أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مرآة الضجيج














المزيد.....

قصة قصيرة: مرآة الضجيج


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 04:01
المحور: الادب والفن
    


جلس على حافة الأريكة كأنه يحرس الغياب بقلق يثقل النظرات. كان يشعر أن الزمن يتباطأ حتى يكاد يتوقف، فأخذ يضغط بأصابعه على صدغيه كأنه يريد سحق نبضة وهمية في رأسه، أو كأنه يُساق إلى فراغ لا اسم له. كانت رجفة خفية تعبر داخله دون أن يجد لها تفسيراً، فيما فتح الصمت ذراعيه واحتضنه بالكامل.
خُيّل إليه أن الجدران والسقف والأثاث العتيق تشاركه وحدته، وأن البيت بأسره أصبح كائناً صامتاً يتنفس الفراغ. هنا، في هذا المنزل القريب من ساحة لعب الأطفال، لم يكن يسمع سوى دقات ساعة الحائط وهي تنقر الوقت ببطء يشبه قطرات ماء تسقط في بئر مهجورة.
وفجأة انشق ذلك الصمت عن أصوات مبهمة تسللت من النافذة. ضحكات أطفال، صراخ، خطوات متسارعة، وصوت زجاج لعبة تحطم تحت أقدامهم. نهض متثاقلاً واتجه نحو النافذة، يسبقه قلبه الذي تسارعت نبضاته على نحو أربكه.
وقف خلف الزجاج المصفح يراقبهم. كانت وجوههم المحمرة وعيونهم اللامعة وبقايا الشوكولاتة على أفواههم تشع حياة جارفة، حياة بدت له كأنها تقتحم عالمه المنظم وتبعثر ما تبقى من سكونه. تمتم بضيق:
- يا إلهي... لماذا كل هذه الفوضى؟ لماذا لا يجد أحد حداً لهذا الجنون؟
ارتجف فكه السفلي، واجتاحه شعور بالتيه. كان الفراغ الذي عاشه طوال السنوات الماضية قاسياً، لكنه تحول مع الزمن إلى طقس من طقوس روحه، وإلى رفيق صامت اعتاد حضوره. صار يشبه تمثالاً من حجر ألف قسوته حتى ظنها جزءاً من طبيعته. بدت عيناه مفتوحتين، لكن الحزن كان يغمرهما كغبار قديم لا يُرى. أما قلبه فأنهكه انتظار طويل لشيء لم يأتِ يوماً.
في الغرفة المجاورة كانت زوجته نائمة. جفت دموعها منذ سنوات، يوم خرج الطبيب من غرفة الفحص وأعلن الخبر الذي قلب حياتهما إلى الأبد. ومنذ ذلك اليوم، لم يبكِ هو أيضاً، بدلاً من البكاء، نبتت في داخله كراهية غامضة لكل طفل يركض في الساحة. كان يشعر أن كل ضحكة يسمعها هي تذكير قاسٍ بما حُرم منه، وأن كل طفل يلهو أمامه يجسد الجسر الذي لم يُكتب له أن يعبره نحو امتداد اسمه وجذوره.
وحين ارتفعت أصوات الأطفال أكثر، أغمض عينيه فجأة. عندها انهارت الحواجز بين الماضي والحاضر، وجد نفسه يعبر بوابة خفية نحو زمن بعيد ما زال ينبض داخله بالوجع ذاته. ارتسم وجه والده أمامه بوضوح، وسمع صوته الغليظ يجلد الهواء:
- ارفع يديك عن الدفتر أيها المتخلف.
عاد طفلاً في السابعة من عمره، كانت يداه الصغيرتان تمسكان بقلم رصاص فوق دفتر الرسم. كان يحاول أن يرسم طائراً، لكن الجناح الأيسر خرج أكبر من الأيمن، فبدا الطائر مائلاً وكأنه يحاول الطيران بجناح أعرج. لم يغضب والده لأن الرسم سيئ، ولم يضربه لأن الطائر ناقص، بل لأنه استخدم الممحاة كثيراً فلطخت الورقة.
نظر يومها إلى والده بعينين تبحثان عن دفء ضائع، عن كلمة واحدة تمنحه الأمان، لكن الكلمات التي تلقاها كانت أشبه بأحجار تسقط على روحه.
- أنت فاشل... حتى في لعبك أنت فاشل.
كانت تلك الكلمات بداية الشرنقة التي حاصرته سنوات طويلة. تعلم مبكراً أن الطفل المثالي هو الطفل الصامت، الطفل الذي لا يخطئ، الطفل الذي لا يزعج أحداً، الطفل الذي لا يترك أثراً في دفتر رسم أو على زجاج نافذة أو في قلب إنسان.
ومع مرور الأيام، صار يبعد الآخرين بالقسوة نفسها التي أبعده بها والده. لم يكن يفعل ذلك لأنه يكرههم، بل لأنه تعلم أن الألم يُخفى خلف الجدران، وأن القسوة أحياناً تبدو درعاً لمن لا يعرف وسيلة أخرى للدفاع عن نفسه.
فتح عينيه فجأة. عاد إلى النافذة، كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء كأنها تجر خلفها سلاسل من الذكريات. وفي الساحة المقابلة لمح طفلاً يسقط عن دراجته، ثم ينهض ضاحكاً كأن شيئاً لم يحدث، بدل أن يتسلل التعاطف إلى قلبه، شعر بشيء حارق يصعد إلى حلقه. تمتم ساخطاً:
- لماذا تضحك؟ ألا يؤلمك السقوط؟
لكن صوتاً آخر خرج من أعماقه، صوت صغير، خافت، مهجور منذ زمن بعيد:
- كنت أضحك أنا أيضاً... قبل أن يُعلمني الخوف كيف أخفي ضحكتي. كنت أركض وأسقط ثم أنهض، قبل أن يتحول كل خطأ إلى تهمة، وكل عثرة إلى دليل جديد على فشلي.
تراجع خطوة إلى الخلف. وشعر للمرة الأولى أن الكلمات لا تأتي من ذاكرته، بل من طفل ما زال يعيش في أعماقه. رفع رأسه نحو الزجاج، فرأى انعكاس وجهه. هناك، في تلك المرآة الشفافة التي تفصل بينه وبين العالم، أدرك الحقيقة التي ظل يهرب منها سنوات طويلة؛ لم يكن يكره الأطفال لأنهم صاخبون، بل لأنه كان يحسد حريتهم، كان يحسد قدرتهم على السقوط دون خوف، وعلى الضحك دون اعتذار، وعلى الركض نحو الحياة دون أن يثقلهم ماضٍ من العتاب والخذلان.
أما هو، فكان طائراً قُص جناحاه مبكراً. وحين عجز عن الطيران، أخذ يبحث عن عزاء مريض في رؤية أجنحة الآخرين تتعب مثله. ظل يراقب الأطفال وهم يركضون في الساحة، طيور صغيرة لا تعرف شيئاً عن الأقفاص.
عندها شعر أن القفص الحقيقي لم يكن خارج النافذة، كان داخله. أغلق النافذة بهدوء هذه المرة، فخفتت الأصوات في الخارج، لكن ضجيجاً آخر ظل يتردد في أعماقه، ضجيج سنوات كاملة من الصمت. ثم سمعه بوضوح، صوت طفل صغير يبكي بحرقة:
- أبي... لماذا لم تدعني أكمل رسم طائري؟
جلس على الأرض منهكاً، لكن شيئاً ما كان قد تغير. ولأول مرة لم يشعر أن السؤال يطارده، بل شعر أنه يصغي إليه. رفع رأسه نحو المرآة المعلقة على الجدار، وتأمل انعكاسه طويلاً. لم يرَ الرجل الذي بلغ خريف العمر، بل رأى طفلاً يحمل دفتر رسم، ويجلس وحيداً في زاوية بعيدة من الزمن، ما زال ينتظر أن يكتمل طائره. وفي الخارج استمرت ضحكات الأطفال.
أما في الداخل، فقد أدرك أخيراً أن الحرمان لم يبدأ يوم أخبره الطبيب أنه لن يكون أباً، لقد بدأ قبل ذلك بكثير، يوم مات الطفل الذي كان يسكنه، وظل ينتظر كل تلك السنوات من يعيده إلى الحياة.
وحين ارتفعت ضحكة طفل من الساحة، لم يبتعد هذه المرة عن النافذة، بل ابتسم ابتسامة صغيرة مرتجفة، كأن طائراً قديماً حرك جناحيه أخيراً في أعماق روحه، استعداداً لأول محاولة طيران بعد عمر كامل من السقوط.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى


المزيد.....




- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...
- المخرج سرمد ياسين: الفيلم القصير مقيد بضعف الإنتاج وضعف التس ...
- نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس: تم إحراز تقدم في مجال المحا ...
- -بروفة يوم الحساب-.. المسرح السوري يفتح الستارة على أسئلة ال ...
- انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...
- في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون ...
- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مرآة الضجيج