داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 00:57
المحور:
الادب والفن
يخفتُ نبضُ قلبِ أزهار، ثم يعلنُ فجأة ثورته، وهي تستمعُ إلى لحنِ أغنيةٍ تُذكرها بخالد، فينبثقُ خفقانُ الشوق، ويتراقصُ النبضُ في قريتها المزروعة على سفوحِ التلالِ شرقِ نهرِ دجلة، في غرفتها في الطابقِ الأول على الجنوبِ من مركزِ القضاءِ الذي يشقه ذلك النهر إلى نصفين. فلا بد أن يكونَ لحناً يحملُ لغةَ الروحِ والحنين، يصدحُ بأنشودةٍ تراقصُ الفراشاتِ بألوانها الزاهية، وتداعبُ الزهورَ الغانية. تدورُ وتدور مع ذلك اللحن، تبحثُ عن القلبِ الذي غادرَ منذ أسابيع، فترتجفُ شغافه الذي يسكنُ فيه، ثم لتنتقلَ على شكلِ شحناتٍ إلى جميعِ أوصالها.
كيف لها أن توقفَ خفقانَ الشوقِ الجارف؟ وتَراقصُ النبض؟ وهذا الولهُ المتدفقُ من الأعماق، والمشاعرُ التي تُظهر وكأنهما توأمان في الروح، وذلك الماضي الذي لا زالَ حاضراً في عمقِ الذاكرة، وتسللُ روحيهما التي لا يمكنُ أن يُخفياه، فتفضحهما خلسةُ النظراتِ، وإن بَعدتْ المسافاتُ وزادتْ الفواصلُ، فقصتُهما منقوشةٌ في الوجدان، لا تعترفُ باستحالةِ اللقاء، ولا باحتمالية الرحيل.
في ليلةٍ سابقة، قبل أن تعلن الحربُ عن وجهها، كانا جالسينِ على ضفةِ دجلة، والقمرُ يرش خيوطَه الفضية على الماء. يمسك خالد يدها بهدوء:
- أزهار، أتسمعينَ هذا الخفقان؟ إنه ليس نبضَ النهر، بل نبضُ قلبي حين يلقاكِ. أحياناً أخافُ أن تكوني سراباً، وأن أصحو على غيابكِ، فأجدني أبحثُ عنكِ في تفاصيلِ الهواء.
تخفض بصرها، ثم ترفعه بنظرةٍ ثاقبة:
- لا تقلْ هذا يا خالد. فأنا لستُ سراباً، بل أرضٌ تتعطشُ لكَ كل صباح، وغيابكُ عني هو الجفافُ بعينه. لكني أخافُ مما يأتي، أخافُ من طبولٍ لا نراها، لكننا نسمعُ دويها من بعيد.
يقترب منها، وتكاد أنفاسه تلامس وجنتها:
- الحربُ يا أزهار ليست إلا فوضى عابرة، كعاصفةِ ربيعٍ تجتاحُ الحقولَ ثم تنصرف. سأعودُ، وسأجعلُ منكِ أجملَ عروسةٍ في المنطقة، ولن أهربَ من قفصِكِ الذهبي كما ترينَ ذلك في أحلامِكِ المتكررة.
بصوتٍ ممتزجٍ بالدعابة والجد ترد عليه:
- قفصي الذهبي؟ يا خالد، أتدري أني لم أرد يوماً أن أحبسك، بل أردتُ أن تكونَ لي وطني الذي لا يسقط، وسماءً لا تغيمُ فيها طبولُ الحرب. لكني خائفة… خائفةٌ من أن تكونَ كلماتُك هذه هي آخرُ ما تمنحني إياه قبل أن تغيبَ خلفَ التلال.
يبتسم خالد، ويلمس خصلاتِ شعرها المنسدلة كالليل:
- يا صغيرة، هل تظنينَ أن الموتَ يستطيعُ أن يسرقَ حباً نبتَ بين ضفتي هذا النهر؟ الموتُ لا يُلغِي العشقَ، بل يمنحه أبدية أعمقَ. انظري إلى دجلة، إنها تمضي رغمَ كل شيء، وحين تعودُ تتركُ خلفها طيناً خصباً. هكذا سنكونُ نحن.
تعودُ أزهارُ إلى كلماتِ الأغنية، تنصتُ إليها، تجدها تخرجُ من القلب، بذبذبةٍ تنطلقُ من قِيثارةٍ صُنعتْ أوتارها من جدارِ ذاتِ القلب، وبلحنٍ يعزف سيمفونيةَ الروحِ في عالمٍ بعيدٍ عن الشبهاتِ، بعيداً عن ضجيجِ الحياةِ وصخبها. فتعيدها من دون وعي إلى منابعِ الدفء، إلى تلك الهمساتِ التي تُخرج ذلك الجنون الذي طالما تسترتْ عليه، إلى تلك الابتسامة التي تأخذها إلى دروبِ الهلوسةِ، إلى القهقهات، إلى أسرارِ اللحاظ التي تُظهر الشوق ما بين الجنبات، فتقتلُ على صخرةِ الليلِ ذلك الوجدَ القاتل، لتغلقَ نوافذَ الانتظار كلها التي تخيفها، وقصصَ الوجدِ والنوى، كي تتهلهلَ السرائر.
على أنها تجدُ في ذاتِ الوجد وفي لحظاتِ الانتظار تلك، لهفةٌ متبادلةٌ تولدُ مع محاكاةِ النفسِ وتخاطرٌ ما بين الأرواحِ حينما يجبرها الشوقُ على ذلك، في حياةٍ تواجدَ فيها اللقاءُ والوداع، وانتظارٌ قد يطول، لتبقى الذكرياتُ تجوبُ في الأماكن، بعد أن اختلطَ الوفاءُ بمكوناتِ دمها، وتعشعشُ في أرجاءِ الروح. فما أجملَ حديثَ القلبِ للقلب، وما أجملَ حديثَ الروحِ للروح، حينما يكونُ العشقُ عذرياً، يسمو بنكهاتٍ طفوليةٍ وأمنياتٍ بريئات، ليكون أسمى وأزكى، فيكون للولهِ لغة، وللعيونِ لغةٌ أخرى، وللابتسامة كذلك. حينها يكونُ صوتُ الحبيبِ خالدٍ يدخلُ المسامع، كأنه لحنٌ ملائكي يمكنه أن ينتشلَ الروحَ، ويصعدُ بها إلى الأعالي، لتنسجَ من خيوطِ الشمسِ قيثارة، تعزفُ لحنَ البقاءِ على العهد.
في إحدى الليالي، وقد اشتد القصفُ على البلدة، كانت أزهار ترتجف خلف النافذة، وخالد يحدق في السماء المثقوبة بالصواريخ، عبر الهاتف المَشُوش.
أزهار بصوتٍ مخنوق:
- خالد، أتسمع؟ القصفُ يقترب. أحس بأن الليلَ يبتلعُ كل الأصوات، إلا صوتَك. أخبرني، كيفَ نستطيعُ أن نكونَ حاضرينَ معاً، والمسافاتُ تتعمقُ كالجروح؟
يضحك ضحكةً مجروحة:
- المسافاتُ يا أزهار ليستْ سوى وهمٍ بصري. الروحُ لا تعترفُ بالكيلومترات، فهي تطيرُ حيث تشاء. انظري إلى القمر، إنه واحدٌ للجميع، لكن كل عاشقٍ يراه من نافذته. نحنُ الآن ننظرُ إلى القمرِ نفسه. أفلا يكفينا هذا؟
تنهدتْ أزهار:
- لكن القمرَ باردٌ، والقصفَ ساخنٌ. وكيفَ لي أن أدفنَ خوفي في جوفِ هذا اللحن الحزين؟ كلما أغلقتُ عيني، أراكَ تتهاوى كجدارٍ طيني. أحتاجُ إلى كلمةٍ منك تكونُ أقوى من الرصاص.
خالد يخفض صوته، كأنه يهمس للريح:
- الحربُ يا حبيبتي ليستْ سوى انعكاسٍ لخوفِ البشرِ من أنفسهم. إننا نصنعُ الموتَ بأيدينا، ثم نبكيه. لكن حبنا، هذا الحب الذي لا يُرى، إنه صنوُ الخلقِ نفسه، لا يستطيعُ الرصاصُ أن يقتلَه، لأن الرصاصَ ابنُ الأرض، والحب ابنُ السماوات.
يطولُ الغياب، ويطولُ الشوق، وتدلهم الخطوب، وتكثرُ علاماتُ الاستفهام التي تشردُ بها، يجمعها الليلُ في مكانِ الانتظار مع الأحزانِ كلها، حتى مع التي غادرتها منذ الصباح، والصمتُ حادٌ يصم الآذان، وطيفُ خالدٍ يزورها في اليقظةِ والمنام. لكنها الحرب، ما أن دقتْ طبولُها حتى استهامَتْ به أكثر، ثمةُ عاصفةٍ من الأحاسيسِ تضطرمُ في صدرها، يداهمها صوتٌ في دواخلها.
- الشظيةُ لا تمتلكُ الرحمة، قد تخترقُ جسده لا قدرَ الله.
- اصمتْ أو اُقتلِ الصمتَ بغيرِ ذلك.
- وبماذا سأقول؟
- وكيفَ لي أن أدفنَ مشاعري في أعماقِ فؤادي؟
كل الأشياء بدتْ خاوية، لا روحَ فيها، لذا طارَ فكرُها بعيداً، ازدادتْ خوفاً ووجلاً، وبدأتْ تناجي الله في أن يحفظه، تتمتمُ في ذاتِ الدعاء في كل مساءٍ، والدموعُ ترافقُ وهجَ اللسانِ المرتجفِ لتفتقدَ بعضَ الحروف، ويتأرجحُ الحُب على حافةِ النهايةِ كما يحدثها قلبها في ذاتِ المساء.
- يكافحُ خالدٌ الآن على أرجوحةِ الموت.
تُجيبُ وقد بدأ قلبها يخفقُ باختناق، ودقاته تُسمع عبر ردائها:
- اصمتْ.
يرد المكانُ صدى صوتها المرتعش، أخذتْ تتقلبُ في دوامةِ شكوكها، وعينيها تتوامضان في كل اتجاه، والسماءُ خلَعَت لونَها بمزيدٍ من البرودة، لذا توشحَتْ بمعطفها الصوفي، عسى أن يتبددَ الخوفُ الذي أخذ يجتاحها، والأفكارُ لم تتركها، تتوافدُ في ذهنها ثم تخرجُ لتعودَ من جديد، صورٌ تمتزجُ مع بعضها، الجدرانُ تختفي، السقوفُ تتلاشى، وإلى أن خط الفجرُ خيطاً ذهبياً من فراغٍ في النافذة.
مع أول خيطٍ للضوء، جلست أزهار على حافة السرير، وحاولت أن تخاطب ذاتها كأنها تخاطب روحاً أخرى:
- هل يعقلُ أن يكونَ الفجرُ جميلاً بينما قلبي مأتمٌ؟ كيفَ للشمسِ أن تشرقَ ولا تخجلُ من دموعِ البشر؟ ربما لأنها تعلمُ أن الظلمةَ مؤقتة، وأن النهارَ وعدٌ لا يُكسَر. لكن وعدَ خالدٍ، أين هو؟ هل اختلطَ بغبارِ المعارك، أم تحولَ إلى سرابٍ يتراءى للعطشى؟
يجيبها صوتُها الداخلي:
- يا أزهار، العشقُ العذري ليسَ هروباً من الموت، بل هو موتٌ متعمدٌ للأنانية. إنكِ لم تعودي تملكينَ نفسَك، بل صرْتِ ملكاً لِما يحملهُ الغائبُ في جيبِ الغيب. فكوني شامخة كالنخل، فإن النخلةَ تموتُ واقفة، وكأنها تعلنُ أن السقوطَ ليسَ من شيمِ العشق.
جالَ في خاطرِها بأن تحاولَ أن لا تبالي بأي شيء، أن تهربَ من عالمِ جنونها، كأنها تحاولُ أن تفقدَ ذلك الخوف، أن تتجاوزَ محطاتِ الانكسار تلك، لتعودَ إلى ذاتِ الحُب الذي يبعثُ في دواخِلها الأمان، فتهربُ بروحها إلى الطرقات، الأزقة، في كل معلمٍ يمدها بخيطِ الحنينِ إلى الماضي، ومحاولةُ الهروبِ من الواقعِ الذي بدأتْ تستشعرُ الضبابَ الذي أخذ يجتاحه، تبحثُ عن بصيصِ أملٍ، عن لحظاتٍ تتناسى فيها عن ذلك الأنينِ الموجع، عن الحنينِ الذي لا يمكنه أن يهدأ لمجردِ التلاقي، أو الابتعاد بمسافات، فالذاكرةُ لا تعترفُ بكل هذا، لا تعترفُ بالمسافاتِ طالتْ أو قصرتْ، فلا بدَ لها أن تسرح، أن تسمو في الملكوتِ، أن تتغذى بذلك الماضي ولو بهيئةِ ومضات، أو على شكلِ همسات، فالأماكنُ حسب ما تشعرُ لها عيونٌ ترقبُ القادم، فهي لا تنسى الأسماء، الهيئة، وقع خطوات العاشقين، صوتهم ألحان، وإنْ تهالكتْ، ففي لحظةِ اللقاء، كافيةٌ أن تعيدَ عقاربَ الساعةِ إلى الوراء، لتعيدَ وهجَها من جديد.
عادت لتتذكر قبل أن يغادرَ خالد إلى الجبهة بثلاثة أيام، كانا يتسكعان في سوق القرية القديم، بين أكشاكِ البهارات والأقمشة. أزهار تتأملُ عينيه:
- خالد، لماذا تنظرُ إلي كأنك تودعُني إلى الأبد؟ أليسَ الوعدُ بأنك ستعودُ؟
يبتسم، لكن عينيه تحملانِ ضباباً:
- لأنني يا حبيبتي أرى في عينيكِ كل العمر الذي لم نعشه بعد. الموتُ ليسَ نقيضَ الحياةِ كما يظنون، بل هو بابٌ آخر، لكنني سأقاتلُ لأبقى في هذا الباب، عند عتبتِكِ أنتِ. اسمعي: إن لم أعُد، فلا تبكي علي، بل ابكي على تلك السنواتِ التي سرقها الغيابُ منا. لكن إن عدتُ، فسأخلعُ عني ثوبَ الحرب، وألبسُ ثوبَ العرسِ، وأسيرُ بكِ بين الحقولِ كأننا أولُ خلقِ الله.
تدمعُ عيناها:
- لا تتحدثْ هكذا. الحربُ ستزول، وأنتَ ستعود، وسنضحكُ على خوفنا هذا. لكني أتساءل: كيفَ للحب أن يكونَ بهذه القوةِ رغمَ أن كيانَه من هشاشةِ الخيال؟
يمسحُ خالد دمعتها براحته:
- العشقُ العذري يا صغيرتي ليسَ هشاً، بل هو الجذرُ الذي يضربُ في صخرِ الوجود. قد تموتُ الأجسادُ، لكن الأرواحَ تتعانقُ حيث لا ترى العيون. اسمعي: سأتركُ لكَ هذا الخاتمَ، ليسَ ليحتجزكِ، بل ليكونَ تذكاراً بأن الحب أكبرُ من كل الخرائط.
ثم يضيف:
- أنا لا أخشى الحربَ يا أزهار، إلا أني أخشى دعاءَ والدتِكِ، فلقد سرقتُ منها قلبَ ابنتها الوحيدة.
- لا عليك، فقلبي متيمٌ بك.
يبتسمُ خالد، ثم يضيف:
- إن لم أعُد، فهل ستعانقينَ نعشي يا أزهار؟
- أرجوكَ لا تقلْ هذا، فقد تقتلَ روحي وتشل أوصالي.
- عِديني بتقبيلِ ذلك النعش.
- الشيءُ الوحيدُ الذي نكافحُ فيه اقترابَ شبحِ الفقدِ هو الحُب.
ثم تُضيف:
- أرجوك، قل لي بأن الحربَ ستنتهي بسرعةٍ كما كنتَ تقولُ لي ذلك في المراتِ السابقة.
شعرَ خالد برعشةٍ تسري في بدنه، لذا قال:
- إذن، ثرثري عند قبري.
هزتْ رأسَها دلالة بالرفض:
- ستعودُ لي قريباً، أنا واثقةٌ من ذلك.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟