أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قراءة في رواية حين يهتز الجبل للكاتب صالح محمد خضر الشرقي















المزيد.....

بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قراءة في رواية حين يهتز الجبل للكاتب صالح محمد خضر الشرقي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 01:05
المحور: الادب والفن
    


بين السلامِ والحرب, يتأرجح الشابُ بين طرفي نقيض في بلدٍ اعتاد مرارةُ الحروب وويلاتها, نزيفٌ لا ينقطع, يتمٌ مستمر, ومناظرٌ تعكسُ العجزَ والألم, ففي وسطِ هذا الواقعِ القاسي, تنبضُ بعضُ النفوسِ بعشقِ للحياة, وهو منهم, نفوسٌ تندمجُ برموزِ الطبيعة, تتشبثُ بالحياة, وتناضلُ من أجلِ البقاء, تتأرجحُ هذه النفوسُ بين اليأسِ والأمل, بين المقاومةِ والضعف, وترنو إلى الارتقاء, وأن تعوضَ الآباءَ تعب السنين الماضية, لذا فهي ترسمُ أحلاما تتجاوز حدودَ الواقع, وطموحاً يعلو على كلِّ جراح, وتستمد قوتها من ثقةٍ دفينةٍ تنبض في القلوب.
تلك الأحلام, وإن كانت تعزفُ على أوتارِ الوهم, أشبه بشمعةٍ توشك على الانطفاء, لكنها لا زالت تضيء العتمةَ للحظات, فلم يخطر بالبالِ بأنَّ يكون ذلك الظلامُ قد يمتد إلى ما لا نهاية, بعدما بدأ يخيمُ على القلوب, إذ كانت تنسجُ من خيوطِ الشمسِ معراجاً نحو غدٍ أفضل, كان العالمُ بالنسبة لهم يولد كلَّ يوم من جديد, وكانت أرواحهم تسمو إلى الأعالي وتناطح السحاب, لا يعيقها تعب السنين ولا قيود الفقر المدقع, سعوا لإثبات وجودهم في أمكنةٍ تطالبهم بالتغيير مهما كانت العقبات, فلم يخطر ببالهم أن تأخذهم تلك الأحلامُ إلى المجهول.
لكن ما لم يكن في الحسبانِ هو أن تتحول تلك الأحلامُ إلى شهورٍ من الندمِ المستمر لسنوات, لذا صاروا ينتظرون ريحاً تحملُ لهم وجه أيام جديدة, لكن الانتظارُ طال, وزيفُ الأقنعةِ انكشف, والكلماتُ باتت تتردد بصدى غامض, لم تعد الآذانُ تستسيغ سماعه, في عالمٍ خنقته الأحلامُ المتكسرة, ليظل السؤالُ معلقا" هل يمكن للنفوسُ التي تعشق الحياةَ أن تجد خلاصها في واقعٍ يحكمه الألم؟.
وفي المقابل, هنالك فئةٌ ارتقت في غفلةٍ من الزمن, تغذي طموحاتها التدميرية بحمقٍ وشعاراتٍ مخادعةٍ زائفة, من نبعِ الجهلِ المقنعِ بالوعي الزائف, تختبئ خلف الأقنعة, لكنها لا تحملُ سوى الفراغِ والصراعاتِ الزائفة, تلك النفوسُ جبلت على السادية, استلذوا مناظرَ البؤسِ والشقاءِ وألمِ الآخرين, وبأريحية تامة مع أن شعارَها المعلن لدفعِ الفئةِ الأولى نحو أتونِ الحروبِ العبثية" نكون أو لا نكون" عنوانٌ بصيغةِ الجمع, لكن النزيفَ الحقيقيَ لا يصيب سوى الفقراء, أولئك الذين الفوا الفقر والتضحية, فهؤلاء الساعون وراء السلطة المطلقة, يدركون أنها مطيتهم للوصولِ إلى تلك الغاياتِ بمتعةٍ تامة, كونها قد جبلت عليها نفوسهم, فلا ابليسُ يوما يعلن توبته, ولا الحروبَ تعلن هدنتها في أرضِ السواد, طالما هنالك من يستفيد من استمرارها, إذ يقول دوستويفسكي في هذا الصدد" السلطة المطلقة التي لا حدود لها نوع من المتعة, ولو كانت سلطة على ذبابة" فما بالك إذا كانت سلطة على مصائر بشرية لا تعرف الرفض ولا النطق بكلمة.
في هذا الفضاءِ الواسع, يسبح في أعماقِ الذات وحيدا, متحرراً من قيودِ المنطق, باحثا عن حقيقةٍ مجهولةٍ أشبه بزنبقةٍ تتحدى قسوة الصقيع, أو وردةٍ تكابرُ امتدادَ الرمالِ القاحلة, تتكسر الأحلامُ أمامه كحطامٍ متناثر, وحزنه العميقُ يبحث عمن يستوعبه, وصهيلُ صوته يعلو مع الأيام, كأنه يصرخُ بصمت, بينما يدورُ الصراعُ بضراوةٍ أشد داخل نفسه.
إنه صراعٌ ما بين الألمِ والكبرياء, فبراكين الدواخل تغلي, تثور ولا تهدأ, تكاد تنفجرُ لتلقي بحممها, تلك المكنوناتُ على هيئةِ كلماتٍ تعبر عن ذلك الألم, إلا أنها تبدو عاجزةً عن التحرر, محبوسةٌ خلف أسوار الصمت, إذ تقف تلك الكلماتُ على أعتابِ الأفواه, تائهة, عاجزةٌ عن التعبيرِ عن حجمِ ما يعتمل في داخله.
هنا, حيث الزمن يبدو متوقفا عند اللحظةِ الراهنة, يغيب الماضي وتتلاشى ملامحُ المستقبل, وكأن الوجوهَ أصبحت بلا عيون, والأفواهَ تحولت إلى مجردِ ألسنٍ صامتة, تردد في داخلها صدى الكلمات التي لم تنطق, بينما الواقعُ يبتلع كلَّ محاولة للبوح أو الهروب بالتفكير بعيدا عن حدود المنطق.
إن أشدَّ ما يعانيه الإنسان هو تلك القدرةُ المتناقضةِ التي تمكنه من ضبطِ افعاله, لكنه يقف عاجزا, في ذات الوقت, عن كبحِ مشاعره, مشاعرٌ تسبحُ في بحر الرجاء, تتلون بفراغٍ موشحٍ برحمةٍ ووعودٍ كاذبةٍ متسللة تحت ستار الوهم, ووسط هذا الضياع, يبقى هنالك خيطُ الرجاءِ مع الباري ممدودا بالدعاء, وكأن الحنينَ البدائي لا بد أن يعتلي الفضاء, ينبعث من أعماقِ النفسِ ليشقَ ذلك الفضاء متحديا أيادي الخداع.
أن المشاعرَ ثورةٌ لا سلطان عليها, تنفجرُ في وجه صاحبها لتطرد النعاسَ بعيدا, وتتركه في مواجهةِ التجبرِ وحربِ الوعودِ المتهاوية, فالحربُ بكلِّ ما تحمله من أهوال, ليست مجردَ نزهة, بل هي رحلةٌ مظلمةٌ نحو المجهول, حيث تثقل الروحَ بصورِ أشلاءٍ تنغرسُ في الذاكرة, بعد أن عطّرت الدماءُ رمالَ الصحراء, حتى وإن خمدت نيرانُ المعركة.
وكما قال " توماس مان" الحربُ ليست سوى هروبٍ جبانٍ من مشاكلِ السلام" عبارةٌ تلخصُ الحقيقةَ المريرة, فالحرب ليست حلاً, بل هي فصل آخر من معاناة البشر, يجرّ وراءه ظلالاً ثقيلةً من الخوفِ والألم.
هذا ما تناوله الأديب" صالح محمد خضر الشرقي" في روايته " حين يهتز الجبل" حيث نجح في تصويرِ الصراعِ الداخلي الصامتِ الذي يعتمل في أعماقِ النفسِ البشرية, صراعٌ متأججٌ بين الحاضرِ وذكرياتِ الماضي التي ما برحت تلاحقه في أشدِّ لحظاتِ ضعفه, وتأبى الانفكاكَ عنه, إنها معركةٌ خفية, لا يشعر بلهيبها إلا صاحبها, أو من عاشَ تلك الأيامَ القاسيةَ وشهد ثقلها.
في هذا العمل, يفضحُ الكاتبُ ذلك اللعبَ الخفي, بين حضورٍ حتمي الذي يفرضُ نفسه وغيابٍ غامضٍ, وبين الحاضرِ الذي يفرض وجوده والماضي الذي يلاحقه كظلٍّ لا ينفك عنه, يحاول الهروب, ليس هروباً من الزمنِ الحالي فحسب, بل من الإدراكِ ذاته الذي بدأ يكشف أنه على وشكِ أن يفقد أغلي ما يملك وهي الروح.
ورغم استعداده الكامل لتقديم تلك التضحية, فإن هذا الإدراكَ الذي كان من المفترضِ أن يكون نعمةً تمنحه الحكمةَ والاتزان, يتحولُ إلى عبءٍ ثقيل, يتحول إلى مرضٍ مهلكٍ يُثقل روحه بالألم, حتى وهو في خضمِ بحثه عن معنى في ظلمةِ الأيامِ القاسية, وكأن هذا البحثَ ذاته معركةٌ أخرى تضاف إلى أعبائه.
الروايةُ تمثل استنباطا عميقا لتلك المواجهةِ النفسية, وتجسد محاولة للقبضِ على شعلةِ الأمل وسط عتمة تبدو بلا نهاية.
ومع كل هذا, في قمةِ اليأسِ وفي ذروةِ الخروج عن المألوف, تظل هنالك شعلةٌ خافتةٌ تقاوم الانطفاء, تسعى لملامسةِ الحقيقة, حقيقةٌ العبثيةِ المفرطةِ التي تغلفُ استخدامَ الحروبِ كوسيلةٍ لتصفيةِ الحسابات, فالحروب, التي يصنعها الكبار, ويكتوي بنارها الصغار, ليدفعوا ثمنَها جوعاً وتشريداً وعوقاً وقتلا.
ومع زيادة الوعي, تبدأ رحلةُ الدواخلِ في البحثِ عن الحقيقةِ المرة, أين يكمن ألمُ النفوس؟ إنه الألمُ الذي لا يلتئم إلا عندما يتجاوزُ الإنسان حدود القوة والعنف, فبطلُ الرواية, الذي لا يفرضُ الوجهَ الجامدَ الذي يفرضه الزمن, فهو يختار أن يحملَ الشعلةَ الإنسانية, ينير بها دروبه أينما حل أو ارتحل, فهو يوقن أن طريقَ السلامِ لا يمكن أن يبنى إلا على أسسٍ إنسانيةٍ راسخة, وأن الأدبَ الحقيقي الذي يوحد القلوبَ المتنافرة حسب مفهومه, لا الذي يفرقها.
إن رسالةَ الكاتبِ تحملُ في طياتِها دعوةً صادقةً لترسيخِ الأملِ كضوءٍ لا ينطفئ, مهما اشتدت العتمة, فالأملُ هو الجسرُ الذي يعبر به الإنسان من أحلكِ الظروفِ إلى رحابةِ الإنسانيةِ والسلام, وهو الشعلةُ التي تقودنا نحو عالمٍ أكثر إنصافا وعدالة, وبهذا, يكون الأدبُ رسالةً خالدةً تُذكر بأن النورَ لا يزال ممكناً, حتى في أكثر اللحظات قسوة وظلاما.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...


المزيد.....




- اتحاد أدباء العراق يؤبن الشاعر صادق الصائغ
- ادباء ذي قار وملتقى سومريون ينظمون امسية ثقافيةلاستذكار الكا ...
- الجذور الفكرية للحركة الوطنية في جنوب اليمن: قراءة في مشروع ...
- جينيفر أنيستون وليزا كودرو: نجوم السينما كانوا متوترين خلال ...
- أحمد عثمان: الفنان الذي أنقذ معبد أبو سنبل
- قصف إسرائيلي يُلحق -أكبر أذى- بموقع للتراث العالمي في صور
- كيف تغيرت أفلام الرعب لتصبح قادرة على إثارة اهتمام الجيل -زد ...
- المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التح ...
- الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح ...
- -تسنيم-: لا يمكن للأميركيين التملص من وزر جرائم الكيان الصهي ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قراءة في رواية حين يهتز الجبل للكاتب صالح محمد خضر الشرقي