أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حِداد














المزيد.....

قصة قصيرة: حِداد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:31
المحور: الادب والفن
    


تدورُ الأفكارُ في رأسِها ويمارسُ القلبُ مارثونَ الجنون، يخفقُ كقرعِ الطبول، يتدلى تائهاً ما بين غيمةِ ماضٍ راحلة وأملٍ بأفقِ أمان، ومن على أجنحةِ الخيبةِ والتشرذمِ تحاولُ روحُها أن تتعافى وتمحي الأحرفَ الموشى بالدمِ بعطرِ جراحِ الأرضِ التي طُمرت الأحلامُ فيها، تتأهبُ الحواسُ الخمسةُ بكاملِ استعدادها، منها مَن ينصتْ إلى النبضِ المسموعِ بلا صوت، تتوه كرعشةِ شوقٍ لأمومةٍ شاردةٍ ما بين مهالكِ النهى وجنانِ المنى، إلا أنها ما زالت تغالبُ وطأةَ الصمتِ وتذوبُ نوحاً من صراعاتِ الضمير، فالحاضرُ الذي تنتمي إليه كانت بالنسبةِ له كسجدٍ بلا روحٍ حتى وإن نزعت ثوبَ الحداد، بعدما انتصبت راياتُ العزاءِ بوثبةِ رجلٍ ادعى بأنَّه سيملئ فراغَ الأماني، لذا أخذت تحاولُ أن تكونَ جزءاً منه، جزءاً من تلك الحياة، عسى أن تمتدَ لها ذراعيها لتهبها ذلك الشعورَ المفقودَ بها، ويا ليتها عاشرت كبرياءَ الخواء، إذ بدأت تكتشفُ بعدما أيقنت بما لا يقبلُ الشكَ بأنَّ هنالك أشياءً بدت خارجةً عن المألوف، بممارساتٍ تحملُ ذات الوجهين، ربما الخطأُ وربما الصوابُ، فاختلطت في دواخِلها ما بين القبولِ والرفض، وحيرتُها أخذت تتفاقم أكثر كلما تساوى ذلكما النقيضان في الدواخلِ في آنٍ واحد، مع إدراكها بأنَّها لا تمتلكُ حريةَ الاختيارِ كلِّها, وهنالك بشاراتُ إنذارٍ بدأت تخشى الغوصَ في حلِ رموزها، واهمها ذلك الشعورُ بالحزنِ بعدما أخذت تنوء من ثقلِ رؤيةٍ متكررةٍ, حلمٌ ترى فيه أنَّ الأرضَ تنشقُ في كلِّ مرةٍ وتبتلعُ ابنَها البكرِ اليتيم فاضل" كن معي يا إلهي" إلا أنَّ ايامَها كأنما بدأت تتشابك من جديد، والأسئلةُ تتقاذفُ في ذهنِها تبحثُ عن إجاباتٍ شافية، فولدُها رجب صورةٌ مصغرةٌ لتصرفاتِ والده كما هي تصرفاتِ ولدِها فاضل وكأنه صورةٌ لزوجِها الأولِ الذي انتهت حياته بظروفٍ غامضةٍ تحملُ أكثرَ من احتمال، كلٌّ يحملُ تناقضه ورفضه لمسارِ الآخر كأنهما لم يولدا من نفسِ الرحم، صراعٌ من نتاجِ ذلك الرحمِ فلا قيمة للزمانِ ولا للمكان، لتتيقن بأنها لم تكنْ إلا شاهداً على هذا التناقضِ وليست أداةٌ لبدايةِ التغيير وتأليف ما بين قلبيهما.
يعاود شريطُ الذكرياتِ بالظهور، زوجُها الأول وذلك الألمُ الذي غرسَ أنيابه وما زالت آثاره ما بين الثنايا، وإرادةٌ مسلوبةٌ وطفلٌ يتيم نشأ بجوٍ استمدَّ من والده الاعتزازَ بالنفسِ وإن كان على خطأ وتحت مسمى البقاء للأقوى، وتلك الغرفةُ الطينيةُ الصغيرةُ التي جمعها بزوجِها الثاني تحت وطأةِ الأعرافِ وجبروتِها علّها تتناسى أشجانَ السنين كلَّها، إذ خفتَ ضوءُ الفانوسِ النفطي بعدما تصاعدَ الدخانُ الأسودُ وانتشرَ على زجاجةِ الرؤية، وصوتُ المزمارِ ذلك الوجدانُ الجمعي ما بين الناسِ في محيطِ تلك الغرفةِ يدخلُ في مساماتِ جسدها، يتّحدُ مع دمِها، يبهجها، فيحملها بلا وعي منها إلى ذات البراءةِ والحنين، زمنِ الشبابِ ورسمِ الأحلام، فاستسلمت بجمال روحها لذلك الخدر مع الصوت الذي يعلو ويهبط مع حركةِ وإيقاعِ الأرجلِ وهي تضربُ الأرضَ.
تعود إلى واقعها على صوتِ جلبةٍ آتيةٍ من جهةِ البابِ الخارجي, عرفت بأنَّ رجب قد غادرَ البيتَ بتلك العصبيةِ المعروفةِ عنه, لتجدَ الدموعَ قد تدفقت من عينيها التي لم تعدْ كافيةً عما تشعرُ به من ألمٍ مقرونٍ بنزيفِ القلب، لذا فضّلت أن تخفي ذلك الألمَ مع خشيتها من مجهولٍ قادم، الخشيةُ من أن تتكررَ الأحداثُ من صمتٍ للروحِ وخيباتِ الأيامِ بصدى الحيرةِ والتناقضِ المرير، أن تعيشَ في أتونِ الهزيمةِ الثانيةِ في ابنِها رجب، وحينئذ قد تتساوى لديها الحياةُ والموتُ.
لم تعدْ تعرفُ كيف تتصرف، يداهمها العجزُ وهي ترى خيوطَ الظلامِ تبزغُ من أقاصي الدجى، فكلٌّ منهما جزء منها, والحلمُ يتكرر، لذا أخذت تلوذُ إلى بعضِ الأدعيةِ التي حفظتها عن والدتِها حينما تدلهمُ بها الخطوب، فالخوفُ أحيانا قد يجبرُ الأشخاصَ بالالتصاقِ بالعقائدِ البريئةِ هرباً من الحاجةِ إلى استخدامِ العقل، أملا برفضِ بعضَ المسلماتِ التي تدورُ في أحشائِها من دون الإفصاحِ عنها باللسان.
تنظرُ إلى الطريقِ بعينِ الدهشةِ بعدما استنفدت حدودَ طاقاتها وقد تشكّلت صورةٌ أمامها تشبه فاضل مضرجةٌ بالدماء بدأت ُ بالتشظي، فبدت شفتاها تنزلقُ في تقبيلِ أيادي الأقدار ولسانُها يلهجُ بالدعاءِ تحت سماءٍ تنذرُ باللاعودة، تنزفُ بقتامةِ طقسٍ أحمر، تنهضُ ببطءٍ عسى أن تبددَ رتابةَ الوقت, وعسى أنَّ يكونَ حلمُ يقظةٍ لا أكثر ، لتجدَ رجب يقفَ على مسافةٍ منها، ترتسمُ على وجهه ابتسامةٌ ارتابت منها، كأنه أطفأ ظمأ العمر، فبدا حلمُ الأمومةِ بالتلاشي, وتكسرت حروفُها عند المخارجِ وهي تواصلُ سيرها عنوةً في سكةِ العذاب, على أرضٍ لن تسع اماني ابنائها، لتعلنَ الحِدادَ على أحلامِ السنين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...


المزيد.....




- بوتين يشيد بالتوظيف الرقمي المبتكر في معرض -الإرميتاج الباهر ...
- انطلاق معرض -الإرميتاج الباهر- الرقمي في موسكو
- مهرجان -فونتانكا ساب- يطلق فئة -أسرار الشرق- للأزياء التنكري ...
- فرع غاليري تريتياكوف في سامارا يفتتح معرض المسابقة الدولية - ...
- الأسبوع المقبل.. استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران ...
- واشنطن تستعد لاستئناف المحادثات الفنية مع طهران وتحركات بشأن ...
- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حِداد