أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، مقاربة فلسفية لقصة عُقبَى للقاص لمهدي الجابري















المزيد.....

بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، مقاربة فلسفية لقصة عُقبَى للقاص لمهدي الجابري


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 06:18
المحور: الادب والفن
    


شيخوخة الروح أعمق من تجاعيد الوجه، وأكثر إيلاماً من وهن العظام. إنها تلك اللحظة التي يدرك فيها الكائن أنه لم يعد ما كان، لكنه يرفض التصالح مع هذا الإدراك. يظل القلب النابض يبحث عن معجزة، عن خلاص، عن ولادة جديدة تشبه تلك التي تحدث في الأساطير القديمة حين ينهض العنقاء من رماده متجدداً، أقوى مما كان.
لكن بين شيخوخة الروح وولادة الرماد مسافة شاسعة، ليست مسافة زمن بقدر ما هي مسافة وعي. فالشيخوخة الحقيقية ليست في الترهل الجسدي، بل في العجز عن قبول الفناء بكرامة، وفي التعلق الوهمي بإمكانية العودة إلى الوراء، وكأن الزمن سلّم يمكن صعوده ونزوله، وكأن الحياة لعبة يمكن إعادة تشغيلها كلما شعرنا بالإحباط.
ومن هنا تحديداً تكتسب قصة عُقبى للقاص مهدي الجابري أهميتها التأويلية؛ إذ تنتقل من حكاية طائر يطارد شبابه الضائع إلى سؤال أوسع يتعلق بمصير الكائن حين يخلط بين التجدد والتكرار، وبين استعادة القوة واستعادة المعنى.
في إيجازها المدهش تحمل القصة أبعاداً فلسفية تلامس سؤالاً وجودياً قديماً ومتجدداً:
"هل يمكن للكائن أن يهرب من شيخوخة الروح بقفزة زمنية جسدية؟ أم أن محاولة الخلاص بهذا الشكل هي أوهن أنواع الوهم وأكثرها مأساوية، لأنها تنتهي حيث بدأت، بل ربما أسوأ مما بدأت؟"
ولعل المقارنة مع رمز العنقاء تبدو هنا ضرورية. ففي الأساطير يحرق العنقاء نفسه طواعية، واقفاً على عرش اليقين بأن الرماد سيكون رحماً لولادة جديدة. أما بطل الجابري فيفعل العكس تماماً؛ فهو لا يحرق نفسه، بل يحاول تجديد أدواته. يستبدل ريشه بآخر جديد، ويشحذ مخالبه، ويقوّي منقاره، وكأن المشكلة كانت في الوسائل لا في الغايات.
إنه لا يموت ليتجدد، بل يتجدد شكلياً ليستمر في النمط الوجودي نفسه الذي أوصله إلى الهرم في المقام الأول. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالعنقاء يولد جديداً لأنه يختار مواجهة نهايته، أما عُقبى فيظل أسيراً لغرائزه القديمة. وبذلك تتحول محاولته للخلاص إلى دائرة مغلقة؛ فكل ما يتغير فيه هو المظهر، أما البنية العميقة للوعي فتبقى على حالها، وكأن الزمن يدور حول نفسه دون أن يتقدم خطوة واحدة. لقد كان يظن أن الريش والمخالب والمنقار هي هويته الحقيقية، فلما جددها توهم أنه جدد وجوده. وفي هذا السياق نستحضر التأويل الفلسفي لمقولة "سينيكا:"
"الإنسان ليس ما يملك من أعضاء، بل ما يملك من وعي بما تفعله هذه الأعضاء."
فالبطل لم يسأل نفسه: لماذا هرمت؟ ولماذا فقدت قوتي؟ بل اختزل الإجابة في أسباب مادية بسيطة: الريش تقادم، والمخالب بليت، والمنقار تآكل. وهكذا أصبح يعيد طلاء التمثال دون أن يسأل عن الكسر المختبئ في داخله. ومن يظن أنه يهزم الموت بتجديد قوته، إنما يهزم نفسه قبل أن يهزمه الموت.
وإذا كان التعلق بالشكل قد كشف جانباً من وهم البطل، فإن اختياره لعمر جديد يكشف جانباً آخر من هذا الوهم. يريد عُقبى أن يعيش أربعين سنة أخرى. والرقم أربعون هنا ليس اعتباطياً؛ فهو في المخيلة الإنسانية عمر النضج واكتمال العقل وبلوغ الحكمة. لكنه لا يطلب الأربعين ليعيد اكتشاف نفسه، بل ليعيد إنتاج ذاته القديمة. إذ تفضحه العبارة التالية مباشرة:
"صفق بجناحيه متفاخراً يتحين فرص الصيد."
لم يتجدد ليصبح مختلفاً، بل تجدد ليكون النسخة نفسها ولكن بقوة أكبر. لم تتغير رغباته، ولم تتبدل أهدافه، ولم يراجع مسار حياته. فما زال صياداً، وما زال أسير نزعة الافتراس ذاتها. وهنا يلتقي النص مع الرؤية الوجودية التي ترى أن الإنسان لا يكتسب معناه من امتداد عمره، بل من طبيعة وعيه بهذا العمر. ولذلك يقول "هايدغر":
"إن الإنسان كائن نحو الموت، وإن إدراكه لفنائه هو ما يمنح وجوده معناه الحقيقي"
غير أن عُقبى يتصرف وكأن الموت عطل ميكانيكي يمكن إصلاحه، لا حقيقة وجودية لا يمكن تجاوزها. غير أن الأوهام الكبرى لا تنهار دفعة واحدة، بل تمنح صاحبها فرصة أخيرة لقراءة الإشارات المبعثرة على الطريق. وهنا تحديداً تأتي لحظة الغزال الجريح.
في ذروة القصة يقبض عُقبى على غزال يحمل في جسده سهم فارس. لم يكن الغزال فريسة فحسب، بل كان يحمل أثراً سابقاً لصراع لم ينته بعد. كان السهم علامة واضحة على أن الموت قد مر من هنا قبل وصول الطائر.
ولعل أكثر ما يلفت في هذا المشهد أن السهم لم يكن موجهاً إلى عُقبى أصلاً، بل كان أثراً لصراع سبق حضوره إلى المكان. فكثيراً ما تترك النزاعات البعيدة شظاياها في طرق لم تكن طرفاً فيها، فيجد العابر نفسه داخل دائرة الخطر وهو يظن أنه جاء باحثاً عن غنيمة لا أكثر. لكن نشوة القوة الجديدة أعمت الطائر عن قراءة العلامة، لذا انقض على الغزال، وإذا بنصل آخر يرديه فوق فريسته.
وعند هذه النقطة يتجاوز النص حدود الحكاية ليقترب من تأمل أوسع في هشاشة اليقين الإنساني. كان يمكن لعُقبى أن ينجو لو تأمل السهم الأول، لكنه لم يفعل. لم يصبه السهم الأول جسدياً، لكنه كان موجهاً إليه معرفياً. كان إنذاراً لا إصابة، وتحذيراً لا عقوبة. أما السهم الثاني فقد جاء ليكمل ما تجاهله الغرور.
وهكذا يبلغ النص ذروة مفارقته؛ فالكائن الذي ظن أنه استعاد سيطرته على الزمن يسقط ضحية لحظة لم يحسب لها حساباً. هذه اللحظة تحمل قراءة فلسفية عميقة عن شرطية الوجود؛ فكل كائن يعتقد أنه ممسك بزمام حياته، بينما هو في الحقيقة يتحرك وسط شبكة معقدة من الاحتمالات والأقدار التي لا يراها.
لقد كان تجدد عُقبى وهماً، لأنه لم يغير جوهره. ولأن الموت الذي جاءه في النهاية لم يكن سوى الوجه الآخر للموت الذي حاول الهرب منه في البداية. فمأساة الإنسان ليست في أنه يموت، بل في أنه يموت وهو يظن أنه قادر على تخليد نفسه.
ما فعله عُقبى لم يكن ولادة من الرماد، بل تجميلاً للرماد. لم يحترق ليولد من جديد، بل حاول أن يقفز فوق استحقاقات الوعي. فالولادة الحقيقية لا تأتي من استبدال الريش، بل من تغيير رغبات الروح.
ولو أن عُقبى، بعد أن استعاد قوته، قرر أن يراقب الغزلان بدلاً من مطاردتها، أو أن يطعم الجائعين بدلاً من إشباع غروره، أو أن يتأمل الحياة بدلاً من افتراسها، لكان لتجدده معنى آخر.
لكنه عاد إلى الفعل نفسه، والغريزة نفسها، والطريق نفسه، فكان المصير نفسه. وهنا تحضر فلسفة "نيتشه" في مفهوم العود الأبدي؛ ذلك التكرار اللامتناهي الذي لا يتحول إلى خلاص إلا حين يصبح وعياً. أما عُقبى فقد عاش دورته دون أن يدركها، فسقط ضحية لها.
وإذا كان سقوطه خاتمة لحكايته، فإنه ليس خاتمة للتأويل؛ فالنص يظل مفتوحاً على أسئلة تتجاوز الطائر والغابة معاً. ففي عالم تتكاثر فيه السهام أكثر مما تتكاثر الأجنحة، تبدو المأساة أحياناً نتيجة لعجز الكائن عن رؤية الريح التي تحمل تلك السهام. فثمة أخطاء نصنعها بأيدينا، وثمة أخطار تأتي محمولة على ضجيج صراعات لا نشارك في إشعالها، لكنها تجد طريقها إلينا رغم ذلك.
وعليه فإن قصة عُقبى ليست حكاية طائر هرم فحسب، بل مرآة تنعكس فيها روح الإنسان المعاصر. فالغالبية تجدد ريشها، وتشذب مخالبه، وتلجأ إلى التقنيات والتجميل والتطوير السطحي، ظناً منها أنها بذلك تهزم الزمن. لكن الزمن ليس عدواً خارجياً، بل هو الامتداد الطبيعي لخيارات. وعليه فالتجدد الحقيقي لا يكون بترميم الصدفة، بل بإعادة بناء المضمون.
ويموت عُقبى فوق فريسته التي حملت سهم فارس، وكأنه يسقط على حقيقة أبدية: من يعيش فريسة لغرائزه، يموت فريسة لسهام القدر.
أما نحن، فربما يبقى السؤال الأهم:
"هل نجرؤ على أن نحترق مثل العنقاء لنولد من جديد؟ أم سنظل نلملم ريشنا المتساقط ونشحذ مناقيرنا المتآكلة، حتى نكتشف متأخرين أن الفريسة التي كنا نطاردها لم تكن سوى ذواتنا؟"
فالشيخوخة ليست عيباً في الجسد، بل حكمة تهمس لنا: توقف عن الصيد، توقف عن العبثية والرعونة، فقد حان وقت التأمل. فالعبرة في آخر المطاف أن الإنسانية الحقة ليست في القدرة على الصيد، بل في القدرة على ترك الصيد، ومواجهة الرماد الذي سنصير إليه، لا كخاسرين، بل كعارفين بأن نهاية الرحلة ليست دائماً نهاية المعنى، وأن أعظم ولادة قد تبدأ من لحظة الاعتراف بفنائنا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...


المزيد.....




- أشبه بفيلم أكشن.. رجال ونساء يتبادلون اللكمات وسط تطاير الحق ...
- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، مقاربة فلسفية لقصة عُقبَى للقاص لمهدي الجابري