أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خشية أنثى














المزيد.....

قصة قصيرة: خشية أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 01:05
المحور: الادب والفن
    


يتوارى قرص الشمس خجلاً بين سحب نيسان، وكأن السماء تشارك الأرض ارتباكها الأول، بعد أن تفتحت الورود واستفاقت الأزهار، وشهدت الأرض ولادتها من جديد. كانت الدقائق تتسابق كأنها تلهث خلف مطرٍ يكتب الفصول الأولى لحكاية لم تُروَ بعد. وفي هذا الصباح المختلف، بدا كل شيء وكأنه يُعدّ نفسه لحدثٍ لا يُشبه ما قبله؛ تحضيرات خفية، وبيانٌ كوني مزهر، وآفاق لم تطأها قدم، كأن الزمن نفسه يوزّع درره على بساط الترقّب.
اليوم ليس كغيره؛ إنه حصيلة الجهد، وغدٌ يتكئ على ثمرة العمر. تتضخم اللحظة حتى تكاد تبتلع ساعاتها، ويتكاثف اليوم كأنه يختنق بعاطفته. وبين هذا الامتلاء الزمني، تتشكل البوادر الأولى لبوحٍ مؤجل منذ عشر سنين؛ خيارات كثيرة مرّت بها، لكنها اليوم تقف عند حافة القرار، كأنها تريد أن تمنح حياتها عنوانها الأول الحقيقي.
تحدّث نفسها بصوتٍ داخلي متردد:
- من سيعطي القرار الحاسم غيري؟
وفي المقابل، كانت أمها تقول بحذرٍ مثقل:
- سيحضر والدك الحفلة يا ابنتي، لكني أخشى أن أفتح الأمر معه… أهل ميثم ليسوا مثلنا، وأخشى أن تكون صاعقة الأعراف ما تزال جذورها حيّة.
أما ميثم، فكان يمشي في الشارع كمن يبحث عن ملامح قرارٍ ضائع بين الأغصان. يمسح بعينيه الأشجار وكأنه يستنطقها، ويخطو بخطى مثقلة بالانتظار.
يحدّث نفسه:
- لن أحضر الحفلة اليوم، فواقعي سيكون غداً. لكني ما زلت في حيرة. حين اقترب حبكِ لأول مرة، بنيتُ حول قلبي دفاعات ومسافات أمان، لأعيد الحسابات، وأستشير العقل والقلب معاً… لكنكِ اقتحمتِ كل ذلك دفعة واحدة، فنسيتُ ما وعدتُ به نفسي.
في الحفلة، كانت الوجوه تتكدّس بتقاليدها ولهجاتها وألوانها. وبين الحضور، كانت عيناها تبحثان عن طيفه الغائب الحاضر.
- ألم تقولي إنه سيحضر غداً؟
- نعم يا أمي، ولن يتأخر، فالغيث له مواسم. لكن هل سيأتي عمي؟
تجيبها الأم:
- أظنه سيأتي، ولماذا تسألين؟
قالت بصوتٍ خافت:
-لأنه كان يقول منذ طفولتي: أريدك أن ترتدي قبعة التخرج، وتخرجي كل ما فيكِ من يقين. أتمنى أن يحضر.
عمّت البهجة، وتطايرت الورود، وارتفعت الزغاريد في برنامجٍ مُعد مسبقاً. في الفقرة الثالثة، دخل سهى وطلال وسط تصفيق الطلبة، يحملان علبتي الخواتم، وكأن الحياة تُولد مرة أخرى في لحظة واحدة.
لكن الفرح لم يدم طويلاً. فالدقائق، حين تفرغ من احتفالها، تعود لتسرق ما تبقى من ضحكها، ليعود كل إلى داره، ويُغلق الباب خلفه. استلقت في غرفتها، تتأمل الصباح وكأنه بعيد. تتنقل بين أدوارها: أمٌ مرة، وطفلة أخرى، وامرأة يختلط فيها الفرح بالخوف، والأمل بالتشظي. قالت لنفسها:
- لحن الأغنية الريفية صار يطربني، أصل معه إلى حالة انصهارٍ غريب، وأتخيلك واقفاً أمامي، كأن الكلمات تصير جسراً بيننا. الحب هو النور في سراديب الظلام، هالة تتجاوز المنطق والحواس، لكنه أيضاً سؤال لا جواب له.
ثم تساءلت في داخلها:
- هل أنا حقاً حرة في الاختيار؟
وفي مكانٍ آخر، كان ميثم يهمس:
- متى ستأتي الثامنة؟
ويعترف لنفسه:
- كنتُ أعرف تعاستي قبل أن أعرفكِ، لكنكِ حرّكتِ شيئاً ظل نائماً في القلب طويلاً. ربما كنتِ خائفة من الغرق، لكنكِ أبحرتِ بي دون قصد.
اقترب الموعد، واشتد الترقب حتى غدت الوسادة صخرة تخنق أنفاسه. نهض، تهيأ، تردد، ثم خرج بين الحديقة والصالة والمرآة، كأنه يجرّ العالم خلفه.
وفجأة، دوى الباب.
- إنه عمي…
قالتها كمن يلتقط ارتجافة القدر. دخلت المطبخ، تحاول إخفاء ارتباكها، بينما كانت الحشرات الصغيرة تثير في داخلها قلقاً غامضاً. نظرت إلى الطباخ بعين، وإلى الباب بعين أخرى، كأنها تنتظر حكماً غير معلن.
وفجأة تصاعد الصوت خارجاً:
- لن أسمح لها بالزواج من رجلٍ غير ابني.
تجمّدت الكلمات في حلقها، وارتجف داخلها شيء قديم. همست:

- حتى أنت يا عمي، كنتَ تشجعني طويلاً، وها أنت اليوم تعيدني إلى نقطة الخوف الأولى.
جاء صوت الأب هادئاً:
- حسناً يا أخي، لكن بعد انتهاء الامتحانات.
صرخت في داخلها، لكن صوتها لم يصل. حتى المرآة أمامها بدت كأنها تعيد الصدى بشكلٍ آخر، وكأنها تخشى أن تعترف بما ترى. وحين فتحت عينيها، لم تجد سوى الصمت. عندها فقط أدركت أن الكابوس لم يكن نهاية الحكاية… بل بدايتها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان


المزيد.....




- اتحاد أدباء العراق يؤبن الشاعر صادق الصائغ
- ادباء ذي قار وملتقى سومريون ينظمون امسية ثقافيةلاستذكار الكا ...
- الجذور الفكرية للحركة الوطنية في جنوب اليمن: قراءة في مشروع ...
- جينيفر أنيستون وليزا كودرو: نجوم السينما كانوا متوترين خلال ...
- أحمد عثمان: الفنان الذي أنقذ معبد أبو سنبل
- قصف إسرائيلي يُلحق -أكبر أذى- بموقع للتراث العالمي في صور
- كيف تغيرت أفلام الرعب لتصبح قادرة على إثارة اهتمام الجيل -زد ...
- المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التح ...
- الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح ...
- -تسنيم-: لا يمكن للأميركيين التملص من وزر جرائم الكيان الصهي ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خشية أنثى