أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الرحيل














المزيد.....

قصة قصيرة: الرحيل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 06:18
المحور: الادب والفن
    


كيف يمكن للإنسان أن يترك مهد صباه؟ وكيف يقنع نفسه بأن الرحيل حقيقة لا مفر منها؟ فثمة أمكنة لا تكون مجرد بقعة على خارطة الوطن، بل تصبح جزءاً من تكوين الروح. هناك، بين الدروب الترابية الأولى، والأشجار التي شهدت أحلام الطفولة، والوجوه التي منحتنا أسماءنا الأولى، يترك الإنسان شيئاً من ذاته مع كل يوم يعيشه، حتى يغدو المكان امتداداً له، ويغدو هو امتداداً للمكان.
وفي لحظة الرحيل الكبرى، لا يغادر المرء أرضاً فحسب، بل يقتلع جزءاً من روحه ويتركه خلفه. كانت تشعر بذلك وهي تودع قريتها. لم تكن تودع البيوت أو الشوارع أو النهر، بل كانت تودع نسخة من نفسها عاشت هناك، وضحكت هناك، وحلمت هناك.
في لحظة الحزن تلك، سقطت السعادة من بين يديها كما تسقط ورقة يابسة في مهب الريح. وجدت نفسها في مكان لم تعرفه يوماً، ولم تتخيل أن تصل إليه. كانت تتجه نحو الغربة، تحمل قلبها على كتفها كما يحمل المسافر متاعه الأخير، وتنثر خلفها شظايا الذكريات كما يتناثر البلور المكسور تحت وقع الصدمات.
كان النهر عالماً غريباً ومخيفاً. أمواجه تتلاطم كأنها تستعيد حكايات الهاربين جميعاً. ولم تكن تدري كيف يستطيع زورق خشبي صغير أن يحمل كل تلك الكتل البشرية المثقلة بالخوف والرجاء معاً.
كانت العيون تتطلع نحو الشاطئ المقابل بوصفه وعداً بالخلاص، أما هي فكانت تنظر إلى الشاطئ الذي تركته خلفها. شعرت أن خيوطاً خفية تمتد من صدرها إلى قريتها، تشدها كلما حاولت التقدم نحو المجهول. أدركت آنذاك أن الغربة ليست الابتعاد عن الأرض، بل الابتعاد عن النسخة الأولى من نفسها التي تركتها هناك.
في تلك الليلة التي امتزج فيها الحزن بالفرح، كانت تحمل آمالاً كبيرة بحياة أكثر أمناً وكرامة، لكنها في الوقت نفسه كانت تتمنى أن تعود يوماً إلى مهد صباها. غير أن شيئاً غامضاً ظل يقيدها من الداخل، كأن المكان الذي ولدت فيه يرفض أن يسمح لها بالرحيل الكامل.
أمسكت بيدي طفليها الصغيرين بقوة، بينما بقي شريك حياتها خلفها، متمسكاً ببيته وأحلامه، مؤمناً بأن العودة قريبة مهما طال الغياب. كان الخوف يحيط بها من كل جانب، لكنها لم تكن تريد الاستسلام لإرادة الشر. كانت تؤمن أن الإنسان قد يخسر بيته وماله وأعوام عمره، لكنه إذا خسر حريته خسر نفسه.
صعدت إلى القارب وهي تضم طفليها إلى صدرها. شعرت أن قلبها أصبح أثقل من جسدها، يتمشى في صدرها جزعاً وهلَعاً. أما نعيش معاً أو نموت معاً؟
تحرك القارب فوق الماء، وارتفعت الأمواج من حوله كجدران متحركة. وكلما اشتد الموج، ازدادت تمسكاً بصغيريها. كانت تشعر أن قلبها اختلط بالدم في عروقها، وأن الدموع لم تعد تكفي للتعبير عما يجتاحها من ألم.
نظرت إلى الوجوه من حولها. بعضها كان يبتسم، وبعضها يلوّح للمجهول بفرح غريب. واستغربت كيف يستطيع الفرح أن يولد في حضرة كل هذا الحزن. وقالت في نفسها:
- أتبخرت العقول؟
من الجميل أن تعم الفرحة القلوب، لكن من المؤلم أن يكون الفرح بينما الدنيا في غاية الحزن. كأنهم يفرحون على حساب أحزانها. ومع ذلك حاولت أن تشارك الآخرين ابتساماتهم. مدت يدها إلى الماء، ضربت سطحه بكفها ثم ابتسمت. كانت تحاول مصادقة الحياة ولو مؤقتاً، لكنها كانت تعلم أن الأحزان التي تنبت في الأعماق لا تموت بسهولة.
سرعان ما عاد الحزن يطرق أبوابها من جديد. راحت تستعيد صور مدينتها: البيوت الطينية القديمة، أصوات الباعة، رائحة الخبز في الصباح، وضحكات الأطفال عند المساء. أدركت أن الحنين ليس شوقاً إلى المكان وحده، بل شوقاً إلى الإنسان الذي كنا عليه ونحن فيه.
كانت الرحلة تجرح قدميها وروحها معاً. ومع ذلك ظل حزنها على طفليها أكبر من حزنها على نفسها. كانت تعلم أن الغربة قد تُحتمل، أما فقدان الأحبة فلا يعوضه وطن بأكمله.
ثم هدأت قليلاً عندما أقنعت نفسها بأن رفض الظلم هو انتصار للحق، حتى لو كان الثمن باهظاً.
وفجأة انقلب الزورق، وتناثرت الأجساد فوق الماء، واختلطت الصرخات بزئير الأمواج. أصبح الجميع يصارع المجهول، بينما راحت الحناجر تختنق بالماء والخوف. نظرت إلى طفليها وقد بدأ الماء يبتلعهما كما يبتلع الآخرين، لذا صرخت من أعماق روحها:
- أنقذوا أولادي... أنقذوا أولادي...
دفعت بهما إلى الأعلى بكل ما بقي فيها من قوة، بينما راحت هي تهوي نحو الأعماق. في تلك اللحظة لم تمر أمام عينيها صور المستقبل، بل صور الماضي. رأت بيتها القديم، وأشجار الحي، وساحة المدرسة، والنهر الذي كان يمر بالقرب من طفولتها. وكأن الروح حين تقترب من نهايتها تعود غريزياً إلى نقطة بدايتها.
أخرج الخيرون الطفلين من الماء، أما هي فبقيت هناك. بين اليقظة والرحيل، ظلت أصابع روحها تتلمس طريق العودة. كانت تؤمن أن المدن التي نولد فيها لا تسمح لنا بالرحيل الكامل، فهي تزرع جذورها في أعماقنا منذ اللحظة الأولى، وتبقى تنادينا مهما ابتعدنا. لذا ظل الحنين يداهمها حتى في لحظاتها الأخيرة. كانت تريد أن تكتحل عيناها بملامح شاطئ قريتها، وأن تشم رائحة ترابها مرة أخيرة. منعوها بكل السبل، لكن روحها ظلت تصر على العودة.
وفي الصباح، طفا جسدها عند ذلك الشاطئ. حملها الناس على الأكتاف، بينما كانت قطرات الماء تنحدر من وجهها كأنها دموع متأخرة، أما عيناها فظلتا نصف مفتوحتين، تحدقان في الأفق البعيد، وكأنهما وجدتا أخيراً ما كانتا تبحثان عنه طوال الرحلة. لم ينتبه أحد إلى أن شيئاً آخر قد عاد معها أيضاً... ذلك الجزء من روحها الذي ظل معلقاً هناك منذ لحظة الرحيل الأولى، فبعض الأرواح لا تغادر أوطانها أبداً، حتى عندما تهاجر الأجساد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...


المزيد.....




- مهرجان العراق السينمائي الدولي لأفلام الشباب يحدد نيسان 2027 ...
- المخرج سرمد ياسين: الفيلم القصير مقيد بضعف الإنتاج وضعف التس ...
- نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس: تم إحراز تقدم في مجال المحا ...
- -بروفة يوم الحساب-.. المسرح السوري يفتح الستارة على أسئلة ال ...
- انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...
- في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون ...
- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الرحيل