أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دويُّ الصمت















المزيد.....

قصة قصيرة: دويُّ الصمت


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 07:52
المحور: الادب والفن
    


مستلقياً في سريره، يحدّق في الظلام الدامس، لا يجد في تفكيره متسعاً للفراغ، ساكناً كتمثالٍ يصغي من دون وعي إلى الأصوات التي تتسلل من ذلك الظلام، وإلى صوت أنفاسه المتقطعة. يغوص في أعماق التيه بخياله الذي لا حدود واضحة له، داخل فضاءات بعيدة متشابكة، فيميل إلى الصمت، حالمٌ بأحلام يقظة، غائبٌ في أفكاره، كأنما يُساق إلى ذلك بفطرته التي تدفعه نحو العوالم المفجوعة تحت ضبابية الحقوق.
لذلك كان يحاول أن يقتحم عالمهم الخاص، علّه في لحظات عابرة يتمكن من لمس القلوب، ومن تفجير شلال الكلمات في دواخلهم، والوقوف على مراكز البؤس والشقاء. أفكارٌ تسمو بالذهن وتحلّق بأجنحة أثيرية تناطح السحاب، وأسئلة كثيرة تتراكم فوق بعضها، تجعله متقلباً في نار القلق؛ أسئلة مخيفة لم يجد لها أجوبة، منها: كيف ينتشل إنساناً في بداية طريق الضياع؟
هناك اضطراب داخلي ناجم عن صراع الإنسانية بين التسلط والتسامح مع الغضب. صورٌ تتوارد بسرعة، يرى نفسه منحنياً، يحدّق في الأرض كأنه يبحث عن لقيةٍ أثرية ترفع عن كاهل الفقر والفاقة، كأنها سقطت من مقتنيات لصٍ كبير في وضح النهار، شأنها شأن حضارات الشرق، تعكس العجز أمام الزمن.
ثم يتسلل إليه شعور لم يألفه من قبل، كأنه بدأ يتقمص دور المعذّب في صمت، ويحاول بكل عناد أن يبتعد عن الواقع، حتى وإن وجد نفسه يغوص في لجة أوهام. وربما وجد في ذلك بدايةً لحل أحد أسئلته: أن الأسوأ في هذه الحياة، كما يتصور، أن يحيا المفجوع فيها بهيئة النائم.
الحكايات تخرج من ظلام الماضي، والأماني تتراقص في زحام ثم تختفي كسراب بعد لحظات، يُسلب دون وعي بالطوفان. تلك اللحظات التي تسبق النوم، كأن مكنوناته تنزلق من بين يديه. الأصوات الأولى في صباح شتوي، وبعد أيام قليلة ستنهض الحياة من سباتها.
عتمة الغرفة تداخلت مع عتمة الجمجمة في هذا الليل الطويل، فلم يبق من نار التدفئة سوى بصيص ضوء كأنه عيون أشباح تتقافز، مع شيء من ذاكرة صوت الريح كصفيرٍ مطوّل، وثغاء المواشي وصياح الديكة وعواء الكلاب. لا شيء يسمح له بالبقاء مستلقياً، ربما الرغبة الفطرية في حب الاستطلاع رغم تكرار الأصوات، وربما الخشية من التأنيب المحتمل؛ فالنوم حتى الضحى يجلب الفقر، ذلك المارد المخيف الذي يجثم على الصدور.
يحمل حقيبته المدرسية المصنوعة من قطعة قماش، بعد أن تأكد من وجود كتبه ونصف رغيف خبز يابس ومبراة اعتادت أن تُسرق منه، وبعد أن أحكم إغلاقها بزر رمادي واسع انتُزع من سترة والده القديمة. يحاول أن يجمع حروف الهجاء طمعاً في تكوين كلمات، مأسوراً بتحدي "القسطنطينية"، متجنباً خلو الدرب الترابي من المارة.
يكررها يومياً بصوتٍ خافت، إذ يجد صعوبة في نطقها، إلا أنه في هذا الصباح تمكن من جمعها بسهولة وكتابتها بإصبعه في الهواء، ثم رفع صوته وهو يرددها ويعيد كتابتها: "القسطنطينية". شعر بسعادة خفيفة، وبأن وزنه صار أخف من ذي قبل، وتمنى أن يمتد زمن تلك اللحظة، وأن يترك مساحة بينه وبين الخوف الذي يلاحقه، وبين تردده الذي يؤرقه، فيغدو خارج حسابات الماضي.
فترة الأصيل كانت صاخبة، وأعمدة الدخان تتصاعد. تلك الحادثة لا تزال محفورة في ذاكرته، ومعها أصوات مكتومة لأطفال تمنحه شيئاً من الاطمئنان.
فجأة اقترب رجل يعتمر الكوفية والعقال، ويرتدي بزة أنيقة فاتحة اللون، يتكئ على عصا تبدو كأنها مذهبة، كأنه نزل من عالم آخر. كان سريع الخطوات، مبتسماً، فسأله: وكيف تكتب هؤلاء؟ لم يجد جواباً، وجفل تماماً، وأصابه ارتباك شديد من هذا الحضور المفاجئ ونظراته التي تحمل أكثر من علامة استفهام قطعت أنفاسه. حاول تجاهل الرهاب حين تداخلت الطفولة بحاضر الكهولة، لكنه لم يرد الاعتراف بالهزيمة، غير أن ثقلها ظل يتوارد على ذهنه، فلم يتمكن من تجاوزها، وصار مجرد التفكير بها يثير ارتباكه وتوجسه.
يقترب من النوم أكثر، وسط تقافز تلك الحكايات التي حفرت في طبقاته أنفاقاً عميقة. "هؤلاء" تلك الكلمة التي جعلت طالباً يكبره بسنوات يترك الدراسة الابتدائية، حين عجز عن كتابتها وهو في المرحلة الخامسة، فاستدعى المعلم أحد طلاب المرحلة الثانية ليكتبها، ثم سمح له أن يصفعه بكل قوته، فظل ذلك الطالب متمسكاً بصمته حتى نهاية اليوم، يعيش خواء تلك الصفعة لسنين.
لا يريد استمرار التفكير بتلك الحكاية، وقد شعر ببعض الراحة لأنه لم يقع في موقف ذلك الطالب المسكين. لكن مجرد التفكير بتلك الأيام يجعل مشاعره تتفجر، فيحاول أن يجتاز حضور ذلك الماضي الممتد لسنين. يطبق جفنيه ويقترب من النوم، يحاول الهروب من الذكريات، ومن فقدان الإحساس بالواقع، هرباً من زوبعة الآمال الزائفة والأشياء التي فقدت روحها، حتى صارت الحياة أقرب إلى الوهم في حركاتها وسكونها.
وبوجهٍ ممتعض، لم يعد كما كان يراه، ظهر ذلك الرجل من جديد ببزة بيضاء ونظرات تتطابق مع هيبته، وكلما اقترب زادت خشيته، كأنه يفسر الإشارات البعيدة والأحاسيس الخفية، وكلما اقترب أكثر ازداد تأثره بموجاته العاتية، حتى صار يحرك رأسه المثقل بالحكايات، ويتكلم معه بهيمنةٍ أقرب إلى الهمس، تجبره على الإنصات.
- أيها المسافر البعيد، عليك أن تتقبل الاحتمالات.
- وكيف ذاك؟
- ربما ذلك الشخص يصلح لشيء آخر.
لا يزال مستلقياً في فراشه، يظن أنه مضى وقت طويل، لكنه لا يدرك أين هو الآن. رنة جهازه النقال جعلته يتحرك بعشوائية، كأنه يسبح في فضاء، بينما الخوف يجهز جنوده ويستعد.
يستفيق قلبه، ويتلفت حوله في حيرة: وهمٌ أم حقيقة؟ ذهنٌ مشتت، بعدما خُرقت قوانين الحياة الطبيعية، وتلاشت الحدود بين اليقظة والحلم. يتأرجح وعيه بين تصديق الحلم وإنكاره، بين سلاسل خوفٍ ممتدة عبر الزمن، وخيباتٍ تدفعه إلى العتمة.
وصوتٌ داخلي يحاول أن يهمس له: "اهدأ… ربما الهدف سيقع في زمن بعيد".
لكن المشاعر تتداخل وتدفعه نحو المجهول، وتطلق خلاياه إنذاراتها، وأنينٌ قوي يخرج من صدره، وعيناه تجولان في الفراغ، وعقارب الساعة تبدو صاخبة. يتكئ على الوسادة، محاولاً استعادة وعيه، كنوع من الدفاع الأخير، علّه يتحرر من هذا الوهم أو يخفي ذلك الوهن المتجذر. ولطالما سأل نفسه عن الإحساس حين تختلط المواقف، حين يذوب الحد بين التفكير والحدث، بين الواقع والضباب، كأنه على حافة الموت. هناك لحظات لا يصفها الكلام، حين تكون الحياة أقرب إلى الموتى من الأحياء.
صرخة تنطلق في مملكة الصمت. يرتجف صوته وهو يجيب الهاتف، وضوء الممر الخافت يرافق ارتباكه. يتوقف الزمن: "كم الساعة الآن؟" لا يمكن تخمين الوقت وسط هذا الضباب، وقد نسي هاتفه. يتصاعد الضجيج، ودوي الهدير يصم الآذان، وصدى المكالمة يزيد رعبه. يصرخ في وجه الريح، وكأنه يستنهض شيئاً داخلياً، ويحث الخطى بلا وعي، بينما الخوف والذنب يتناوبان عليه.
تتخاطب صور الرعب في مخيلته، ويحاول استنهاض شعلته الداخلية، لكن هيبة الموقف تتجاوزه. القشعريرة تسري في جسده، وصرير أسنانه يحتك في صمتٍ مرعب، فقبول الحقيقة يعني بداية الخسارة، وهو لا يقوى على ذلك. صورة الدمار تتسع في مخيلته، كأنها امتداد للاتصال الذي تلقاه. لم تعد الكلمات مفهومة، والذهول يسلبه ذاته، فكيف يواجه انهياراً كهذا؟ ومن يسمع الآهات التي تمزق الصمت؟
وفي اللحظة الأخيرة، حين بدأ كل شيء يتداعى، تتكشف المفاجأة:
جسد ذلك الشخص الذي لم يتمكن يوماً من كتابة كلمة إملائية واحدة، مسجى على الأرض، بعد أن حاول أن يثبت حضوره قبل الجميع، وقد تمكن أخيراً من تقليل زحف ذلك الدمار.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر


المزيد.....




- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...
- فضحية جنسية مدوية في هوليوود.. فنان شهير يواجه اتهامات بالاع ...
- كاظم الساهر يتصدر الحديث بعد مقابلة وصفها الجمهور بأنها -وثي ...
- سلب فلسطين.. كيف نظّم القانون الإسرائيلي تجريد شعب من أملاكه ...
- رحيل الفنانة السوفيتية الكبيرة ليودميلا تشورسينا بعد صراع مع ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: دويُّ الصمت