داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 00:57
المحور:
الادب والفن
تدق النواقيس، يتجمدُ دماؤها، الطبولُ تعزفُ لحناً جنائزياً، تضربُ في رأسها وهي غائبةٌ عن الوعي كروحٍ، معقودةُ الذاكرة، جريحةُ حربِ الفراقِ القسري والموتِ المجاني، وجسدٌ يسمعُ وقعَ الأقدام، ضجيجٌ يتصاعد، يعودُ إليها بعضٌ من ذلك الوعي، رعبٌ ينحل وجهها، تحرسُ ذلك الخاتمَ كالأم الحنون تُجابه وجعَ المخاض، كي يرى وليدُها النور، ذلك الخاتمُ الذي قدمه لها كهديةٍ منذ الصبا، ليحتجزها له، له وحده، فيحميها من الانفلات في دوامةِ القسمةِ والنصيب.
يضربُ صدى صوتِ خالدٍ طبلتَي أذنيها بآخر قصيدة كتبها قبل الالتحاق بسوح الموتِ المجاني، والدموعُ أخذتْ تنسابُ من العيونِ لا شعورياً، تشعرُ بنظراتِ الحضور وهي تختلسُها كي تراها بماذا تفعل، كيف تبكي أو تنوح، فالفقدُ قاسٍ، والجرحُ لا يؤلمُ إلا من به الألم، والنواحُ كالذي يحتضنُ الهواءَ الذي أمامه، والقمرُ قد غابَ قسراً من سماءِ العاشقين، فيرتجفُ البدنُ، وتحضرُ التفاصيلُ الدقيقةُ وهي تنظرُ إلى التابوتِ والمثبتةِ صورته في نهايته، بذاتِ الابتسامة ينظرُ إليها، وكأنه يخاطبها:
- يا أزهار، لقد بدأتْ لحظاتُ الوفاءِ من نقطةِ هذا الفراقِ الجسدي، فجغرافيةُ الحربِ أبتْ ألا نلتقي في هذه الحياة، ولم يبقَ لنا سوى الولوجِ في عالمِ الأرواح.
تحاولُ أن تبعدَ تلك الصورة، إلا أن كلماته تشخصُ رغم الفقد، العقلُ يحاولُ الرفض:
- قف، فأن ملحَ الأرضِ لم يعدْ بإمكانه شد الغائبين، فالغربةُ قد ابتلعته منذ حين.
تقف أزهار وحدها تحت شجرة الزيتون، تنظرُ إلى القبر الطري، تناديه بصوتٍ متقطع:
- خالد، ها أنا أُكملُ ما أوصيتَ به. وقفتُ على قبرك، لكنني لا أستطيعُ أن أثرثرَ كما طلبت، لأن الكلماتِ تعجزُ أمامَ هذا الصمتِ المهيب. كل ما في داخلي صارَ صرخة واحدة "لماذا؟ لماذا يموتُ العشاقُ وتظل الحربُ تضحكُ؟ هل نحنُ ضحايا نزوةِ التاريخ، أم أن الحب ليسَ إلا استراحة قصيرة بين موتتين؟"
يجيب صوتُها الداخلي:
- يا أزهار، الموتُ ليسَ نهايةَ السفر، بل هو تغييرُ المحطة. حبكِ لخالدٍ جعله خالداً بحق، لأن الذكرى لا تموت. هو الآنَ في كل نسمةِ هواء، في كل رعشةِ ورق، في كل نبضةٍ من نبضاتِكِ التي لا تهدأ. لا تبكيه، بل ابكي هذا العالمَ الذي يجعلُ من الحب خسارة، ومن الحربِ انتصاراً.
تتذكر كيف أشتد صهيلُ الباطنِ، كأنها تترنح، لا تمشي كما المعتاد، ضجيجٌ قادمٌ خلفها، تظهرُ الوجوه التي تعودتِ التسترَ والتخفي، ويجيدون صُنعَ السراب، أشباحٌ تتحرك، تلحقُ بها وتسبقها، كأنها تخطو في الظلمة، تخشى نزولَ قدمها، الأزمانُ تسبقها وتعبر، تتوالدُ دروبٌ جديدة، يجتاحها سديمٌ معتم، لا لوجودِ محطةٍ قادمة، والأرضُ تتمدد، تهربُ المعالم، تتيه مواعيدُ الفصول، والمرجلُ يتصاعد أزيزه، يغلي في الأحشاء، الهديرُ يصلُ الجمجمة، تذوبُ كالصخرة، تتلاشى إلى ذراتٍ تتطاير في الهواء، خيطٌ من دخانٍ أسودٍ يزدادُ بعداً، يهربُ بلا وداع على ألحانِ ضربِ طبولِ الحزن، طبولُ الوداعِ الأخير.
كان الرعدُ قد توقفَ قصفه مع وصولِ الجنازة، وقِطعٌ من المياهِ في الدروبِ لا زالتْ لم تتوارَ في المجاري، تلوذُ بالبكاء، دموعٌ مقتلعةٌ من أعماقِ صدرها، ذلك السائلُ الغريبُ عسى أن يطفئَ جمرَ الدواخل. تجاوزَ الموكبُ نهايةَ القريةِ التي بقيتْ إلى الوراء، فيمر شريطُ الأيام، السنين، فتقفُ على أطلالِ الذاكرة، وعلى الحاضر، القمرُ الذي غابَ وانحدرَ خلف التلال، فتهزها طقوسُ المشي الجنائزي، كل شيءٍ تحولَ إلى شبحٍ يتحركُ، الرؤوسُ مطأطأةٌ صوبَ الأرض، الصورُ تراقصُ الجنازة، بدأتْ أصواتُ الطبولِ بجلدها، ووقعُ الفقدِ أكثرُ فتكاً مما تكتبه الأقلام، وأكثرُ صدقاً حينما تنهمرُ الدموعُ بسخاء.
على ألحانِ الأطلال، طيفٌ يوقظُ المواجعَ، وروحٌ تعبثُ وراء سرابِ الأيام، تبحثُ عن أملٍ زائلٍ، فالقلبُ يدفعها نحو تجاوزِ حدودَ المعقول، والعقلُ قد تاهَ في ضبابٍ كثيفٍ، بين أملٍ وقنوط، وذاك الدمعُ النازف، يُذكرها بذلك اللقاءِ الموعود، شغفٌ للقاءٍ قبل رحيلِ نيسان، يحملُ في كفيه باقاتٍ من الورودِ والرياحين، فيحتضنها ويضمها على صدره بقوة، يشتم عبيرَها إلى أن يصلَ إلى أعماقِ أعماقها، فيسقي ظمأَ الروح، ظمأَ السنين، وليكن طوفاناً، يرتطمُ بضفتيه العطشى، وتتفتتُ صخورُ الألمِ والوجدِ من طولِ الانتظار، فيرتشفُ أريجَها كقهوةٍ عربية، ليبقى المذاقُ في الفم.
في منام أزهار بعد أربعين يوماً من الرحيل، رأت خالداً جالساً على ضفةِ دجلة، يبتسمُ كالقمر. يناديها صوت كالنغم:
- لا تحزني يا أزهار، فالحب الذي نسيناه حين كنا أحياءً هو الذي يبقى بعد الموت. لقد تعلمتُ هناك أن الجسدَ قفصٌ، والروحَ طيرٌ، والحربَ مجردُ خوفٍ جماعي. أما العشقُ العذري، فهو الأبديةُ بعينها. اذهبي، وعيشي، واجعلي من كل زهرةٍ تزرعينَها قبلة لي، ومن كل نسمةٍ همساً. سأكونُ معكِ في تفاصيلِ الغد، في وهجِ الصباح، وفي كل لحظةِ شوقٍ لا تموت.
تصرخُ في الحلم:
- لا تتركني هنا وحيدة، خالد، كيفَ لي أن أحملَ هذا العشقَ وحدي، وهو ثقيلٌ كجبلٍ، وخفيفٌ كالريح معاً؟
يختفي خالد تدريجياً:
- لأنكِ يا أزهارِ العمرِ كنتِ دائماً أقوى مني. أنتِ من علمتني أن الحب لا يُملَك، بل يُعاش. الآنَ عيشيهِ مكاني، واجعليهِ قصة ترويها الأجيال. وداعاً… أو بالأحرى، إلى اللقاءِ في كل نبضةٍ تليقُ بالخلود.
تحاولُ أزهار أن تنام، أن تتركَ الحقيقة، أن تغادرَ الواقعَ وتعتبرها خيالاً، أوهاماً، أن تبتعدَ عن شتاتِها كأعمى في دوامةِ اليأس، فلقد همدتِ الكواكب، وتوجه القمرُ نحو المغيب، ولا زالَ الدمُ يغلي، والنبضُ يلامسُ الضلوع، والوحدةُ ترسمُ في المخيلةِ جبالاً من الأوهامِ والأحزان، وقلبها الصغيرُ يطيلُ الانتظار، تعودُ كي ينثرَ الحُب في الطرقاتِ، في كل مكان، ويحملَ البحرَ بين الأصابعِ، فذلك القلبُ يشهدُ على ذلك، الشغافُ، فاسمُ خالدٍ منقوشٌ هنالك في أعماقها، تتحسسُ حروفَه، تنادي طيفَه، وتتعايشُ مجبرة مع ذلك الوجد، ذلك اللص الذي سرقَ لذةَ النومِ، سرقَ الفرحةَ، وتركها ما بين ركامِ الآهاتِ والانكسارات، فتوهمُ نفسها بأنها تبحثُ عن شطآنٍ آمنةٍ، عن النوارسِ، عن سربِ الطيورِ، كي تنسى جروحَها التي لن تندملَ.
كم كانتْ تستهينُ في دواخلها لمن ضاعَ في دروبِ الهوى، واليوم تتخلى عن شتاتها وتلاحقُ طيفَه تحت ظلالِ شجرةِ الزيتون، هنالك في المقبرةِ البعيدة، إنه مكانُ سلوتها الوحيد، كأنها هالةٌ تسحبها نحو مكانِ الغروب، هنالك تحت الثرى، يتوسدُ الذكريات، قصصُ الطفولةِ وعنفوانُ الشباب، وترتطمُ الكلماتُ الهامسةُ على جدارِ الصمت.
- فلقد أوصاني أن يدفنَ فيها.
نياحُ ثكالى يقطعُ نياطَ القلوب، وقعُ أقدام، حديثٌ طويل، قهقهات، تنتبهُ الأجداثُ من صمتِها الطويل، وهو معهم قد غادرتْ روحُه على عجل، ترى وتسمع، والكلامُ ممنوع حتى بالهمس، الهسيسُ محال، والأحلامُ تدورُ حولَ الجماجمِ عسى أن تعودَ بعد أن غادرتِ الرؤوس.
- نامي واتركي نهشَ الذكريات، في تلك الأيامِ الغابراتِ واتساعِ الترحال، فالنخلةُ تموت عطشاً وهي واقفة.
كمْ يحزنها صوتُ ناقوسِ الفقدِ والحرمانِ، جرسُ الرحيل، ذلك الصوتُ الحزينُ بلا صوت، الشريطُ الأسودُ المعلقُ في بداية الزقاق "خالد عبدالله"، ودولابُ الحياةِ لم يدرْ لتغييرِ موازينِ الأخذِ والعطاء، فحينما تصلُ إلى حافةِ نهايةِ حالةِ عدمِ الاستشعارِ بالألم، بعد أن أتعبها النواحُ وجفتِ المآقي، وحينما لا تستنشقُ رائحةَ الوجع، كونه أصبحَ كجزءٍ من مكوناتِها، وكأنها إنسانةٌ خُلقتْ من ذاتِ الألم، من ذاتِ الوجع، فبدنوهما بدأتْ تشعرُ بالنقص، النقصُ من شيءٍ لا تعرفه ولا تعي مكنوناته، فلقد اكتستْ بالمحنِ، بل تعودتْ على ذلك، إذ بدأتْ تعطي معنى للصبرِ من خلال ديمومتها في حياةِ البؤسِ والشقاء، بنظراتٍ شاردةٍ، ولم تكنْ تعلمُ أو يدورُ في مخيلتها، بأحلامها التي لا تتجاوزُ أن يكونَ لها زوجٌ تعيشُ في كنفه، وكان عليها أن تعيَ بوقتٍ مبكرٍ، بأن حياتها قد تساوى فيها الأخذُ والفقدُ، بل وقد تفوق الفقدُ وبدأ يأكلُ من جسدها شيئاً فشيئاً.
ما أصعبَ تلكَ النهاية، ما أصعبَ تلك الأوجاع، ما أصعبَ دموعاً تنسابُ من دون وداع، من دون قبلةٍ ترتسمُ في الهواء، من دون تحيةٍ خلسةٍ على عجالةٍ وبالعيون، ومن دون وجودِ محطةٍ أخرى على أملِ اللقاءِ فيها.
تتحركُ مقلتا عيونها في الظلمةِ الممتدةِ بلا نهاية، في ليلٍ بهيمٍ، تشعرُ بأن كل شيءٍ مبهمُ المعالمِ من حولها، تقفُ على رمادِ الأيام، فهي كالوردةِ في حاجةٍ للرعايةِ والاهتمام، لذا أخذتْ تحاولُ عبثاً أن تدخلَ الهجرَ عنوة في دمها، علهُ سيقبلُ فك ترابطِ ذلك الاندماج، تحاولُ أن تعلنَ هزيمتَها الأولى، حلولَ النهاية، أو حافةَ النهاية، وستحاولُ أيضاً أن تستفتيَ قلبَها، عله أن يقبلَ أن تموتَ صورُ تلك الذكرياتِ كلها ما بين الركام.
تجلسُ أزهار عند النافذة مع بزوغِ فجرٍ جديد، والخاتمُ الذهبي في إصبعها، وورقةٌ صفراءُ بخط خالدِ بين يديها، تقرأُ فيها:
"يا أزهار، إن لم أعدْ، فاعلمي أن الموتَ ليسَ سوى استعارةٍ للحب الذي لا يموت. كل ما في الكونِ يموتُ ويُبعثُ، إلا العشقَ العذري، فإنه يبقى طيفاً يتراقصُ بين الأضلاع. عيشي حياتَكِ، واضحكي، وازرعي الوردَ، وتذكري أنني لم أغادرْ، بل تحولتُ إلى معنى يسكنُكِ. فالحب الحقيقي لا يُفقدُ، بل يُصبِحُ جزءاً من نسيجِ الروحِ الأبدي. وداعاً، يا قمرَ دجلتي، إلى أن نلتقيَ في عالمٍ لا حربَ فيه، ولا سوى العشقِ سماءً"
أغمضتْ أزهار عينيها، وشعرتْ بأن خالداً يهمسُ في أذنها من بعيد:
"لا تحزني، فالحب وحدهُ هو الذي يمنحُ الموتَ معنى، والأبديةَ طعماً"
وأطلتِ الشمسُ من خلفِ النهرِ كأنها تبتسمُ لها، فنهضتْ، وفتحتِ النافذةَ على مصراعيها، وقالتْ بصوتٍ مرتعشٍ لكنه واثق:
- سأعيشُ يا خالد، لأن في العيشِ وفاءً لكَ، ولأن الرحيلَ ليسَ نهايةَ العشق، بل بدايةُ خلودِه. ها أنا أفتحُ النافذة، وأدعُ الهواءَ يحملُ اسمَكَ إلى حيثُ لا تذهبُ الرصاصاتُ. أُحبكَ، وسأظل أحبكَ، حتى يلقاني الحب حيثُ لا موتَ ولا حربَ، حيثُ يكونُ اللقاءُ أبدياً كالروح.
ونسجتْ من خيوطِ الشمسِ قيثارة جديدة، وعزفتْ لحنَ البقاءِ على العهدِ، وبقيَ الصدى يترددُ بين التلالِ الشرقيةِ لنهرِ دجلة:
"خالدٌ… خالدٌ… خالدٌ...."
كأن النهرَ نفسه يرددُ اسمَه، وكأن الأرضَ كلها قد صارتْ مرثية واحدة وعشقاً واحداً، لا يعترفُ بغيرِ الخلود.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟