أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حدود الامتلاء














المزيد.....

قصة قصيرة: حدود الامتلاء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 16:32
المحور: الادب والفن
    


على ضفة دجلة، في إحدى القرى التي كانت تستمد هدوءها من النهر وتقلباتها من البشر، قرر أبو عماد أن يدعو آمر الوحدة العسكرية التي هو منتسب فيها إلى مأدبة عشاء في داره. لم يكن مدفوعاً بمصلحة أو رغبة في مكسب، بل بتلك الفطرة الريفية التي ترى في الضيف مناسبة لاختبار الكرم.
منذ الصباح الباكر انشغل بالاستعداد. ذبح خروفاً سميناً اختاره بعناية، وأشرف بنفسه على إعداد الطعام. كان يريد أن تكون الأمسية تليق بضيوفه جميعاً. وحين أقبل المساء، امتلأت الدار بالمدعوين، وتعالت الأحاديث، وتداخلت الضحكات مع أصوات الطرفات التي لا تنتهي، فيما كان أبو عماد يتنقل بينهم مرتاح النفس وهو يرى الجميع يستمتعون بما قُدِّم لهم.
انتهت السهرة، وعاد الضيوف إلى المعسكر بما فيهم أبو عماد.
إلا أنه في فجر اليوم التالي، وبعد أن التحق الجميع بواجبهم، اقترب الآمر من أبي عماد. كان يبدو منزعجاً، وقال بصوت عالٍ:
ـ أصابني إسهال شديد منذ الليل.
نظر إليه أبو عماد بهدوء وسأله:
ـ وهل أصاب أحداً غيرك؟
أجاب:
ـ لا.
ساد صمت قصير، كأن الكلمات وقفت على عتبة معنى لا تريد الإفصاح عنه.
ثم قال أبو عماد:
ـ غريب... لم أسمع أن أحداً من الحاضرين اشتكى شيئاً.
وتوقف عند هذا الحد، لكن شيئاً آخر كان يقف خلف الكلمات، شيئاً لم يُقَل صراحة. لم يكن يشكك في الرجل، ولم يكن يدافع عن الطعام، بقدر ما كان يتأمل في طبيعة الإنسان. كان يعرف أن للمعدة حدوداً كما للنفس حدوداً، وأن النعمة حين تتجاوز حاجتها قد ترتدي ثوب العقوبة. ثم أراد أن يقول، دون أن يقول:
"إن التخمة لا تأتي دائماً من الطعام نفسه، بل من الإفراط فيه. غير أن الحيوان إذا تُرك لشهوته قد يواصل الأكل حتى يرهقه الامتلاء، أما الإنسان فقد مُنح عقلاً ليعرف متى يكتفي."
غير أن ثمة أشياء لا تُقاس بحجمها، بل بما تكشفه عن النفس البشرية. فالولائم ليست لحماً يُؤكل فحسب، كما أن الجوع لا يسكن المعدة وحدها. هناك جوع آخر يسكن الرغبات، ويتوارى خلف العادات، ويطل برأسه حين يظن المرء أن بوسعه أن يأخذ أكثر مما يحتاج. فالرغبة نهرٌ إذا لم تُضبط ضفافه فاض على صاحبه، والشهوة نارٌ كلما أُلقي فيها المزيد طلبت المزيد.
وكان أبو عماد يدرك أن تلك الكلمات تلامس جوهر ما حدث من غير أن تسميه. فالإفراط، مهما اختلفت صوره، يترك أثره كما تترك الأمطار الغزيرة أخاديدها في الأرض. وليس الامتلاء دائماً امتلاء معدة؛ فقد تمتلئ النفوس بالطمع، وتمتلئ الألسن بالكلام، وتمتلئ الأيدي بالسلطة أو المال، حتى يصبح الفائض عبئاً على صاحبه. وما كل عقوبة تأتي من الخارج، فبعض العقوبات تنبت بصمت في قلب التجاوز نفسه.
لم يشرح أبو عماد شيئاً، ولم يوجه اتهاماً لأحد. ترك كلماته معلقة في الهواء كأوراق شجرة على ضفة النهر، تتولى الريح تفسيرها لمن أراد أن يفهم.
أما الآمر فظل صامتاً، وربما أدرك متأخراً، أو لم يدرك أبداً، أن المشكلة لم تكن فيما وُضع على المائدة، بل فيما تجاوز حدود الحاجة فوق تلك المائدة.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت الحادثة عالقة في ذاكرة أبي عماد، لا لأنها تتعلق بإسهال أو وليمة، بل لأنها ذكّرته بحقيقة قديمة: أن الإنسان نادراً ما يتعثر بسبب ما ينقصه، لكنه كثيراً ما يسقط تحت ثقل ما يزيد عن حاجته؛ فبعض الفيض أثقل من النقص، وبعض الامتلاء بداية فراغ كبير.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حدود الامتلاء