أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: التواكل














المزيد.....

قصة قصيرة: التواكل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 01:45
المحور: الادب والفن
    


يستفيقُ متثاقلاً من قيلولةٍ لم يألفها في ظهيرةٍ هادئة الملمس، كأنها خُدِعتْ بطمأنينةٍ زائفة. كان الليلُ الذي سبقه ممتدّاً في داخله، لم ينتهِ عند الفجر؛ إذ داهمته كوابيسُ متشابكة، صورٌ لا يصدقها العقل ولا يجرؤ الخيال على تثبيتها، كأنها شقوقٌ في ذاكرة الروح أكثر من كونها أحلاماً عابرة. فتح عينيه على شعورٍ غريب، ليس يقين الاستيقاظ ولا وهم المنام، بل حالةٌ معلّقة بينهما. جسده مثقلٌ بألمٍ في الأطراف وصداعٍ يضغط على رأسه كأنه صدى ضجيجٍ بعيد لم ينقطع.
ظلّ ممدداً، يتأمل الغرفة المطلة على النهر القريب؛ ذلك النهر الذي اعتاد أن يراه ساكناً كفكرةٍ مطمئنة أكثر من كونه ماءً جارياً. كانت الكتب مبعثرة في أرجائها كأنها آثارُ ذهنٍ أنهكته الأسئلة ثم تخلّى عن ترتيبها. الهواء يدخل من النافذة الواسعة المفتوحة كرسالةٍ من الخارج، لا يطلب إذناً ولا يمنح تفسيراً، يمرّ فوق الأشياء ثم يخرج دون أن يغيّر شيئاً سوى الإحساس بالفراغ.
في الخارج، كانت أصواتٌ تتصاعد: حركةٌ، كلامٌ متداخل، وإيقاعٌ يشبه اجتماعاً لا يُرى بوضوح من الداخل. شيئاً ما شدّه، ليس فضولاً خالصاً ولا يقظةً كاملة، بل وخزٌ خفيّ دفعه إلى النهوض. اقترب من النافذة بحذر، كمن يخشى أن يكتشف أن ما يراه ليس خارجاً بل امتداداً لاضطرابه الداخلي.
هناك، في الفسحة المفتوحة بين التلال المتناثرة التي تتكئ عليها البيوت، تجمّع الناس. وفي مقدمتهم رجلٌ ذو مظهرٍ مألوف، يبدو محسوب الخطوات، يعرف كيف يُحسن الوقوف في مركز الانتباه، وكيف يُتقن لغة الطمأنينة حين تُقال أمام الآخرين. كان ذلك الرجل معروفاً له؛ مقبولاً اجتماعياً، يحظى بحضورٍ يسبق الكلمات، وكأن في صوته ما يلمّ شتات الجمع.
لكن ما أربكه حقاً لم يكن الرجل، بل الأيدي المرفوعة خلفه، الدعوات التي تتصاعد في الهواء كأوراقٍ تُلقى في فراغٍ لا يردّها. لم يفهم شيئاً في البداية. الحيرة لم تكن فكرة، بل ضباباً يزحف على إدراكه. راح يشكّ في حواسّه، يضغط على مقدمة رأسه كأنه يريد التأكد أنه ما يزال داخل جسده لا خارجه، يدور في مكانه كمن فقد بوصلته داخل غرفة يعرف جدرانها.
اقترب أكثر من صمته الداخلي، وضع سبّابته خلف أذنه كمن يحاول اختراق حاجزٍ غير مرئي، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة لا تخصّ الفرح ولا الاعتراض. رفع نظره إلى السماء، أو إلى ما يشبه السماء في تلك اللحظة، وراح يناجي طيور الوزّ وأوراق الأشجار على الضفة الأخرى، كأنها أكثر صدقاً من كل ما يحدث أمامه.
وفي تلك اللحظة، تسللت إليه لذّة غامضة: لذّة أن لا يسمع، أن لا يفهم، أن ينسحب من ثقل المعنى إلى خفة اللاإدراك. كأن الحقيقة نفسها بدأت تتلوّن بطبقة من التصديق المصطنع، بينما النهر في الأسفل يواصل اندفاعه الهادئ، كأنه يوشك أن يفيض لا بالماء فقط، بل بما لم يُقال بعد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار


المزيد.....




- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...
- إسحاق دار: أعتقد أن ملف احتياطيات اليورانيوم يمكن حله من خلا ...
- الخارجية الإيرانية: انتهى عمل فرق التفاوض في هذه المرحلة لك ...
- د. سناء الشعلان: -نعيش زمن الانتحار الجماعيّ... ولا أحد يملك ...
- العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الرابع.. -معارك سرية-
- معركة الأبيض وصراع الروايات في السودان
- بدراجة هوائية.. شاب سوري يقطع 5 آلاف كيلومتر لإنقاذ تعليم مل ...
- في 25 يوما فقط.. -7DOGS- يحقق رقما غير مسبوق في السينما العر ...
- نجل الفنان فضل شاكر يطالب بالإفراج عن والده بعد تدهور حالته ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: التواكل