أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: قسوة التجاهل














المزيد.....

قصة قصيرة: قسوة التجاهل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 00:37
المحور: الادب والفن
    


لم يكن فقيراً في الخيال، بل كان يملك منه ما يكفي ليبني مدناً كاملة داخل رأسه. وكان يؤمن أن الإنسان لا يعيش بما يملك من أشياء، بل بما يتركه من أثر في أرواح الآخرين. لذلك ظل يبحث عن نافذة صغيرة يعبر منها صوته إلى العالم.
كان يعيد ترتيب كلماته كما يعيد نجارٌ عجوز ترميم بابٍ قديم يخشى سقوطه، ويصقل أفكاره كما لو أنها مفاتيح قد تفتح أخيراً باباً ظل موصداً في وجهه طويلاً. لكن الأبواب كانت تبقى على حالها، والصمت يعود إليه في كل مرة أكثر برودة، حتى بدأ يتسلل إليه شعور خفي بأن قيمته ليست فيما هو عليه، بل في مقدار ما يمنحه الآخرون من انتباه.
ومع الأيام، لم يعد التجاهل مجرد موقف عابر، بل تحول إلى مرآة مشروخة يرى نفسه فيها أصغر مما هي عليه. فالغضب الذي كان يظنه شرارة احتجاج صار جمرة دفينة تأكل أطراف روحه ببطء، والخجل الذي بدأ حذراً من الخطأ تمدد حتى صار ظلاً ثقيلاً يرافقه أينما ذهب. كان يحدث نفسه كثيراً:
- لا بد أن لكل وجع باباً دخل منه.
ثم يسكت قليلاً ويضيف:
- وربما يكمن الخلاص في معرفة ذلك الباب.
ظل يفتش في أسباب ألمه كما يفتش الغريق عن بقعة ضوء تحت الماء، حتى ظن أنه عثر أخيراً على فكرة قادرة على إنقاذ الجميع. فكرة رآها واضحة كالشمس، وآمن بها كما يؤمن التائه بأول علامة تدله على الطريق.
وفي يوم الاجتماع، كان يردد عباراته طوال الطريق. يحذف كلمة ويضيف أخرى، لا لأن الفكرة ناقصة، بل لأن الإنسان حين يطول حرمانه من الإصغاء، يبدأ بالشك حتى في طريقة نطقه للحقيقة.
وصل إلى المكان. صفوف من الكراسي، ووجوه مألوفة تتبادل الأحاديث بثقة الواثقين من حقهم في الكلام. أما هو فكان يدخل المشهد كما تدخل قطرة مطر إلى بحر مكتظ بالأمواج. رفع يده محيياً:
- السلام عليكم.
تعثرت الكلمات في الهواء، ومضت دون أن تترك أثراً يُذكر.
جلس بصمت. مر موزع القهوة قربه ثم تجاوزه، كأن عينيه لم تلتقطا وجوده أصلاً. لم يكن الأمر متعلقاً بفنجان قهوة، بل بذلك الشعور الغامض الذي يجعل الإنسان يتساءل:
"هل أصبحتُ شفافاً إلى هذا الحد؟"
راح يستمع إلى النقاشات الدائرة. أفكار تتقاطع وتتزاحم، لكنه كان يرى بينها فجوة واسعة لا ينتبه إليها أحد. رفع يده بأدب طالباً فرصة للكلام، لم يره أحد. رفعها مرة أخرى، لم يره أحد أيضاً. حاول أن يقترب بصوته من دائرة السامعين:
- أظن أنني وجدت الحل...
لكن صوته بدا كحصاة صغيرة أُلقيت في صحراء مترامية؛ لا صدى يعود، ولا أثر يُرى. عندها شعر بشيء ينكمش في أعماقه، وأدرك فجأة أن الفقر ليس نقص المال وحده. ثمة فقر أشد قسوة؛ أن يمتلك الإنسان فكرة ولا يجد أذناً تسمعها، وأن يحمل قلباً نابضاً ثم يشعر أن وجوده يمر على الآخرين كمرور الهواء.
كان التجاهل يلتف حول روحه ببطء، كأخطبوط خفي يضيق أذرعه كلما حاول الإفلات. لذا قال في سره:
- قسوة الفقر أعرفها جيداً... فقد جاورتني طويلاً.
ثم تنهد وأضاف:
- لكن قسوة التجاهل شيء آخر؛ إنها أن يُنتزع منك حقك في أن تكون مرئياً.
في تلك اللحظة لم يكن يؤلمه صمت الآخرين بقدر ما كان يؤلمه اكتشافه المرير؛ أن الإنسان قد يقضي عمره كله محاولاً إثبات وجوده لمن لا يملكون أصلاً رغبة في رؤيته.
نهض بهدوء. لم يغضب، ولم يحتج، ولم يلتفت وراءه. كان يشعر أن شيئاً ما قد انكسر في داخله، لا ضجيج له ولا صوت، تماماً كما تنكسر النجوم البعيدة في أعماق السماء دون أن يسمع أحد سقوطها. وعندما غادر المكان، أدرك حقيقة لم يتعلمها من الفقر ولا من الوحدة:
"تعلم أن عليه بالصمت، لا لأنه لم يعد يملك ما يقوله، بل لأنه أدرك أن أكثر الصرخات وجعاً هي تلك التي لا يسمعها أحد"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء


المزيد.....




- وزير الثقافة السوري يحسم الجدل: لا مسرح لمن مدح الأسد.. والا ...
- وزارة الثقافة المولدوفية تدرج 25 فنانا روسيا في قائمة سوداء ...
- صراع الروايات حول مرتفعات علي الطاهر: الاحتلال يزعم السيطرة ...
- حذف وثائق من حواسيب الشرطة الإسرائيلية مرتبطة بالحفل الموسيق ...
- وفاة الفنان قادر إنانير أحد أبرز نجوم السينما التركية إثر وع ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط ...
- من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس- ...
- -المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: قسوة التجاهل