أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب














المزيد.....

قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 03:18
المحور: الادب والفن
    


انتظرتّهُ طويلا، تقفُ بجانبِ نافذةَ غرفتها القديمة في الطابقِ الأول، تتمعنُ منظرَ الأزهارِ في حديقةِ المنزلِ التي أخذت تذبل، يخفقُ قلبُها فجأة، لذا أخذتْ ترقبُ نهايةَ الزقاقِ التي تعودتْ أن تراه حين عودته قبل زواجهما، تلمستْ بطنها فهي حاملٌ في الشهرِ السادس ولم يتفقا لحد الآن على تسميةِ الوليدِ الجديد، صورته تناديها, تهتفُ بصوتٍ هادرٍ.
- أنا اُحبكِ.
فيزدادُ نبضُ القلبِ, وتتدفقُ الدماءُ في العروقِ, فالليلُ والقمرُ والنجومُ تشهدُ على رغبتها الجامحةِ في اتباعِ ذلك الطيف, وبانتظار فجرٍ يقطفُ فيه كرومَ الحياة.
- ما سرُ ذلك؟
إنها تستعجلُ النهايات, لا تُلامُ في كلِّ ما تفعله, بانتظار أن يُكشفَ عن اسرارِ ذلك الشوق والحنين, حينها سيرتاحُ الضميرُ امام سرِ كلِّ ذلك الاذعانِ والخضوعِ رغم اعتراضاتِ العقلِ, فما اقسى ثقلَ العيونِ وهي تكابدُ من دونِ وعي طولَ الفراقِ.
تعبتْ من طيلةِ الوقوف، تحاولُ أن تبددَ ساعاتَ النهارِ الطويلةِ التي أخذتْ تمضي ببطءٍ وتمزقُ دواخلها, لذا أخذتْ تبحثُ عن خيطِ أمل, عن طيفٍ دائمِ الحضورِ كي تناجيه, عن تحولٍ يوقفُ اسطورةَ الإنتظارِ الطويلِ, والحثُ على قطعِ سبلِ الرحيلِ المتكررِ التي تزيدَ القلبُ وجلاً واستهامة, لتتركَ النحولَ في الجسدِ, لذا تركتْ تلك الغرفةَ من دون وعي منها, وصدى صوته يترددُ على اسماعها.
- قبل حضوركِ كان المساءُ جافاً, ثقيلاً, إذ كان يحملُ رمادَ الأيام, يحملُ كلَّ السقطاتِ والنكساتِ, وحينما حضرتِ وجدته قد تبدل, أعترف بذلك, تبدلَ الحزنُ إلى فرحٍ, والحلمُ من غمٍ إلى سعادةٍ, اسبحُ في الملكوتِ, اُعانقُ السحابَ, واُراقصُ النجومَ, فدون اسمكِ الأسماء لا تليق.
- لن ينساها, وكيف ينساها؟
هذا ما تسمعه من المقربين في ايامٍ خلتْ, من دون الإفصاحِ بما يدور, تُفكر في الأمر.
- عن أي شيءٍ يتحدثون؟
ترقرقتْ عيونها بالدموعِ حينما استفاقتْ من الشرود، لذا شعرتْ بالحزنِ الذي يُوشِك القلبَ أولا، وتجتاحها تلك الخيبةُ، وطعمُ ومرارةُ الفم، أنستها بأنها على قيدِ الحياة، لولا أنها وجدتْ نفسها تصيخُ السمعَ لوقعِ الخطى في الطابقِ الأرضي مع والديها، تسألُ الوجوه، تقرأ النظرات، تشعرُ بأنها تهرب منها، كأنها تحملُ خبراً يشتتُ الروحَ، لا تدري، فالقلبُ يخفقُ بقوة، يُحدثُ الضلوعَ، العيونَ، الشفاهَ المرتجفةَ، فالخيبةُ لا تزرعُ السلامَ الداخلي، فيمزقها الوجدُ ذلك البعدُ الطويل، فإجازته قد تأخرتْ عن موعدها المقرر من قبل أسبوعين.
- لماذا هذا التأخير؟
لذا بدأتْ تخشى من أن تغيبَ شمسُها في عينيها قبل أن تغيب.
تعيدُ سيلَ كلماته عسى أن تخففَ من لوعةِ القلقِ الذي بدأ يشلُ أركانها، بأن حضورها جعل منه رجلاً خفيفُ الظل، متهللُ الأسارير، يدورُ حول نفسه فرحاً، وبدأ يشتمُ عبيرَ الأزهارِ، يرحلُ بعضٌ منه إلى هنا، إلى حيث تكون، كي يستريحَ تحت ظلالِ طيفها.
- لن أنساكِ ما دامتْ الروحُ في الجسدِ.
تبتسمُ، ثم تحركُ رأسها، تجتاحها حاجتها إلى البكاء، تعودُ مسرعةً إلى غُرْفَتِهَا، تحاولُ الابتعاد عن سيلِ النظرات، وبدأ البعدُ يغرسُ أنيابه في جسدِها، يسحبُ بكلِّ قوةٍ، تحاولُ أن تصرخ، تغلقُ فمها بقبضةِ يدها، تمسكُ الوسادة، تنسابُ الدموع بغزارة.
يحضرُ طيفُه فجأة، يربتُ على كتفِيها، ثم يهمس.
- لا تحزني.
تضربُ المنضدةَ الملاصقةَ للسريرِ بكلِّ قوةٍ.
- لماذا تقولُ هذا؟
الأرضُ موجعةٌ، فلتحافظَ على ابتسامته، وداعته.
- كيف ذاك؟
هي المفجوعةُ المصنوعةُ من زجاج، تشتتْ أجزاؤها، جمعت الخيبةَ واليأسَ معا.
تحاولُ أن تتعايش، القرطاسُ والقلمُ هما الملاذ الأخير، تنسابُ الكلماتُ بالحبرِ الأزرق كلونِ عينيه، تحاولُ أن تغتسلَ بهما، أن تثبتَ أعمدة التهاوي، أن تصرخَ بوجه النيران، بوجه الموسيقى الجنائزية الرتيبة، تتكسرُ صرختُها في جدران الغرفة.
- مهلا أيها الطيفُ، أرجوك لا تغادر.
تجدُ صدى صوتها لا يصلُ إلى أذنيها، فقط ضجيج يتصاعد، تحاولُ أن تصمَ أذنيها براحةِ كفيها، تجدُ نفسها في صدرها بركانا، كأنما تقفُ على حافته، تقاومُ الحممَ السوداء، وتحاولُ أن تسرقَ من العمرِ لحظاتٍ لم تعشها، وفي بقايا الجسد المتهالك تُمسكُ بحافةِ ذلك البركان، تصرخ، تستشعرُ الألم، وتحاولُ أن تقفَ بوجهِ المستحيلِ، إلا أن صدى الأصوات يخترق كلَّ الحواجز، فالماردُ المخبوءُ في صدرها بدأ يتحرك مع تصاعدِ هديرِ البركان، يلعبُ في الأعصاب، ويشل التفكير، تغمضُ عينيها وتصم أذنيها وتصرخ.
- لقد تركتني في وسطِ مذبحةِ الرعب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...


المزيد.....




- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...
- نوادر أدبية وفنية في مزاد ليتفوند.. من نيكراسوف المحظور إلى ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب