أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية














المزيد.....

قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


في تلك الليلة الشتوية الباردة، كان البدر يسكب نوره بصمتٍ يلمّ ملامح المكان. سكونٌ كثيف يهبط على النفوس كغطاء ثقيل، لا يقطعه إلا إطلاقات متفرقة هنا وهناك، ولحنٌ دمويّ يمتد في الأفق كأنه يعلن موعد رحيله ليبشّر بولادة فجرٍ جديد. وفي تلك اللحظة، كان هو يعيش جسده كأنه كيانٌ عابر، يطوف في أرجاء منطقته ومرتع صباه.
منطقةٌ مترامية الأطراف، رملية المنبسط، يلتقي فيها الأفق بالسماء في امتدادٍ يبدو بلا نهاية، حتى يغدو هذا التماس دائرةً مغلقة توحي بأن حدود العالم والمعرفة قد تداخلت. هناك، في عمق الذاكرة، كان يغوص أكثر فأكثر؛ في صندوقه الأسود الكامن إلى يمينه، حيث وديانٌ سحيقة وكهوفٌ ومغارات حفرتها الطفولة في مسارات حياته. لم يُرزق إلا بتلك الطفلة التي يتجنب حتى استحضار اسمها.
قطع عليه الهاتف خلوته:
- أحد أفراد المجموعة وقع في حقل ألغام، نعتقد أنه لم يُصب… ماذا نفعل؟
ارتبك داخله كل شيء. تداخلت الأفكار حتى كادت تعطل حركته. ذلك العنصر الذي سبق أن أصيب بعطبٍ في دماغه، والذي كثيراً ما تتبدل تصرفاته على نحوٍ غير متوقع، كان الآن في قلب المأزق. ومع ذلك، كان هو نفسه يحمل في داخله أمنية قديمة: أن يرزقه الله ببنت، وأن يسميها نور. هكذا بدأ المشهد من جديد في ذاكرته.
بعد لحظات من التردد المضطرب، اتصل بالمراجع والصنوف الهندسية، فجاء الرد حاسماً:
- لا يمكن التدخل الآن… الوقت متأخر، ومع طلوع الفجر قد تكون الشمس قد سبقتنا.
اقتنع بالمنطق البارد، لكنه لم يهدأ. تحرك مبتعداً بخطوات قصيرة، يفرك كفاً بكف، يبحث عن حلّ سريع وسط دوامة متناقضة من الشجاعة والخوف.
- إنها ضريبة المسؤولية… عليّ أن أجد مخرجاً.
قرر أن يذهب بنفسه، حتى لو أشرقت الشمس. كان صوت خطواته على الحصى يصنع إيقاعاً متوترا يتناغم مع ارتطام بندقيته بجسده وارتباك أفكاره. قلبه يزداد اضطراباً، وكلمات رفاقه تتردد في داخله:
"أنت شجاع وصلب"
لكن خلف تلك العبارة، كانت تتشكل أسئلة أعمق: قد تكون قناعاتنا امتدادا لما ورثناه، أو ظلًا لآبائنا، أو نتيجة صمت الأمهات اللواتي ينتظرن نموّ الأبناء وسط قسوة الحياة. فنخرج محمّلين بما ليس لنا، نحمل مفاهيم الآخرين ونظنها شجاعة أو إيثارا، بينما هي في العمق قيود خفية.
"أنت شجاع وصلب."
وعاد به الذهن فجأة إلى طفولته؛ إلى بيتٍ فلاحي فقير، حيث كان الأب يكافح لتأمين لقمة العيش. في منتصف الليل، كان يسمع أنيناً خافتاً من الغرفة الطينية المجاورة، ووجوهاً نسائية تتحدث بصوتٍ منخفض. لم يفهم شيئًا في البداية، لكنه تسلل على أطراف أصابعه حتى بلغ الباب الخشبي، يضع أذنه على شقوقه، يبحث عن سرّ ذلك الليل الغامض.
في الخارج، كان الليل ساكنًا تماماً. ثم أدرك أن الأمر يتعلق بولادة. ولادة قريبة، أخيرة كما قيل.
التفت إلى ساحة الدار، فرأى والده يتمشى ذهاباً وإياباً بمعطفه القديم، يداه خلف ظهره، والغليون بين أصابعه. كانت جمرة الغليون تلمع كعينٍ شاردة في الظلام، بينما النجوم تتناثر في السماء كأنها عيون تراقب بصمت. وكوكب الزهرة يقترب من الأفول.
ثم انقطع كل شيء على وقع إطلاقات متقطعة… صوتٌ صار مألوفاً لا يثير الدهشة. الساعة كانت تركض. الفجر يقترب، والمأزق يشتد. وعندما وصل إلى المكان، شعر بقلبه يقفز من صدره.
كان المشهد أخطر مما توقع: رجل يقف وسط حقل ألغام ممتد، شبكة موت دقيقة لا تسمح بخطأ واحد. كيف نجا حتى الآن؟ وكيف لم تنفجر الأرض تحته؟
تماسك قدر الإمكان. حاول أن يبدو هادئاً أمام رجاله، بينما داخله يتصدع.
- هل يدفع أحد غيري لهذه المهمة؟
ثم عاد الصوت القديم يتردد في داخله:
"أنت شجاع وصلب".
وتداخلت معه صورة أمه، وطفلته الصغيرة، ووجهها الذي لا ينساه رغم محاولته طرده من ذاكرته. تذكرها وهي تمسك بيده، تبكي كي لا يرحل. لكنه رحل، دون أن يهتز قلبه حينها.
- ربما اقتربت النهاية… همس لنفسه.
ومضت أمامه مشاهد متكسرة: غرفة، صراخ، امرأة تقول بصوت مرتجف:
- أبشّرك… إنها بنت.
ابتسمت، لكن وجه الأب تجهم، كأن ضربة أصابته في الداخل. لم ينطق. فقط أدار رأسه بصمت، وكأن الخبر لم يكن كما يجب أن يكون .ثم عاد الزمن يدور في داخله. ذلك المشهد لم يكن بعيدا، بل ظلّ حياً في أعماقه: رفضٌ خفي، موروثٌ اجتماعي، وجرحٌ لم يُعترف به.
الآن، في قلب الحقل، شعر أن كل شيء يعود إليه: الأم، الطفلة، الماضي، والمجتمع الذي يشكّله دون أن يدرك.
- عليّ أن أتجاوز نفسي… وأن أكون مسؤولا حقا.
ومع انبلاج الضوء، بدأت خيوط شبكة الألغام الأرضية تظهر بوضوح. تقدّم خطوةً بعد خطوة، متحسساً الأرض بخشبة قصيرة، كأنه يمشي فوق فكرة لا أرض. تجاوز الأسلاك بحذر شديد، فيما القناص يترقب أي حركة.
وصل إليه أخيرا… رجلٌ متجمد في مكانه، محاصر بالخوف والندم، بعد أن أدرك أنه في المكان الخطأ، في قلب الموت.
فقد الرجلان القدرة على الكلام، وانفجر البكاء بينهما.
وفي تلك اللحظة، عادت صورة طفلته الباكية لتقف أمام عينيه، كأنها الحقيقة الوحيدة التي لم يستطع الفرار منها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق


المزيد.....




- -كأنه خارج من فيلم خيال علمي-.. طيار أمريكي يكشف ما رآه قبل ...
- -ليس فقط لراكبي الدراجات-... بطرسبورغ تستضيف مهرجان -بيتر مو ...
- كوابيسها تلاحقك بعد العرض؟.. هذه أبرز أفلام الرعب في النصف ا ...
- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية