِ المتدفقِ بين مكوناته. أنينُ الأحلامِ, فما عاد لونُ القمرِ كما كان, وخفتت النجومُ في السماء, يصرخُ في وجه الريح:
- كفى.
- ماذا دهاك؟
كان يريد أن يصرخَ مع الريح واهماً, ويتباكى على جلبابِ الآباء, وينتظرُ شروقَ الشمسِ, عسى أن يولدَ يومٍ جديد.
- من دون حراك؟
- نعم, من دون حراك.
يرددُ همساً أناشيد لذلك الطيفِ الذي يقفُ شاخصاً, يسمعُ صراخَ الأرواحِ في السماءِ, ترددُ.
- لقد روتْ الأرضَ الدماءُ.
- مالِ هذهِ القلوب تائهة بلا حراك؟
ظلامٌ، ظلامٌ، واقتربتْ حافةُ السقوطِ، هو العمر هكذا يكون، تتساقط سنينه من دون شعور، وهكذا يكون ما بين ذِكْرَيَاتٍ جميلةٍ وهواجسٍ مخيفةٍ، فإن أبتعد عن تلك الهواجسِ القديمة، بدأ كطفلٍ بريء، يلعب، يرقص، وصدى صوتٍ يصله من بعيد:
- ألا تنظر في المرآة؟
ثم يضيف.
- فأخاديدُ تضاريسُ الزمنِ أخذتْ تتعمقُ في الوجه, وقريباً يبدأ العظمُ بالوهن, فكن للعمر ربانٌ قدير.
يتمنى حلماً بسيطاً، واقعٌ لا خيالٌ، بيتٌ تسكنه السعادةُ، أو كوخٌ ما بين الأشجار، لا يُريدُ أن يُتركَ على رصيفِ الانتظار، ما بين الأمواجِ العاتية، وليس هنالك مرفأ قريب، أو أن يُتركَ ما بين الظلمةِ والإعصار، يتمنى شطآناً بها رمال، كي يستشعرَ تلك الطفولةَ التي غادرته على عجل، من دون سابقة إنذار، لا يُريدُ أن يُتركَ هنا لوحدهِ، فقد تُخيفه الغربان، وتختلط عليه صدى الأصوات، ما بين نعيقٍ ونعيبٍ وهديلِ حمام، يتمنى أن يكون له قلبٌ موصدُ الأبواب إلا لمن يحبْ، كي يطفئ حرائق الروح، فحياة من دون قلبٍ محبٍّ فاترة المذاق.
يختارُ الغربةَ أخيرا، لذا بدأ يعتصرُ اَلْمَاً وفيضاً من الدموعِ، يُزيلها خفيةً بسبابةِ يدهِ اليمنى، يَرزَم أسماله الباليةَ وبعض الحاجياتِ، يخرجُ على عجلٍ ليتخلصَ من ألمِ لحظاتِ الفراقِ.
عالمٌ غريبٌ، وميضٌ يحرقُ ظلامَ الفؤادِ، وتفكيرٌ أَخْذَ بتهشيمِ الذاتِ، يدفعَهُ قلبُه المضطرب بأن يبدأ الخطوةَ الأولى، نحو بهرجةِ الألوانِ، العقل يأبى، يتراجع، يدفعه من جديد، يتدخلُ العقل، يأخذُ دورَه المفروض, لا يعرفُ من يكون.
- هل هو هذا الموجود الآن؟
فجزءٌ منه في تخبطٍ دائم، يسقطُ في المتاهات، يهرولُ في الصحراءِ نحو اللاهدف، إلى غيرِ هدى، وجزؤه الآخر يقف كالواعظ، يميل مع متطلباتِ الحياةِ، فيقفُ حائراً.
- هل هو الأول؟ أم الثاني؟ أم هو مزيج من هذا وذاك؟
لقد طالَ الغياب، وظلتْ أطيافه تداهمه، كوهجٍ ضل من النجوم، أو كمنجلٍ مثلوم، يتخيل بسمة طفله، وصوتٌ يرنو في الأسماع، وهسيسٌ وقع أقدامٍ يذكره، بأن له طفلاً يلعب الآن في الزقاقِ مع الأطفال، ليجري نهرُ الدموعِ بلا انقطاع.
يعودُ إلى العزلةِ التي تُنافسُ نفسها، تجتاحُه أحلامُ يقظةٍ ومنامٍ، يكادُ لا يفرق، وهديرٌ يتصاعدُ إلى جمجمتِه، تحضرُ صورةُ زوجتهِ الشابةِ التي تحملُ جنيناً في بطنِها، تنسابُ الدموعُ بسخاءٍ، فالغربةُ تمنحُ حريةَ التدفقِ لتلك الدموعِ.
- من يواسيني؟
حينما تذرفُ الدموعُ، تخرجُ الأوجاعُ والآهاتُ، لتخطَ أخاديداً في الخدود، ولتمنحَ الروحَ فرصةً لأن تسرحَ في الملكوتِ، جسدٌ أثيريٌ يراقصُ الغيوم، لينفضَ ساعاتَ المللِ، ساعاتَ الأحداثِ المتعاقبةِ في ضبابيةِ الأيام، يبتعدُ عن تلك الأشباحِ التي تحاكي الأشباح، وكأن جروحَ الماضي قد التأمتْ، وفي الطرقاتِ وأرصفتها يثيرُ الصمتُ تلك الدموعَ من جديد، أملاً بأن تغسلَ الأحزانَ، فالشوقُ قد يتجددُ بمجرد اللقاء.
وفي الصباحِ، يجدُ نفسه من دون وعي منه قد رزمَ أغراضَه وَأَسْتَعدّ للعودة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...


المزيد.....




- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...
- من صدمة الثقافة إلى الانتماء.. كيف واجه ثنائي أمريكي صعوبة ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الغربة