أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: عروس الحجر















المزيد.....

قصة قصيرة: عروس الحجر


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 00:17
المحور: الادب والفن
    


كان نيسان يقترب بخطواته المفعمة برائحة الربيع، فيما كانت قرية آشورية صغيرة قرب قلعة آشور تستريح على ضفة دجلة كطفلٍ غفا على صدر أمه. هناك، بين الحقول والبساتين، كانت الحياة تمضي ببطء جميل، لا يعكر صفوها سوى تبدل الفصول.
في تلك الأيام، لم تكن الفتاة تفكر بشيء أكثر من بيت صغير تحلم به مع الشاب الذي أحبته منذ الطفولة، كانا قد كبرا معاً، لعبا على ضفاف النهر، وتخاصما كالأطفال ثم تصالحا، وركضا بين السنابل، حتى بدا وكأن الزمن قد كتبهما في صفحة واحدة، وكان كل شيء يسير نحو نهايته الطبيعية، إلا وهو الزواج. بيت بسيط، وحياة تشبه حياة آبائهما.
في إحدى الأمسيات جلسا قرب دجلة، يتأملان انعكاس الشمس الأخيرة فوق الماء، كانت الريح تحرك خصلات شعرها بينما كان هو يرسم بعصا صغيرة خطوطاً متعرجة على التراب.
قالت وهي تشير إلى قطعة أرض قريبة:
ـ هناك أريد بيتنا.
رفع رأسه مبتسماً.
ـ وهناك سأزرع شجرة تين.
أضافت:
ـ وغرفة للأطفال.
ضحك قائلاً:
ـ بل غرفتين.
تداخلت ضحكاتهما مع خرير الماء، ولم يكونا يعلمان أن القدر كان يهيئ لهما طريقاً آخر.
في صباح اليوم التالي دخل رجال الملك إلى القرية، كان مجيئهم يعني شيئاً واحداً، فلقد اقترب موعد عيد نيسان، العيد الذي تختار فيه المملكة أجمل فتاة لتكون عروساً للإله آشور.
تجمع الناس في الساحة، وقف كبيرهم يتوسط الجمع، ثم أعلن الاسم.
ساد الصمت لحظة، ثم انفجرت الزغاريد. أما هي فشعرت أن الصوت يأتي من مكان بعيد، بعيد جداً، كأنها لم تعد تقف بينهم، لم تسمع سوى اسمها يتردد في الهواء. التفتت إلى أمها، كانت تبكي فرحاً. أما والدها فقد انحنى شاكراً الآلهة على هذا الشرف العظيم.
شعرت أن الجميع سعداء إلا قلبها، ذلك القلب الذي أدرك أن أحلامه الصغيرة أصبحت مهددة بالموت.
وصل الخبر إليه قبل أن يراه أحد، كان واقفاً في موقع الحراسة قرب النهر عندما جاءه أحد أبناء القرية مهنئاً. نظر إليه غير مصدق، ثم انفلتت عيناه نحو الأفق البعيد، ظل صامتاً طويلاً. لم يكن يعرف ما الذي يؤلمه أكثر، أن يفقدها، أم أن الجميع يرون خسارته نعمة.
في المساء التقيا قرب النهر، لم يقترب أي منهما من الآخر كما اعتادا، بل جلسا يفصل بينهما امتداد من الصمت. كانت المياه وحدها تتكلم. أخيراً قالت:
ـ يبدو أن نيسان لا يحمل الورد دائماً.
أطرق برأسه. ثم قال بصوت خافت:
ـ ما زال هناك وقت.
هزت رأسها، كانت تعرف أن القرارات التي تخرج من البلاط الملكي لا تعود إليه.
بدأت القرية تستعد للاحتفال، الخياطات يعملن ليل نهار، والنساء يتحدثن عن الحظ العظيم الذي نال الأسرة، والكهنة يزورون البيت باستمرار. أما الفتاة فكانت تتحول شيئاً فشيئاً إلى غريبة داخل حياتها، كانت تنظر إلى الناس وتتساءل:
- كيف يمكن للحزن أن يرتدي ثوب الفرح؟
في الليل كانت تقف قرب نافذتها وتراقب النجوم، كل شيء في السماء يبدو حراً، إلا البشر.
في اليوم الثالث، بدأ الشاب يفكر بالهروب، كانت الفكرة تهاجمه كالعاصفة، أن يأخذها بعيداً، إلى أي مكان، إلى أي أرض لا تصل إليها أوامر السلطة. لكن كل مرة كان يقترب فيها من القرار، كانت صورة أمه المريضة تعود إليه، ويعلم أن عقوبة التمرد لن تقع عليه وحده، بل على أسرته كلها. وهكذا وجد نفسه محاصراً بين الحب والواجب، بين القلب والخوف.
مر اليوم الذي يليه. كانت الفتاة تسير بين الحقول للمرة الأخيرة، تمرر أصابعها فوق السنابل كأنها تودعها .ثم توقفت عند المكان الذي كانا يلتقيان فيه دائماً، كان هناك ينتظرها. وقفت أمامه طويلاً. ثم قالت:
ـ أتدري ما الذي أخشاه؟
رفع عينيه نحوها.
ـ أن يمر الزمن فأصبح ذكرى.
اقترب خطوة، وقال:
ـ بعض الناس لا يصبحون ذكرى.
يصيرون جزءاً من الروح.
لم تجب، لكن دمعة صغيرة كانت كافية لتقول كل شيء.
في اليوم الخامس امتلأت القرية بالوافدين من المدن والقرى المجاورة، الأعلام ترتفع، والأناشيد تتردد، والجميع ينتظر عيد نيسان. أما هي فكانت تشعر وكأن الاحتفال كله قد أقيم فوق أنقاض حلمها.
وفي تلك الليلة لم تستطع النوم، كانت تسمع أصوات الناس في الخارج، وتفكر ببيت لم يُبنَ، وأطفال لم يولدوا، وحياة كانت قريبة جداً ثم ابتعدت فجأة.
مع بزوغ فجر اليوم السادس، ارتدت الثياب التي أعدت لها مجبرة، وضعت الحلي الذهبية، ورأت نفسها في المرآة البرونزية. بدت جميلة، جميلة إلى حد أن قلبها ازداد ألماً، لأن هذه الزينة لم تكن من أجلها، ولا من أجل من أحبته، بل من أجل طقس لا تريده.
وجاء اليوم السابع، يوم نيسان. تقدمت العربة وسط احتفال مهيب، الطبول تدوي، والناس يلوحون بالأزهار، والكهنة يتقدمون الموكب. أما هي فكانت تنظر إلى الوجوه بحثاً عن وجه واحد، حتى رأته. كان يقف بملابس الجندية، يحمل رمحه قرب الطريق المؤدي إلى الزقورة. التقت عيناهما، وللحظة قصيرة بدا العالم كله ساكناً، لا طبول، لا أصوات، لا جموع، فقط عينان تحاولان قول ما عجزت الكلمات عن قوله.
أراد أن يخطو نحوها، أن يوقف الموكب، أن يعلن رفضه أمام الجميع، لكن قدميه بقيتا ثابتتين، وبقيت هي داخل العربة.
ومضى الموكب. ارتفعت الزقورة أمامها شامخة كجبل من حجر، صعدت الدرجات ببطء. كانت تشعر مع كل درجة أنها تبتعد أكثر عن حياتها السابقة، حتى بلغت القمة. استقبلها الكاهن، ثم قادها إلى غرفة مقدسة تتوسطها تمثال ضخم للإله آشور. نظرت حولها باستغراب. وسألت:
ـ أين الإله؟
ابتسم الكاهن بثقة، وقال:
ـ سيهبط من السماء مع حلول الليل.
ثم انصرف.
جلست تنتظر، مر المساء، ثم انتصف الليل، ثم مضت الساعات الواحدة تلو الأخرى. لم يهبط شيء من السماء، لم يتحرك التمثال، لم تسمع سوى صمت الحجر. في تلك اللحظة بدأت الشكوك تتسلل إلى روحها.
وحين جاء الفجر، كانت الحقيقة واضحة أمامها، الحجر ما زال حجراً، والإله لم يأتِ، والأسطورة التي صدقها الجميع لم تكن سوى خديعة قديمة.
شعرت بأن شيئاً في داخلها قد انكسر إلى الأبد، فجلست قرب التمثال وأخذت تبكي، ليس لأنها فقدت حبيبها فقط، بل لأنها اكتشفت أن البشر قد يمنحون الخداع قداسة تكفي ليورثوه للأجيال.
في الصباح أعلن الكهنة أن الإله اختارها لتكون كاهنة للمعبد، استقبل الناس الخبر بالفرح. أما هي فكانت تعرف الحقيقة، وحدها، مثلما يعرف الحجر أنه حجر مهما أحاطوه بالبخور والتراتيل.
في المساء وقف الشاب على ضفة دجلة، كان الغروب يصبغ المياه بلون الدم، رفع عينيه نحو الزقورة البعيدة، بدت ساكنة وسط الأفق، شعر بأن جزءاً منه يقف هناك، في الأعلى، خلف الجدران الحجرية.
وفي اللحظة نفسها كانت هي تقف عند نافذة المعبد، تنظر إلى النهر. لم يكن أحدهما يرى الآخر، لكن كليهما أحس بوجود الآخر، كأن الأرواح تمتلك طرقاً لا تعرفها الأجساد، طرقاً لا تستطيع الجدران إغلاقها، ولا تستطيع الطقوس محوها.
ابتسمت وسط دموعها، وابتسم رغم الألم الذي يسكنه، فقد أدركا أخيراً أن المعبد استطاع أن يفصل بين جسدين، لكنه عجز عن الوصول إلى ما هو أبعد من ذلك، عجز عن الوصول إلى الروح.
لذا ظل الخيط الخفي بينهما ممتداً فوق النهر، وفوق الزقورة، وفوق كل ما بناه البشر من أسوار، خيطاً لا يُرى، ولا يُقطع، ولا يموت، إنه الحب الذي تحول من حلمٍ صغير على ضفة نهر... إلى قدرٍ يسكن الأرواح.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: عروس الحجر