أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ألم الفراق














المزيد.....

قصة قصيرة: ألم الفراق


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 01:05
المحور: الادب والفن
    


في ليلٍ شتويٍّ طويلٍ وثقيل، وجد نفسه غارقاً في عتمةٍ لا تُرى فيها حدود الأشياء، حاملاً عبء الرجولة بما فيه من صلابةٍ قاسية، وضريبة الحياة التي لا تعرف هوادة. كان العمر يتدحرج أمامه بلا شفقة، كأنه يسوقه إلى أفوله الحتميّ خطوةً بعد أخرى، غير أن الإصرار ظلّ خياره الوحيد؛ فاختار أن يواجه ما فُرض عليه من قدر، وأن يكون بمستوى ذلك التحدي الذي لا يمنح أحداً فرصة التراجع.
عندها، أمسك ببندقيته بيدٍ تمزج بين الضرورة والقدر، بينما الظلام يطبق على المكان حتى يكاد يلتهم ملامحه. لم يعد يميّز حركة الأشياء من حركة الخطر، وصار كل ظلّ احتمالاً للموت. في ذلك المشهد الكابوسي، تسللت إلى داخله فاجعة صامتة تترافق مع خطواته المتثاقلة. وفجأة، دوّى إطلاق نار متتابع كأنه لا نهاية له، أعقبه سقوط قنبرة هاون هزّت الأرض تحت قدميه، ممتدةً بصوتها المدوي عبر الأفق، لتترك في داخله أثراً لا يُحتمل.
تمتم في حيرةٍ موجوعة:
- تُرى من فُجعت هذه الليلة؟
ثم، بعد لحظة تردد قصيرة، حاول أن يطرد تلك الأسئلة الثقيلة من رأسه، وكأنها خيانة لواجب اللحظة. اتجه نحو النقطة المرتفعة، حيث يقوم برجٌ مكشوف يشغله جنديان بقنّاصيهما، وآخر مغطّى بواقية تتخلله المزاغل. ارتدى خوذته ودرعه، وشدّ الحبال على جسده استعداداً لأي طارئ، ثم بدأ يتبادل حديثاً مقتضباً مع زميله حول تفاصيل الواجب.
وفي الخلفية، كانت الأصوات تتسلل من كل اتجاه: نباح كلاب، صياح ديكة، وهدير نهرٍ يضرب صخوره بعنف، كأنه يصرخ في وجه الليل. كانت تلك الأصوات تزرع في نفسه نفوراً غامضاً، وتفتح في داخله باب القلق. لم يحتمل الصمت، فسأل ثانية:
- تُرى كيف حال منطقتنا بعد هذا الفراق الطويل غير المتوقع؟
لكن السؤال قاده دون وعي إلى الوراء، إلى ذاكرةٍ كانت أكثر دفئاً مما حوله. رأى نفسه جالساً مع مجموعة من الشباب، يضحكون ويتبادلون الحديث، حتى دخل صاحب الدار فخفتت الأصوات فجأة، كأنها أُطفئت دفعة واحدة. حاول الرجل أن يقترب منهم، أن يشاركهم لحظة إنسانية، لكن معظمهم انشغل عنه بذرائع صغيرة: كتاب يُقلّب، نعاس يتسلل، أو انشغال مفتعل يشي بالهروب.
وبقي شابٌ واحد يتأرجح بين البقاء والانسحاب، يغيّر جلسته ويكسر يديه في ارتباك واضح. حاول كسر الصمت قائلاً:
- كيف حالك يا عم؟
فأجابه الرجل بهدوءٍ مثقل:
- بخير... لكن أما زلت هنا وحدك؟ أليس الأجدر أن تلحق بأصدقائك؟
رد الشاب بمجاملة مرتبكة:
- وهل أتركك وحدك؟
فابتسم الرجل ابتسامةً حزينة وقال:
- لا عليك... أنا معتاد على الوحدة. أينما أذهب أبدو ثقيلاً، كأنني سجنٌ متنقل.
ثم غادر الشاب مسرعاً، مضطرباً، وكأن شيئاً ثقيلاً لاحقه. وبعد خروجه، راح يحدث نفسه بتأنيبٍ داخلي:
- كيف فعلنا هذا به؟
وعاهد نفسه أن يعود ليعتذر، ويقبّل رأسه اعتذاراً عن لحظة قسوةٍ لم يقصدها.
انقطع الشرود بصوت بابٍ يُفتح بصعوبة، لكن الذاكرة لم تتوقف. عاد يغوص أعمق، إلى طفولته، إلى لعبة العمى في الليالي المقمرة، حين كانت الضحكات أبسط من أن تُفسَّر. تذكر تلك اللحظة حين أمسكت به طفلةٌ وقالت:
- أنا أمسكت بك.
فأجابها ببراءة:
- بل أنا اقتربت منك لتتمكني من الإمساك بي.
ابتسم داخله لذلك الزمن، كأن النسمة مرت على جرحٍ قديم فخفّفته قليلاً. ثم تساءل في سره:
"أيمكن أن يكون قدري أن أكون عاشقاً رغم كل هذا؟"
لكن صورة حبيبته تسللت فجأة، فأربكته الأسئلة:
- أهي بخير؟ أهي سعيدة؟ أم أن غيابي ترك فيها فراغاً لا يُقال؟
حاول أن يطمئن نفسه، لكن قلبه كان أصدق من منطقه:
- أحتاجها... كما تحتاج الأرض المطر، وكما يحتاج القلب نبضه الأول.
ثم سمع صوت قائده يقطع عليه خياله:
- نتبه جيداً، راقب جهة النهر.
فأجابه سريعاً:
- حاضر.
لكن ذهنه كان قد ابتعد مرة أخرى، إلى الحقول، إلى الوجوه البسيطة، إلى نظراتٍ خجلى كانت تحمل معنى لا يُقال. تذكرها وهي تملأ جرابها بالماء، وكيف اختلسا نظرةً خاطفة، ثم خفضت رأسها كأنها أخفت سرّاً كبيراً. ومنذ تلك اللحظة، تغيّر فيه شيء لا يمكن استعادته.
تمتم في داخله:
- ربما أدركت حينها معنى الحياة... حين صار كل شيء يبدو أجمل دون سبب، أخفّ دون تفسير.
ثم عاد إلى ذكرى الرحيل الأول، حين أُجبر على مغادرة البيت دون أن يودّعها. كان قلبه معلقاً عند الباب، ينتظر لحظة ظهورها، لكنها لم تأتِ. وحين ظهرت أخيراً، كان الوقت قد تأخر، والرحيل قد بدأ.
سقط السؤال داخله كطعنة:
- هل نسيتني؟ أم لم تعرف بموعد ذهابي؟
ثم تابع بصمتٍ موجع:
- كنت كريشة في مهب الريح قبلها... ثم صرت أبحث عنها في كل اتجاه.
قطع الشرود صوتٌ آخر من القيادة، يذكّره بالواجب، لكنه لم ينجُ من داخله. كان يشعر بتناقضٍ قاسٍ بين ما يُطلب منه وما يعيشه في أعماقه، حتى صار الصمت هو الخيار الوحيد.
وفي لحظة انكسار داخلي، قال لنفسه:
- أنا أسير حضورك... فكيف يكون الفراق دواءً؟
ثم عاد الليل من جديد، لكن هذه المرة لم يكن كما بدأ. كان مثقلاً بالأمل والخوف معاً. وصلته أخبار عنها، وأخرى عن احتمال قرب اللقاء. ومع ذلك، بدا الليل أطول من كل الليالي السابقة، كأنه يختبر صبره حتى النهاية .وبين الرجاء والانتظار، انهمرت الدموع بصمتٍ حارق، كأنها آخر ما تبقّى له من يقين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...


المزيد.....




- متحف النصر يحيي ذكرى الحرب الوطنية العظمى بمعرض تشكيلي للفنا ...
- رواية -غرفة حنا دياب- تفك شفرة الهوية الحلبية وأسرار ألف ليل ...
- فقر بـ-فلاتر- وموسيقى مرحة.. كيف يجمّل -ورد على فل وياسمين- ...
- فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
- -هندسة التمثيل-: قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي ا ...
- أوبرا -الحرب والسلام- لكونشالوفسكي تفتتح مهرجان -بروكوفييف ل ...
- -مخاطر مهنية-.. فيلم فلسطيني عن التهجير في القدس
- مغامرة بين -مرتزق- و-كاتب فاشل-.. موعد عرض فيلم -صقر وكناريا ...
- فنان روسي بارز يشكك في صحة بعض فيديوهات الباليه الرائجة على ...
- من -خان الحرير- إلى -كسر عضم-.. رحيل الفنان السوري أسامة الس ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ألم الفراق