أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على حافة الانكسار














المزيد.....

قصة قصيرة: على حافة الانكسار


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 00:37
المحور: الادب والفن
    


ليست الحياة سلسلة من الأحداث المتتابعة فحسب، بل هي اختبار طويل تتكشف فيه هشاشة الإنسان أمام ما يفوق طاقته من الألم والخذلان. وفي لحظات بعينها، يجد الفرد نفسه محاصراً بين ما يعيشه وما لا يستطيع تغييره، بين واقع يضغط عليه من الخارج وذاتٍ تتآكل بصمت من الداخل. هناك، عند الحافة الفاصلة بين الاحتمال والانكسار، يبدأ المعنى الحقيقي للوجود: أن يستمر الإنسان رغم كل ما يدفعه إلى التراجع، وأن يواجه هشاشته لا ليهزمها بل ليتعلم كيف ينهض منها.
الحياة، في جوهرها، ليست سوى سلسلة متشابكة من المصادفات المتعاقبة، بعضها يمرّ خفيفاً كنسمة عابرة، وبعضها الآخر يترك في الروح ندبة لا تُمحى. وبين هذا وذاك، يظل الإنسان مجبراً على خوض تجربته الوجودية، محمولاً على أكتاف الألم، لا يملك سوى الصبر وسيلةً للاستمرار.
يدق جرس المدرسة معلناً بداية الفرصة الثانية، تلك الدقائق العشر التي تشبه فسحة قصيرة في قلب يومٍ طويل. ينهض الفتى من مقعده على مضض، إذ كان يجلس إلى يمين زميله، ونهوضه يعني أن يفسح المجال لآخرين للخروج. يبدو عليه التعب والشرود، وكأن ذهنه في مكان أبعد من هذا الصف الضيق.
يخرج وسط تدافع الطلبة وضحكاتهم المتشابكة، ثم يستند إلى أحد أعمدة ساحة المدرسة. السماء مثقلة بغيوم رعدية داكنة، توحي بقرب مطرٍ غزير. في الأفق صوت مراقب الساحة، عصاه الطويلة تتحرك وهو يوجه الطلبة بنبرة صارمة. أمامه مباشرة الحانوت المدرسي، حيث يتجمع بعض الطلاب لشراء الحمص الساخن الممزوج بالماء المغلي والتوابل، تتصاعد منه الأبخرة في صباح شتوي بارد، حين تحجب الغيوم الشمس عن الأرض كلياً.
كان يراقب المشهد بصمت ثقيل. الصحن الصغير، الملعقة المعدنية، حركة الأيدي المتكررة، كل شيء يبدو مألوفاً حد الألم. لا جديد يتغير، وكأن الحياة تعيد ذات التفاصيل لتؤكد له شيئاً واحداً: أن الآخرين قادرون على ما لا يقدر عليه.
تتزاحم في داخله مشاعر الاضطراب والخذلان، ويأخذه المشهد إلى طفولته البعيدة؛ فقرٌ قاسٍ، وحرمانٌ لا ينتهي. ينظر إلى بنطاله الممزق عند الركبتين، وقد حاولت أمه إصلاحه مراراً قبل أن تستسلم في صمت. يبتلع غصته بصعوبة، ويستدعي عبارة قرأها يوماً على غلاف كتاب مدرسي:
"حين يفشل الإنسان في إيجاد ذاته وسط ضجيج الواقع، يكون الإحباط مصيره المحتوم."
لم يفهمها حينها، ولم يجرؤ على سؤال معلمه أو زملائه. وحين لجأ إلى أمه، لم تملك سوى كلمات بسيطة، تلخص الحياة كلها في جملة واحدة:
"علينا أن ندافع عن وجودنا في هذه الحياة"
لكن تلك العبارة لم تكن كافية لتهدئة الصراع الذي كان ينمو في داخله، إذ كانت صورة البيت تتداخل مع ذاكرته: صراخ الأب والأم، ضربٌ متكرر، أصوات الجيران، وانكماشه في زاوية الغرفة، يغطي وجهه بيديه ويراقب بين أصابعه مشهداً لا ينتهي. كانت أمه تبكي لساعات، ثم تهدأ لتعود إلى بكائها من جديد، تلعن حظها، وتتهم الحياة بأنها لم تنصفها يوماً.
وفي إحدى لحظات الغضب، كانت تقول وهي تضرب الأرض بعصا المكنسة:
"لولا هذا الولد الذي كسر ظهري، لكنت الآن بين أهلي مرتاحة"
تتسرب هذه الكلمات إلى قلبه كالسهم. لم يكن يدرك تماماً معناها، لكنه كان يشعر بثقلها. كان يخاف أن يكون وجوده ذاته سبباً في تعاستها، ومع ذلك كان يقترب منها باكياً:
"لماذا تبكين يا أمي؟"
فتجيبه بصوت متهدج:
"البكاء يخفف الألم يا ولدي"
في البيت، كانت الأيام تمر بصمت ثقيل. لا حديث بين الأبوين، ولا مائدة تجمعهما. يأكل كل واحد وحده، في صمت يشبه العزلة. كان يخشى حتى لحظة الأكل، إذ قد تسقط قطعة طعام على ثيابه فتعود الاتهامات القديمة:
"لم يتعلم حتى كيف يأكل"
أما الأب، فقد كان يعيش صراعاً آخر. عمل في مهن متعددة، آخرها رعي الأغنام بالأجرة. لكن سمعته كانت تلاحقه كظل ثقيل، اتهامات بالفشل، ونظرات لا ترحم، وكلمات ساخرة من الرجال والصبية. كان يشعر أن كل يوم يمر عليه يضيف طبقة جديدة من العجز إلى روحه، وأنه يغرق ببطء في بحر من الإحباط. في الليل، كان الأرق رفيقه الدائم. أفكار متشابكة، وقلق لا يهدأ، وشعور دائم بأن شيئاً ما سينهار في أي لحظة.
يدق الجرس من جديد. يعود الفتى إلى صفه، يجلس في مكانه، لكن ذهنه لم يعد. يسمع المعلم يردد العبارات، والطلاب يجيبون بصوت واحد:
"نعم أستاذ... نعم أستاذ"
وحين طرح المعلم سؤالاً مفاجئاً:
"نحن ننسى كل ما تعلمناه، أليس كذلك؟"
يرد دون وعي:
"نعم أستاذ"
يسود صمت مفاجئ. تلتفت العيون نحوه، بعضهم يبتسم، وبعضهم يتهامس. يشعر بثقل النظرات كأنها حجارة على وجهه. ينكسر داخله قليلاً، ويتمنى لو ينتهي هذا الموقف أو يختفي من المكان كله.
يعود إلى البيت مثقلاً بالهزيمة، لكن ما إن يرى أمه حتى ينهار في حضنها باكياً. تمسح على رأسه بحنان، وتقول:
"ستتعلم يا ولدي، وستكبر، وستعوضني كل ما فات. أنت أملي الوحيد"
في تلك اللحظة، كان ينظر إليها بعين مختلفة. لم يرَ فيها تلك المرأة المنكسرة فقط، بل رأى قوة خفية تتجاوز الانكسار نفسه. أدرك أن الحياة لا تمنح أحداً ما يريد، لكنها تمنح فرصة الاستمرار لمن يملك القدرة على المقاومة.
في المساء، كان الأب قد اتخذ قراراً صعباً. البندقية في يده، والخوف في صدره، والذئب الذي يهدد مصدر رزقه يتجول في العتمة. كانت خطواته مترددة، لكنه كان يشعر أن هذه هي فرصته الأخيرة لإثبات ذاته أمام الآخرين، وأمام نفسه. تتداخل لحظات الصمت مع توتر شديد. يراقب الذئب، يتردد، ثم يطلق النار. يسقط الذئب، ويطلق رصاصة أخرى، كأنها إعلان انتصار على الخوف لا على الحيوان فقط. في تلك اللحظة، لم يكن القتل مجرد فعل، بل كان محاولة يائسة لاستعادة الكرامة المفقودة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى


المزيد.....




- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...
- فضحية جنسية مدوية في هوليوود.. فنان شهير يواجه اتهامات بالاع ...
- كاظم الساهر يتصدر الحديث بعد مقابلة وصفها الجمهور بأنها -وثي ...
- سلب فلسطين.. كيف نظّم القانون الإسرائيلي تجريد شعب من أملاكه ...
- رحيل الفنانة السوفيتية الكبيرة ليودميلا تشورسينا بعد صراع مع ...
- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على حافة الانكسار