أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان.. الذاكرة التي لم تُروَ للكاتب همام الهويش














المزيد.....

شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان.. الذاكرة التي لم تُروَ للكاتب همام الهويش


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 00:04
المحور: الادب والفن
    


في لحظات نادرة، لا يعود الماضي مجرد زمنٍ انقضى، بل يتحول إلى كيانٍ حيّ ينهض من بين طبقات الصمت، ليطرق أبواب الحاضر بوقعٍ وجدانيٍّ كثيف. هناك، حيث تتلاشى الحدود بين ما كان وما صار، لا تعود المسافة الزمنية كافية لطمس الأثر، بل تتكفّل الذاكرة وحدها بإعادة ترتيب المشاهد؛ لا كما حدثت فحسب، بل كما استقرت في أعماق الأرواح من أثرٍ لا يزول.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو الذاكرة محاولةً لاستعادة ما فُقد بقدر ما هي إنصاتٌ لصوتٍ ظلّ يسكن الداخل، يعيد تشكيل الحكايات ويمنح الغياب حضوراً آخر أكثر كثافة من الواقع ذاته. وهكذا، يغدو الماضي ليس مجرد صفحات تُقرأ، بل مرآة تُستدعى، تعكس الحنين وتعيد توجيه الوعي نحو ما يمكن أن يُفهم من التجربة لا ما يُروى منها فقط. ولهذا المعنى تحديداً، يقول الفيلسوف الإسباني "جورج سانتيانا":
"من لا يتذكر الماضي محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى".
غير أن المفارقة الأعمق لا تكمن في تكرار الماضي، بل في ضياعه. فحين تموت الحكايات في صدور أصحابها، وتُدفن التجارب مع من عاشوها، لا يخسر المجتمع أحداثاً فحسب، بل يخسر جزءاً من ذاكرته الأخلاقية وهويته الوجودية. ومن هنا، تكتسب رواية عبدالله الفيحان.. الذاكرة التي لم تُروَ للكاتب همام الهويش قيمتها، بوصفها محاولة لإنقاذ ما تبقى من ذاكرة مهددة بالغياب، وإعادة الاعتبار لأصوات لم تجد طريقها إلى السجلات الرسمية، لكنها بقيت حيّة في الوجدان الجمعي.
وبذلك، لا يمكن قراءة الرواية كسيرة فرد بالمعنى التقليدي، بل كسيرة زمنٍ كاملٍ تجسّد في شخص واحد. فعبدالله الفيحان لا يُقدم بوصفه ذاتاً معزولة، بل بوصفه مرآة لمرحلة تاريخية مضطربة، شهدت انهيارات كبرى وتحولات عنيفة، من أفول الدولة العثمانية إلى الاحتلال البريطاني، وما تلا ذلك من مقاومة ونزوح وصراعات شكّلت ملامح العراق الحديث. وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور":
"الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي فعل مقاومة للنسيان".
وعليه، فإن الرواية لا تكتفي باسترجاع الوقائع، بل تمارس فعلاً مضاداً للصمت؛ إذ تتحول الذاكرة فيها من مخزن للأحداث إلى موقفٍ أخلاقي، ومن أداة استذكار إلى مقاومة رمزية لسلطة الإهمال والتغييب.
ومع التعمق في النص، تتكشف مفارقة جوهرية بين التاريخ المكتوب والتاريخ المحفوظ في الذاكرة الشفوية. فكم من حادثة لم توثقها الوثائق، وكم من اسم لم يظهر في التقارير الرسمية، ومع ذلك بقي حيّاً في تداول الألسنة والوجدان الجمعي. وكأن الحقيقة، في بعدها الفلسفي، لا تقيم فقط في الأرشيف، بل تتوزع بين الذاكرة الشعبية، وروايات الجدات، وأصوات المجالس، والقصائد التي تحفظ ما عجز الورق عن احتوائه. وفي هذا السياق، يذهب الفيلسوف الألماني "فالتر بنيامين" إلى القول:
"ليس التاريخ ما كتبه المنتصرون فقط، بل ما بقي عالقاً في ذاكرة المنسيين".
ومن ثم، يمكن قراءة الرواية بوصفها إعادة تفكيك لمركزية السرد التاريخي، ومحاولة لاستعادة الهامش بوصفه مصدراً آخر للحقيقة، لا يقل أهمية عن السرديات الكبرى.
لكن أهمية الرواية لا تتوقف عند حدود التوثيق، بل تتجاوزها إلى بناء صورة إنسانية مركبة لعبدالله الفيحان؛ فهو المقاوم حين يُستدعى الفعل، والفلاح حين تستدعيه الأرض، والشاعر حين يضيق به الواقع، وصاحب النخوة حين يناديه الآخرون. وبهذا المعنى، تنتقل الرواية من مفهوم البطولة التقليدية إلى أفق أوسع؛ أفق الإنسان بوصفه حاملاً للقيم في زمن التناقضات.
ومن هنا، حرص النص على جعل القيم هي البطل الحقيقي خلف الأفعال. فالشجاعة لا تنفصل عن الكرامة، والكرم لا ينفصل عن الرحمة، والمقاومة لا تنفصل عن الإحساس بالآخر. ولذلك، لا يخرج القارئ من الرواية محمّلاً بالأحداث فقط، بل محمّلاً بمنظومة أخلاقية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومحيطه. ومن ثم، تبدو الشخصيات الثانوية والأحداث الصغيرة في الرواية ليست هوامش، بل جسوراً تربط الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية، وتؤسس لاستمرارية المعنى عبر الأجيال.
ومن زاوية أخرى، يبرز المكان بوصفه كائناً ذا ذاكرة موازية للإنسان. فالصينية، وبيجي، ومكحول، ودجلة، وسكك الحديد ليست مجرد جغرافيا محايدة، بل شواهد حيّة على الزمن. فالمكان هنا لا يُسكن فقط، بل يَشهد، ويحتفظ، ويعيد إنتاج الحكاية بصمته الخاص، ليغدو شريكاً في بناء الذاكرة لا مجرد خلفية للأحداث.
ومع استمرار القراءة، يتبلور سؤال فلسفي أكثر عمقاً: لماذا بقي عبدالله الفيحان حاضراً في الذاكرة رغم غياب الوثائق الكثيفة؟ والإجابة لا تكمن في حجم الأحداث، بل في طبيعة الأثر. فالأفعال حين تتحول إلى معنى تتجاوز زمنها، بينما الوقائع المجردة تميل إلى التلاشي. وكما يقول "ألبير كامو":
"الإنسان هو مجموع ما فعل، لا مجموع ما كان ينوي فعله".
ومن هنا، يتضح أن حضور الفيحان في الذاكرة الشعبية ليس ناتجاً عن سرد بطولي، بل عن كثافة أثر تحول إلى رواية شفوية ثم إلى شهادة ثم إلى ذاكرة جمعية متوارثة.
وفي المحصلة، لا تقدم الرواية تاريخاً بديلاً بقدر ما تقدم قراءة أخرى للتاريخ؛ قراءة تُنصت لما لم يُكتب، وتمنح الصوت لما تم إسكاتُه. إنها تذكير بأن الماضي لا يغيب تماماً، وأن بعض الشهادات تظل تقاوم الفناء، لأنها ببساطة لم تُخلق لتُنسى.
وهكذا، لا تبدو الرواية مجرد استذكار لسيرة رجل، بل دفاعاً عن الذاكرة بوصفها شكلاً من أشكال الوفاء، ومحاولة لإعادة الحياة إلى ما ظنه التاريخ قد انتهى، بينما ظل في الحقيقة ينتظر من يُنصت إليه من جديد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...


المزيد.....




- ما الجديد في فيلم -Disclosure Day- للمخرج ستيفن سبيلبرغ؟
- -الأمير- يدخل التاريخ.. أضخم مسلسل عربي بميزانية تتجاوز المل ...
- فنانة مصرية شهيرة تنجو من حادث مروع
- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- شغف عمره 40 عاما ينتهي بحادث مروع.. تفاصيل الساعات الحرجة لل ...
- الكويت تسحب جنسيتها من أحد أبرز الكتاب والروائيين العرب
- من عاصمة البن العالمية إلى مدينة منسية.. هل ينقذ الفن المخا ...
- كائنات حية وآلات طائرة ومنحوتات غامضة.. من يقف وراء هذه الأع ...
- 4 حكايات في ليلة زفاف واحدة.. هل قال -الكلام على إيه- ما سكت ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان.. الذاكرة التي لم تُروَ للكاتب همام الهويش