أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها















المزيد.....

قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 02:26
المحور: الادب والفن
    


كان الخريف يثقل تلك الأيام بلون باهت لا يشبه المواسم الأخرى. يجلس في غرفته الضيقة على ذات المقعد الذي اعتاد الجلوس فوقه، يبحث عن قدر من الأمان، ويحاول أن يهزم الخوف الصامت الذي يتمدد داخله. سرير خشبي، مكتبة مزدحمة بعشرات الكتب، بعضها متراكم على المنضدة القريبة من رأسه. لم يكن يفتح النافذة إلا عند الظهيرة، ليصل خيط من الضوء إلى زوايا الغرفة المثقلة بأشياء غير ذات أهمية.
في إحدى تلك الزوايا كانت قطة مكورة حول نفسها، تبث سكوناً يثقل الهواء وكثيراً ما كان تأثيرها يجعله يغلبه النعاس بصمت، فيستسلم لنوم خفيف بعد أن يطفئ المصباح، تاركاً عينيه مفتوحتين في ظلمة الغرفة، كأنه وحيد في ظلمة هذا العالم. وحين يستيقظ من تلك الإغفاءة، يحاول أن يقرأ الكتاب الذي بين يديه، ليبتعد عن كل ما يحيط به، ويكف عن مطاردة تلك الظنون الفكرية التي تتكاثر كلما حاول إسكاتها. غير أن فكره سرعان ما ينفلت بعيداً في متاهة من الشكوك، فيكاد يرمي ذلك الكتاب جانباً ويخرج رغم برد الخريف، عسى أن يتخلص من فكرة واحدة ظل يحدث بها نفسه بإلحاح مزعج.
على ضوء ذلك، كان يتساءل بصوت يختلط فيه الحزن الشرقي بتعب الأيام، حتى كاد صوته يقطع أنفاسه، وإلى أن بدأت المساجد تكبر للصلاة محطمة صمت الليل الخريفي الطويل، قال في أعماقه:
- هل يمكن أن يهزمني هذا الحزن؟
منذ أن أحيل إلى التقاعد، اعتاد هذا الحال، يجلس وحيدا في مواجهة نصف الحياة المتبقي، لا كما ينبغي أن تكون، بل كما فرضت عليه. كان يعتقد أن التقاعد هو بوابة عبور إلى زمن آخر من الهدوء، فإذا به يتحول مع الوقت إلى عادة مستحكمة، أشبه بإدمان لا يشبع، تتوالد أطياف متداخلة لذات واحدة، تضغط في أعماقه بلا هوادة:
وخلال تلك الأيام، كان سؤال واحد يعاود الحضور في داخله، ينخر بصمت، ولا يوجد له جواباً يطفئ لهيب قلبه المضطرب كلما تذكره:
- هل تمكنت أن أمنع أن يكون الفقراء وقوداً للأغنياء؟
وكان سؤال أشد إيلاماً يتسلل من بين شقوق اليأس:
- وإن لم أتمكن.. فهل متُ وأنا على قيد الحياة؟
في تلك اللحظة التي انشقت عن زمنها، حاول أن يجيب نفسه وكأنه يتعامل مع شعور وهمي:
- وهل الموت يرتكب أخطاء؟
كان يعرف في داخله أن الاعتراف بالهزيمة لم يكن ضعفاً، بل نتيجة ظروف أكبر من قدرته على الاحتمال؛ شعره الخفيف، نظرته الشاحبة، ملابس ما زالت تنم عن ذوق رفيع رغم انطفاء الروح خلفها. كل ذلك لم يكن سوى قشرة تخفي تعبه وارتباكه، فالشعور بالوحدة كان أكثر ما يتهدد توازنه.
سنوات طويلة قضاها بعيداً عن قريته المزروعة على الضفة الغربية لدجلة، انغمس في عمله حتى نسي ملامحه الأولى، وبنى حوله جدارا عالياً يظن أن العقل قادر وحده على أن يوازي العالم، وأن الروح يمكنها أن تتحمل ما لا يتحمله الجسد. وربما لأن طفولته كانت مشحونة بشظف العيش وقساوة البدايات، ظل يحلم بمجتمع لا ينهشه الحرمان، ولا يُستهلك فيه الفقراء كقيمة خام لصناعة مجد الآخرين.
ومع مرور الزمن، تأثر بطبيعة المدينة، وابتلعته عفوية العلاقات المنفصلة بين الناس، فلم يكن لأحد علاقة بأحد إلا بالمصادفة، أو عبر مجاملات عابرة، فيضطر هو إلى مجاراة الناس كما هي، فيحاول أن يخفف من تلك الطاقة السلبية التي تكتسح أفكاره. وخلال كل تلك السنوات، كان يقتنص ما يعثر عليه من كتب تتماهى مع رؤيته وقناعاته، يشتريها من شارع المكتبات رغم عوزه المالي، فترسخ لديه من خلال تلك المطالعات رغبة داخلية عميقة بأن يعود ذات يوم إلى قريته، ليصلح ما يمكن إصلاحه، ويعيدها إن استطاع إلى أبهى صورة تتمنى روحه تراها.
غير أن العودة هذه المرة إلى القرية كانت مختلفة، فقد ترك وراءه مبنى الدائرة الحكومية، وترك معه هويته الوظيفية التي كانت درعه وعبئه في آن واحد. ومع كل خطوة نحو المكان الأول، كانت الذكريات تتزاحم أمامه، كأن سحباً ثقيلة بدأت تتكاثف داخله. لم يكن يظن أن الوجوه تتغير بهذه السرعة، وأن العلاج قد يبدو أحياناً أخطر من المشكلة نفسها.
تراجع في داخله شيء ما، وكأنه اكتشف متأخرا أن العودة إلى شخصية النشأة الأولى لا تقل صعوبة عن التكيف مع عالم المدينة. إذ كان يظن أن البساطة ستكون هي ذاتها، ذلك الخيط الوحيد الذي يربطه بذلك الماضي، لكنها بدت له كخيط واهن لا يقوى على حمل ثقل الواقع الجديد. ومع كل محاولة ليكون وسيطاً بين الناس في خلافاتهم الصغيرة، شعر كأنه يحاول إطفاء حرائق لا يملك وسائل إخمادها.
ومع الأيام بدأت النظرات تتغير تجاهه، وبدأ يسمع الهمس يتحول إلى إشارات تحتاج إلى تفسير، وبدأ يبتعد شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى حد العزلة في ذات الغرفة، تتسلل مع الأشياء إلى داخله كما تتسلل الرطوبة إلى جدار قديم. فشعر أنه قد هُزم في معركة لم يخضها، وأن الخيبة ليست سوى محطة تسبق الصمت، وأن الضياع بدأ لحظة حاول فيها إصلاح ما لا يمكن إصلاحه:
- لكن، ما الحل؟
وفي تلك الليلة الطويلة الثقيلة الإيقاع، أحس بالاختناق ذاته الذي يزوره منذ شهور، وأدرك أن هويته تاهت مرتين؛ مرة حين ذاب في المدينة، ومرة حين عاد يحاول إصلاح قريته. لقد انخرط في مجاراتهم دون أن ينتبه، وفكر كما يفكرون، وسلك كما يسلكون، حتى أنه لم يتمكن من ضبط رغبته في التشبه بهم.
وفي لحظة صمت معلقة بين ضجيج الأمس ومجهولية الغد، حاول أن يفلت من متاهات أحلامه القديمة، وعاد يمشي في الطرقات التي تغيرت معالمها، وكأنه يبحث في الزمن عن نسخة أقدم منه. وصل إلى ضفة النهر، يريد أن يرى انعكاس تلك الذات الأولى في الموج الذي لم تعد رائحته كما حفظتها ذاكرته، وتخيل أن النهر هو الشيء الوحيد الذي بقي سليماً، دون أن يمسه صدأ العابرين والسنين.
أغمض عينيه طويلاً، يحاول أن يستعيد حكمة تربى عليها ذات يوم، ويحاول كذلك أن يستنطق ذلك الصوت الداخلي الذي ظل يضعف بمرور الوقت. أدرك حينها أن العالم لم ينتظر عودته ليكتمل، وأن أحلامه القديمة لم تكن إلا محاولات فردية لإثبات أنه قادر ربما على ألا يموت وهو على قيد الحياة.
ومع ذلك بقي ضجيج المدينة يطرق داخله، وبقيت ثرثرة القرية تنخر منه ما تبقى من صبره. كانت الأقنعة تتكاثر من حوله بلا مواربة، حتى صار جزءاً من المشهد العام. بدا له صوت المياه وكأنه تلاشى، والزمن تثاقل على كتفيه، فيما النسيان ظل يقتاده إلى ذات المتاهة.
وعند تلك الحافة، أدرك أن الانغماس الحقيقي لم يكن في الناس ولا الأعمال، بل في السلام الذي لا يصل إليه إلا من عرف أن الهوية يمكن أن تتوه مرتين، وأن الروح يمكنها البقاء معلقة بلا جهة، وبلا يقين. وهنا بالذات، بدأ يقبل الهزيمة بهدوء الموصوفين بالصمت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها