أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحفنة الأولى














المزيد.....

قصة قصيرة: الحفنة الأولى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 08:29
المحور: الادب والفن
    


في قلب الغابة الكبرى، كانت الحيوانات تمضي بين دروبها كأنها تسير داخل نظام مكتوب بمداد الطبيعة. لكل كائن نصيبه، ولكل ظلٍّ حدوده، فلا اعتداء على حقٍّ ولا امتداد لسلطةٍ على حساب آخر. كانت الحياة تُدار كميزانٍ دقيق، يتأرجح بين ما يُؤخذ على قدر الحاجة وما يُعاد إلى مخازن الغابة بوصفه حقاً عاماً، فلا اغتراب ولا خوف، ولا تاريخ تُصنعه دعايات الأقوياء أو سيوفهم، كما كانوا يسمعون عن غابات أخرى بعيدة.
وفي صباحٍ مائل إلى الطمأنينة، اجتمعت الحيوانات في ساحة البلوط للاحتفال بتعيين الأسد ضرغام مديراً لمخازن الحبوب والينابيع، بعد اتفاقٍ جماعي على نظام جديد لتوزيع الموارد، يقوم على أن يُؤخذ من كلٍّ بقدر ما يملك، وفق نسبة اتفقوا عليها جميعاً.
ارتقى ضرغام صخرةً عالية، كأنها منبرٌ طبيعيٌّ منحته الغابة صوته، وقال بصوتٍ جهوريٍّ يتكئ على وعودٍ كبيرة:
- لن أدّخر جهداً في خدمة الغابة، وسأجعل مصلحة الجميع فوق كل اعتبار.
انفجرت الساحة بالهتاف. الببغاوات حملت كلماته من غصنٍ إلى غصن، والقرود أعادت ترديدها حتى بدت الغابة كأنها تحفظ خطابه عن ظهر قلب. ارتفعت الأصوات كأسرابٍ كثيفة تحجب السماء، حتى تلاشى ما يدور قرب المخازن في ضجيج المديح.
ومن أعلى شجرة سدرٍ عتيقة، كان البوم العجوز يراقب المشهد بصمتٍ مثقل بالتجربة. لم تكن الكلمات بالنسبة له سوى أوراق ربيعية براقة، تلمع فوق السطح لكنها تخفي هشاشة الجذور. كان يعرف أن البلاغة قد تكون قناعاً، وأن أكثر الانهيارات تبدأ حين يصفق الجميع دون أن يسأل أحد.
مرّت الأشهر، وبدا في ظاهر الأمر أن الغابة تمضي نحو انتظامٍ جديد. غير أن ظلالاً خفيفة بدأت تتسلل إلى المشهد؛ أجود الحبوب تجد طريقها إلى جحور الثعالب والضباع المقربة من الإدارة، والمياه العذبة تنحرف بهدوء نحو أماكن محددة دون غيرها.
وحين تساءل بعضهم، أو تجرأ على الاعتراض، كانت الغربان تسبق السؤال إلى أصحابه، تجمع حولهم الأخبار، ثم تتولى الضباع تفسيرها على طريقتها الخاصة.
ومع الوقت، لم يعد الخوف طارئاً، بل صار بنيةً داخلية تنمو في الغابة كفطرٍ أسود يلتهم جذور الأشجار من الداخل. وصارت الحقيقة طائراً صغيراً يرتجف كلما حاول التحليق، مثقلاً بضجيج التصفيق.
أما البوم العجوز، فظل في مكانه، يقرأ ما يحدث في النهار وما يُخفى في الليل. كان يدرك أن الفساد لا يولد حين تمتلئ المخازن بالغنائم، بل حين تمر الحفنة الأولى بصمت، دون أن يسأل عنها أحد.
وذات ليلةٍ عاصفة، اقتلعت الرياح صخرةً قديمة كانت تسد مدخلاً خلف المخازن. انكشف المكان عن أكوامٍ من السجلات والرقوق، تحمل أرقاماً وأسماءً وحساباتٍ لم يكن ينبغي لها أن تُرى.
وفي صباح اليوم التالي، تغيّر وجه الغابة. اجتمعت الحيوانات في الساحة نفسها التي شهدت الاحتفال الأول، لكن بلا هتاف. اقتيد الأسد ضرغام إلى القفص الحجري عند أطراف الغابة، بينما كانت العيون تراقب بصمتٍ كثيف، كأنها لا تصدق ما ترى ولا تجرؤ على نفيه.
ومرت أيام قليلة، حتى أُعلن عن تعيين مديرٍ جديد، النمر شاهين.
عادت الساحة تمتلئ بالحشود، وارتفعت أصوات التهليل من جديد. الببغاوات أعادت ذات الجمل، والقرود أعادت ذات الإيقاع، وكأن الذاكرة لا تحتفظ إلا بالصدى. تغيّر الاسم، لكن النبرة بقيت، وتبدلت الوجوه، لكن الطقس لم يتغير. أما الثعالب، فكانت أول من اقترب من موقع النفوذ الجديد.
ومن أعلى شجرة السدر، كان البوم يراقب دون أن يرفع عينيه نحو المنصة، بل نحو المخازن ذاتها.
في الليلة التي سبقت الاحتفال، لمح ثعلباً صغيراً يتسلل بين الظلال نحو أحد الأبواب. توقف لحظة، التفت بحذر، ثم اختفى وفي فمه حفنة من الحبوب. هزّ البوم رأسه ببطء. لم يفاجأ. فالحبوب لا تُسرق حين تمتد إليها الأيدي فقط، بل حين تُغمض عنها العيون.
وفي صباح اليوم التالي، تكرّر المشهد. الهتاف نفسه للنمر الجديد، والوجوه نفسها في نشوة الولاء، والضجيج ذاته الذي يغطي ما يجري عند المخازن. وحين رفع البوم نظره، رأى الثعلب ذاته، هذه المرة في وضح النهار. يمشي بهدوء نحو المخزن، يأخذ حفنة أخرى، ثم يغادر دون أن يلتفت إليه أحد. إذ كانت كل العيون معلّقة بالمنصة. تأمل البوم المشهد طويلاً. لم يجد فرقاً بين الأسد الذي هُتف له بالأمس، والنمر الذي يُهتف له اليوم. تغيّرت الأسماء، وتبدلت الأقنعة، أما المخزن فبقي كما هو، والحبوب تغادره بالصمت نفسه.
عندها أدار رأسه نحو الأفق البعيد، وأغمض عينيه ببطء، كمن يرى ما لا يريد الآخرون رؤيته. وفي الأسفل… كانت الحفنة الأولى قد مرّت دون أن يلاحظها أحد، لكن البوم كان يعلم أن كل ما سيأتي بعدها لم يكن سوى صدى لها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة


المزيد.....




- أبرز 5 خلاصات.. كأس العالم 2026 يفتح ملفات السياسة والاقتصاد ...
- تشوهات نفسية وجسدية في -أصل الأنواع- تكشف معاناة الإنسان الع ...
- اكتشاف آثار فريدة في المكسيك تعود إلى ما قبل الحقبة الاستعما ...
- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحفنة الأولى