داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 00:33
المحور:
الادب والفن
ثمة أمكنة لا تُشيَّد من الطين والحجارة وحدهما، بل تنهض من منظومة القيم التي تسكن جدرانها، ومن الحكايات التي تتوارثها الأجيال كما تتوارث الأسماء والملامح والحنين. فالمكان، حين يفيض بمعناه الإنساني، يغدو أكثر من رقعة جغرافية؛ يصبح ذاكرةً حيةً تحفظ أثر الذين مروا به، وتعيد إنتاج حضورهم كلما استُدعيت الحكاية من غبار الزمن.
ومن هذا المنطلق الرمزي تتبدى في رواية وجع العناق الأخير تلك الدار العتيقة التي يعود إرثها إلى مطلع عشرينيات القرن الماضي، واقفةً عند تخوم الذاكرة شاهدةً على زمن القحط والعوز، يوم كانت أبوابها مشرعة للجائعين والعابرين والمحتاجين، ويوم كان تنورها يوزع دفء الخبز كما توزع القلوب النبيلة دفء الطمأنينة. لذلك لا تبدو الدار مجرد بناء قديم استقر في المكان، بل كائناً معنوياً ظل ينبض بقيم التكافل حتى بعد أن غادر أصحابه المشهد.
ولعل أهمية هذا البيت لا تنبع من جدرانه بقدر ما تنبع من فلسفته الإنسانية؛ فهو ليس مأوىً يؤوي الأجساد فحسب، بل فضاء أخلاقي يحتضن الأرواح ويؤمن بأن النجاة لا تكتمل إلا بالآخر، وأن الكرامة لا تُصان بالتملك والاحتكار، بل بالمشاركة والعطاء. ومن هنا يستحضر الذهن مقولة هايدغر:
"الإنسان ليس سيد الكائنات، بل راعي الكينونة".
إذ تتحول الدار في الرواية إلى ترجمة يومية لهذا المعنى، حيث يصبح العيش فعلاً من أفعال الرعاية المتبادلة، ويغدو الانتماء مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون رابطة مكانية.
ومن رحم هذا الإرث الإنساني الممتد، يتقدم "طه المسمار" بوصفه أحد الرموز المؤسسة لذاكرة المكان؛ ذلك الرجل الذي تحوّل مع الزمن إلى أيقونة للكرم في سنوات العسرة، حتى غدت سيرته جزءاً من الوعي الجمعي لأهل القرية. ومن هذه الذاكرة تحديداً يبدأ خيط الحكاية بالامتداد نحو عمار، القادم من أقصى الفرات الأوسط، حاملاً غربته وأسئلته وأحلامه المؤجلة.
غير أن عمار لا يدخل النص باعتباره غريباً يبحث عن فرصة عمل فحسب، بل بوصفه امتداداً سردياً لذاكرة قديمة لم تنقطع خيوطها مع الزمن. فاحتضان الحاج صالح له لم يكن استجابة لحاجة آنية أو تعبيراً عن كرم عابر، وإنما وفاءً لدين أخلاقي ظل محفوظاً في ذاكرة المكان منذ أن أنقذ والد عمار حياته في زمن مضى. وهكذا تؤكد الرواية أن الأفعال النبيلة لا تموت بانتهاء لحظتها، بل تظل كامنة في الذاكرة الجمعية حتى يحين موعد عودتها بصورة أخرى. ولعل هذا ما يجعل استحضار مقولة "بول ريكور" أمراً بالغ الدلالة:
"الذاكرة هي الحاضنة التي لا تموت فيها الأفعال".
وإذا كانت الدار العتيقة قد مثّلت الذاكرة، وعمار قد مثّل الغريب الباحث عن موطئ انتماء، فإن النص سرعان ما يفتح باباً آخر أكثر رحابة، هو باب الحب بوصفه وطناً بديلاً. ومن هنا تولد عشتار الرواية؛ لا بوصفها شخصية روائية فحسب، بل باعتبارها رمزاً أنثوياً يتجاوز حدود الجسد والحكاية ليغدو تجسيداً للحب والانتماء والخصب الروحي. إنها الأنثى التي تمنح المكان معناه، وتمنح الغريب سبباً إضافياً للتشبث بالحياة.
وعلى هذا النحو تتحول رحلة عمار من رحلة بحث عن لقمة العيش إلى رحلة اكتشاف وجودي، رحلة منفى وعودة في آن واحد. فقد حمل غربته من الفرات الأوسط إلى أقصى الوسط العراقي، لكنه لم يكن يدرك أن الطريق إلى الانتماء سيمر عبر أنثى المكان، وعبر تلك العاطفة التي استطاعت أن تخفف وطأة المنفى وتعيد صياغة معنى الوطن في داخله. فالغربة هنا لا تُقاس بالمسافات، بل بمقدار ما يفتقده الإنسان من دفء، كما أن الوطن لا يُختزل بالأرض وحدها، بل يتجسد أحياناً في شخصٍ يمنح الروح أسباب الطمأنينة والبقاء.
ومن هذه العتبة التأملية تنطلق القراءة الحالية لتتبع تجليات عشتار في النص، لا باعتبارها شخصية ضمن بنية السرد فحسب، وإنما بوصفها روحاً تسري في مفاصل الرواية كافة. كما تحاول الوقوف عند الكيفية التي استطاعت بها دلة الرواز أن تجعل من الحب فعلاً لمقاومة الغربة، ومن الوفاء جسراً يصل بين الأزمنة، ومن البيت العتيق صورةً مصغرة لوطنٍ قادر على احتضان الغريب وإعادة تعريف معنى الانتماء. وهنا تحديداً تبدأ حكاية عشتار التي وُلدت في أقصى الوسط، لتصبح أكثر من امرأة في رواية؛ تصبح استعارة كبرى لوطن يبحث عن نفسه في مرايا الحب والذاكرة والمنفى.
وإذا كان البيت العتيق قد مثّل في الصفحات السابقة ذاكرة المكان، وعمار قد جسّد الغريب الباحث عن جذور جديدة للانتماء، فإن الأسئلة الكبرى التي تطرحها الرواية تبقى أكثر عمقاً من مجرد حكاية حب أو سيرة غربة. فكيف يمكن للحب أن يتحول إلى استعارة للهوية؟ وكيف تغدو الأنثى مرآة لوطن يتأرجح بين الحضور والغياب؟ وكيف يستطيع المنفى أن يعيد تشكيل الإنسان لا بوصفه مكاناً يرحل إليه، بل بوصفه حالة وجودية تسكنه أينما حلّ؟
ومن هذه العتبة التأملية ندخل إلى فضاء القرية العراقية التي تجعلها دلة الرواز مركزاً لتجلي الرموز وتكثيف الدلالات. إنها تلك البقعة التي تصر الكاتبة على تسميتها أقصى وسط العراق، وكأنها تريد أن تمنح الجغرافيا معنى آخر يتجاوز الخرائط. فالمكان هنا ليس هامشاً منسياً كما قد يبدو للعين العابرة، بل قلباً نابضاً يختزل تناقضات العراق كلها؛ ذاكرة الحروب والحصاد، الفقد والرجاء، العشق والخوف، الثبات والتحول.
وفي هذا الفضاء تحديداً تتقاطع مصائر الشخصيات لتتحول من كائنات روائية إلى علامات رمزية كبرى. هنا تتجسد العنود بوصفها أنثى النص وعشتار المعاصرة، فيما يتجسد عمار بوصفه غواية المنفى ونداء الغريب القادم من ضفاف الفرات الأوسط. ومنذ اللحظة الأولى لا تبدو العنود مجرد فتاة ريفية تخشى الماء وتعشق خبز التنور، بل تظهر وكأنها استعادة حديثة لصورة عشتار القديمة، وقد تخلت عن تيجان الأساطير لتسكن بيتاً طينياً وتشارك أهلها تفاصيل الحياة اليومية.
إنها عشتار أخرى؛ ليست إلهة للحب والخصب فحسب، بل امرأة تحمل على كتفيها أعباء الفقد العراقي كله. فهي تحمل وجع سعيد الذي غاب جسداً وروحاً، ووجع إسماعيل الذي غاب روحاً وبقي جسده معلق في ذاكرة المكان، كما تحمل أوجاع الحصاد والحروب والانتظار الطويل. وهكذا تتحول العنود إلى وعاء رمزي تختزن فيه الرواية أحزان الجماعة وتطلعاتها، حتى ليبدو مصيرها الشخصي متداخلاً مع مصير المكان نفسه.
وفي الجهة المقابلة يقف عمار، القادم بلكنته الجنوبية وذاكرته الممتدة نحو عمق التاريخ. إنه لا يحمل حقيبة سفر بقدر ما يحمل إرثاً حضارياً كامناً في اللغة والتشبيهات والاستعارات. وحين تستحضر الكاتبة "سرجون الأكدي" و "كلكامش" و "نبوخذ نصر"، فإنه لا يمارس استعراضاً ثقافياً، بل يحاول أن يعيد وصل الحاضر بجذوره البعيدة. ولذلك يبدو وكأنه غريب جاء ليذكر المكان بما نسيه عن نفسه، وليعيد تعريف الوطن بوصفه مساحة للذاكرة المشتركة لا مجرد حدود جغرافية.
ومن هنا تحديداً تنجح دلة الرواز في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى إشارات وجودية عميقة. فالخبز لم يعد مجرد طعام، والحصاد لم يعد مجرد موسم، والماء لم يعد مجرد عنصر طبيعي. جميعها تتحول إلى رموز تتجاوز ماديتها لتدخل حقل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحب والانتماء والخوف والحرية. وضمن هذا الأفق الرمزي يغدو العناق الأخير لحظة فاصلة بين عالمين؛ بين الخضوع لسلطة الأعراف وبين الانصات لنداء القلب، بين البقاء في دائرة المألوف وبين المجازفة بالسير في طرق مجهولة.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في الرواية أنها تجعل القارئ يعثر على عشتار في مكان لم يكن يتوقع وجودها فيه. فبعد أن أرهقتنا الحكايات التي تجعل الحب مستحيلاً أو محرماً، تظهر عشتار هذه المرة في قرية نائية اسمها الجرناف، لا وسط المعابد والأساطير، بل بين سنابل القمح ورائحة الطين ودخان التنور. هناك وجدتها متجسدة في العنود، بعنفوانها القروي الأصيل، وفي قدرتها على الجمع بين الرقة والقوة، وبين الخوف والحلم.
كما وجدتها في عمار الذي يحمل أسرار الفرات الأوسط ولهجته التي تحولت إلى هوية موازية، وفي الأم التي تصفها الرواية بالصابرة حتى غدا حجرها وطناً صغيراً يلجأ إليه الجميع، وفي سعيد الذي يعيش معلقاً بين الحياة والموت، وفي أحمد الذي يبدو أقرب إلى توأم الروح منه إلى مجرد شخصية روائية. وبهذا المعنى لا تعود الشخصيات أفراداً منفصلين، بل مرايا تعكس وجوهاً متعددة للذات العراقية في بحثها الدائم عن الاستقرار والمعنى.
ومن ثم تتحول العنود إلى رمز للحب الممكن وسط الخراب، ويتحول عمار إلى رمز للمنفى النبيل الذي لا يفقد إيمانه بالانتماء، فيما تغدو الأم رمزاً للأرض التي تنحني تحت أثقال الزمن لكنها لا تسقط. وهكذا تتسع الرواية لتصبح حكاية عن العراق نفسه، أكثر مما هي حكاية عن أشخاصه.
وعند التأمل العميق في شخصية العنود، تبدو بالفعل "أنثى النص" بامتياز؛ فهي تمارس غواية المنفى من دون أن تدرك ذلك. ففي علاقتها بعمار لا تظهر كعاشقة تقليدية تحركها العاطفة العابرة، بل كقوة خفية تسعى إلى إعادة تشكيل معنى الانتماء لدى الآخر. وكأنها الوطن الذي يحاول أن يتعرف إلى نفسه عبر عيون الغريب، أو كأنها الأرض التي تختبر قدرتها على احتضان من جاءها من بعيد.
ولهذا لم يكن رفضها لحامد، ابن العم الذي يمثل النموذج التقليدي الآمن، مجرد موقف عاطفي أو تمرد عابر، بل كان إعلاناً هادئاً عن رغبتها في كسر القوالب الجاهزة التي تفرضها الجماعة على الفرد. فهي لا تبحث عن حب مألوف يعيد إنتاج السائد، بل عن تجربة استثنائية تشبه فرادتها، وعن شريك يتيح لها أن تكتشف ذاتها خارج الحدود المرسومة سلفاً.
وفي هذا السياق تبدو العنود أقرب إلى عشتار الأسطورية التي تهبط إلى العالم السفلي بحثاً عن معنى جديد للوجود، غير أن نزولها هذه المرة لا يتم عبر بوابات الأسطورة، بل عبر حقول القمح وبيوت الطين ومواسم الحصاد. إنها عشتار وقد تخلت عن ألوهيتها لتصبح إنسانة كاملة الهشاشة. وحين تتحول آلهة الحب والخصب إلى امرأة تفكر وتتردد وتخاف، يبدأ الوجع الحقيقي. فهناك، عند تخوم الخوف والاختيار، تولد مأساة عشتار القروية، وتبدأ رحلة البحث المضنية عن وطن يتسع للحب كما يتسع للحياة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟