أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلة اللاعودة














المزيد.....

قصة قصيرة: رحلة اللاعودة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 01:45
المحور: الادب والفن
    


كان يجلس في غرفته الطينية الواقعة في أقصى الركن الشمالي الغربي من البيت الكبير. بيتٌ تتوزع غرفه حول فسحةٍ واسعة، تتصل بها غرفتان جانبيتان تحرسهما طارمة طويلة تقي الجدران المطر ووهج الشمس. أما غرفته فكانت أبعد الجميع، غرفة خُصصت في الأصل لخزن الأشياء الزائدة عن الحاجة، ثم آلت إليه حين كبر، وكأن القدر أراد أن يمنحه مكاناً يشبه موقعه في الحياة؛ موجوداً، لكنه على الهامش.
لم يكن انتقاله إليها حدثاً عادياً، فقد جاء بعد سنوات من اعتراض زوجة أبيه التي لم تستطع أن تتقبله يوماً، رغم محاولاته المستمرة لكسب ودها، ورغم مودته الصادقة لأبنائها. كان يشعر أحياناً أن بعض البشر يكرهون الآخرين لا لذنب اقترفوه، بل لأن وجودهم يوقظ فيهم أسئلة لا يريدون الإجابة عنها.
في ليالي الشتاء الطويلة، كانت الغرفة تغرق في عتمة كثيفة لا يبددها سوى فانوس نفطي صغير غطّى السواد زجاجه. يمتد منه شعاع شاحب يرتسم على الجدار وإلى أن يصل إلى السقف المصنوع من السعف والبردي، فيصنع مخروطاً من الضوء المرتجف، كأنه طريق ضائع يبحث عن منفذ إلى السماء.
وحول ذلك الضوء كانت الكتب تتناثر في كل مكان؛ فوق حافة السرير، وبجوار الوسادة، وعلى الفراش الأرضي، وحتى قرب سلة أعقاب السجائر. لم تكن مجرد كتب بالنسبة إليه، بل نوافذ سرية يهرب منها إلى عوالم أخرى. هناك جيفارا يلوّح بثورته، وجميلة بوحيرد تحمل عنادها في وجه المستحيل، وعمر المختار يهمس بأن الكرامة أثمن من العمر، والجواهري يسكب غربته في مياه دجلة وهو ينادي:
"يا دجلة الخير يا أم البساتين.. حييتُ سفحك عن بعدٍ فحييني"
كان يقرأها جميعاً وكأنه يبحث بينهم عن نفسه، عن ذلك الجزء الضائع من روحه الذي لم يجده في البيت ولا في القرية ولا بين الوجوه التي اعتاد رؤيتها كل يوم.
شيئاً فشيئاً صار يعيش أدوارهم بكل تفاصيلها. كان يشعر أن الكلمات تنبت له أجنحة خفية، فتحمله بعيداً عن جدران الغرفة الطينية إلى أماكن لم يرها قط. هناك فقط كان يشعر بأنه موجود، وأن حياته يمكن أن تكون أكثر اتساعاً من حدود الواقع الذي يطوقه.
وفي الليالي الحالكة، كان بعض الشباب يزورونه خلسة. يجلسون حول الفانوس ويتبادلون الأحاديث عن الحرية والتغيير وكسر القيود. كان يحدثهم بحماس عن الشعوب التي تنهض حين تؤمن بحقها في الحياة، ويردد معهم أبيات قاسم الشابي:
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر"
غير أن مفارقة مؤلمة كانت تنهشه من الداخل؛ فهو الذي يتحدث عن الحرية وكأنها عقيدة راسخة، كان عاجزاً عن ممارستها في أبسط تفاصيل حياته. يتكلم عن كسر القيود بينما كان يعيش مقيداً داخل بيته، محروماً حتى من حق الكلام بحرية على مائدة الطعام.
وكان كلما اشتدت وطأة هذا التناقض، يخرج وحيداً إلى أطراف القرية الممتدة فوق التلال المطلة على دجلة. هناك، بعيداً عن العيون والضوضاء، كان يدخل في حوار طويل مع نفسه، إذ كان صوت داخلي يسأله:
- ما الحرية التي تبحث عنها؟
فيجيب بصمتٍ يملأه التردد:
- أن أكون نفسي.
فيعود الصوت:
- وهل يستطيع الإنسان أن يكون نفسه إذا ظل ينتظر اعتراف الآخرين بوجوده؟
عندها كان يطيل النظر إلى الأفق، وكأنه يبحث عن جواب بين النجوم. فقد أدرك مبكراً أن أقسى أنواع السجن ليس ذلك الذي تصنعه الجدران، بل ذلك الذي يُبنى داخل الروح حين يشعر الإنسان بأنه غير مرئي، وأن جهوده وأحلامه تمر أمام الآخرين كأنها لم تكن.
ومع ذلك، كان يعود كل مرة إلى البيت محمولاً بشوق غامض. كان يتخيل أمه الراحلة ما زالت هناك، تنتظره بحضنها الدافئ. يتخيل نفسه يغرس رأسه في حجرها ويبكي كما يبكي الأطفال حين يخذلهم العالم. كان يعرف أن ذلك مستحيل، يعرف أن أمه غادرت الحياة منذ سنوات، ويعرف أن الطفولة لا تعود. لكن القلب، حين يشتد عليه الوجع، لا يعترف بمنطق العقل.
كان يتألم كلما رأى الناس يحتفون بأخيه، بينما يمر هو بينهم كعابر سبيل. ويتألم أكثر حين شعر أن الشكوك بدأت تحيط به من كل جانب؛ زوجة أبيه تراقب خطواته، والأجهزة الأمنية تترصد هفواته، وكل كلمة يقولها قد تتحول إلى تهمة.
ومع مرور الأيام أخذ يشعر أن المكان يضيق حوله شيئاً فشيئاً، حتى بدا له القرية بيتاً، والبيت قفصاً، والقفص قدراً لا يريد الاستسلام له. عندها بدأ السؤال الكبير يفرض نفسه:
- هل يعيش الإنسان ليحافظ على حياته فقط، أم ليمنح تلك الحياة معنى؟
وحين لم يجد جواباً شافياً، اتخذ قراره.
في ليلة حالكة السواد، غابت فيها النجوم خلف الغيوم، نهض بصمت. نظر للمرة الأخيرة إلى الغرفة التي شهدت أحلامه وهزائمه، إلى كتبه المبعثرة، إلى الفانوس الذي رافقه طويلاً، وإلى الجدران الطينية التي حفظت أسراره. كان يعلم أنه سيشتاق لكل شيء؛ لأصدقائه، لوالده الذي لم يدرك حجم ما كان يعتمل في داخله، لأزقة القرية، وحتى للأوجاع التي أثقلت أيامه. لكن بعض الطرق لا تُسلك بحثاً عن النجاة، بل بحثاً عن الذات.
خرج، لكنه لم يهرب. فالهارب يخاف الموت، أما هو فكان يخاف ألا يكون قد عاش أصلا. لذا أدار ظهره للجدران التي شهدت صمته، وحمل في صدره أسئلته التي لم تجبها السلطة ولا الأسرة. كان يعلم أنه يمضي نحو المجهول، لكنه كان يعرف أيضاً أن المجهول هناك في الظلام خير من الوضوح الزائف هنا. فلقد أدرك أن الحرية التي علّمها للآخرين لا تُمنح، بل تُنتزع، فانتزع نفسه من جغرافية الهوان، تاركاً خلفه جثة رجل مسجى على مقصلة الانتظار، وماضياً يبحث عن وطن في داخله أولاً، ذاك الوطن الذي ارتسمت صورته من خلال الكتب التي تركها مبعثرة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...


المزيد.....




- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...
- المخرج سرمد ياسين: الفيلم القصير مقيد بضعف الإنتاج وضعف التس ...
- نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس: تم إحراز تقدم في مجال المحا ...
- -بروفة يوم الحساب-.. المسرح السوري يفتح الستارة على أسئلة ال ...
- انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...
- في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون ...
- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: رحلة اللاعودة