أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: منابتُ أنثى















المزيد.....

قصة قصيرة: منابتُ أنثى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 01:06
المحور: الادب والفن
    


تجلسُ منذ انبلاج الصباح في باحةِ الحوش الواسعة تحت ظلِّ الشجرة العتيقة، كأنّ بينهما عهداً قديماً من الصمت وطول الانتظار. تراقب كلَّ ما يدور حولها؛ حركةَ الريح، وصوتَ الأبواب، وخطواتِ الداخلين والخارجين، وحتى ارتجافَ أوراق الشجرة حين تعبث بها نسمةٌ عابرة.
بعد أن فتحت الباب الصغير لكوخ الدجاجات، أخذت تتمتم بكلماتٍ متقطعة، مسموعة وغير مفهومة، لكنها تكشف عن ضيقٍ دفين وعدم رضا عمّا يجري داخل البيت. كان شعورٌ مرير يتلبسها؛ فزوجةُ ابنها البكر ما تزال تتأخر في نومها رغم مرور أكثر من شهر على زواجها، وقد وضعتها منذ الأيام الأولى في خانة الكنّات غير المطيعات.
كانت تراقبها بعينٍ لا تعرف الحياد؛ تستحم، ثم تُعد فطورها بهدوء، بينما تُلقي عليها تحية مقتضبة لا تخلو من الجفاء. تحدق فيها من أخمص قدميها حتى أعلى رأسها، تضم شفتيها إلى الداخل في حركة اعتادت أن تُخفي بها استياءها، بينما تمر الكنّة حاملة هاتفها ذي الشاشة الكبيرة، غافلة عمّا يشتعل في صدر تلك المرأة من أحكام مسبقة وظنون متراكمة. تتمتم العمة مع نفسها بامتعاضٍ خافت:
- أيُّ نوعٍ من النساء هذه؟
ولم تكن تحاول إخفاء نفورها منها، بل كانت تشعر بأنّ شيئاً عتيقاً يتحرك في أعماقها كلما رأتها. صورٌ قديمة أخذت تتسلل من ذاكرة بعيدة، تتفاعل معها بصمت، ثم تتحول إلى همسٍ طويل يشبه الاعتراف:
- إنهم يدفعونني إلى دهاليز حالكة الظلمة، ثم يطلبون مني أن أضيء سراجاً لأهتدي إلى النجاة. القلب يطلب ويخفق، والعقل يهدئ ويخشى، ولا أملك القدرة على هدم القلاع التي تفصل بينهما، فتنساب دموعي عاجزةً كأنها جوابٌ أخير لأسئلة القلب التي لا تنتهي.
نشأت في طفولتها وسط عائلة ميسورة، لا ينقصها شيء. كانت تسعى دائماً إلى أن تكون في المقدمة؛ في الملبس، وفي ترديد النشيد المدرسي، وفي الإجابة عن أسئلة المعلمين، حتى حين تتعثر أحياناً. كان بداخلها حافزٌ خفي يكبر معها عاماً بعد عام، يدفعها لأن تكون الأجمل والأكثر حضوراً. لذا صارت تُطيل النظر في مرآة غرفتها، تُقارن نفسها بزميلاتها، وتحدث ذاتها بقلقٍ طفولي:
- هل أنا الأجمل؟ لا… لا… ينبغي أن أغيّر ملابسي، أن أرتدي ما يواكب الموضة.
وحين ترتدي ثيابها الجديدة، تغمرها ابتسامة واسعة، تدور حول نفسها كمن يحتفل بانتصارٍ صغير، تنسدل خصلات شعرها الطويل على جزء من وجهها، فتقهقه بصوتٍ مسموع:
- أنا الأجمل… نعم، أنا الأجمل حتماً.
كانت تذهب إلى المدرسة بخطوات متسارعة، تتفقد هندامها بين لحظة وأخرى، تشد تنورتها إلى الأسفل، وتلامس خصرها بقلقٍ خفي. لكن المفاجأة القاسية كانت حين لا ينتبه إليها أحد، فتعود الأسئلة لتنهش روحها:
- أحقاً لم ألفت الانتباه؟ هل ثمة قبحٌ لا أراه؟
ومنذ تلك اللحظة، لم تغادرها تلك الهواجس، بل تحولت إلى لعنةٍ تسكنها. صار القبح بالنسبة لها شبحاً يطاردها، صورةً مشوهة استمدتها من أفلام الطفولة؛ عجوزٌ شمطاء بوجهٍ مخيف، وأنفٍ طويل، وظهرٍ منحني، كأنها تجسيدٌ لكل ما هو شرير ومرعب. لكنها، وسط ذلك الخوف، بدأت تكتشف شيئاً آخر:
- ذلك الشاب يراقبني… إنه يعجبني… لقد أيقظ أنوثتي.
فآمنت مع مرور الوقت بأن الجسد هو العملة الأقوى في هذا العالم، وأن الصوت الهادئ والنظرات الواثقة قادرة على أسر الآخرين. كانت تمتلك حضوراً محبباً وكاريزما تجعل من حولها ينجذبون إليها دون عناء.
ومع اتساع صراعها الداخلي، أخذت تنكب على القراءة، تلتهم الكتب واحداً تلو الآخر، كأنها تحاول أن تُطفئ ناراً خفية تستعر في دواخلها. لكنّ طفلاً خفيف الظل، أطلقت عليه اسم “خاطف الليل”، ظل يهمس لها من أعماقها:
- وهل وجدتِ نفسكِ حقاً بين صفحات الكتب؟
حينها، بدأت الصور تسودّ شيئاً فشيئاً، وأخذ الخوف يتمدد في داخلها ككابوسٍ طويل. كانت تؤمن أن الأنوثة طاقةٌ للاحتواء والتنوير، لكنها كانت تخشى أن يسرقها الزمن منها. فالزواج، والولادة، ومتاعب الحياة، كلها أشياء قد تُطفئ شيئاً من ذلك البريق الذي طالما عبدته في نفسها. كانت تريد أكثر من قلب، وأكثر من حياة، وأكثر من نافذة تطل منها على العالم. أرادت أن تمتلك كل شيء بواسطة شيء واحد: الجمال. ثم تتمتم كأنها تُلقن نفسها درساً قاسياً:
- اتركي الدموع… فالمقدمة لا مكان فيها للضعفاء.
تتذكر يوم جلست شابةً فائقة الجمال في مختبرٍ طبي متواضع بجانب زوجها الراحل. كانت فاتنةً إلى حدٍ يكاد يكون غير واقعي، كأن كل جزءٍ من جسدها قد صيغ بعناية ليكتمل في صورةٍ بشرية أقرب إلى الملائكية. أما زوجها، فكان على النقيض تماماً؛ بثيابٍ رثة، ولحية كثيفة، وملامح خشنة تميل إلى الزرقة، كأن الأرض أنبتته من طينٍ ثقيل قاسٍ.
كانت تختلس النظر بخجلٍ متعمد، فيزيدها ذلك سحراً، بينما الطبيب يسحب قطرات الدم من ذراعها محاولاً عبثاً أن يخفي ارتباكه. كان عقله يسأل:
- كيف قبلت به؟ أكان حباً… أم خضوعاً لأعراف العائلة؟
أما هي، فكانت تحدث نفسها بصوتٍ داخلي مرتجف:
- أنا مخلوقة من طينٍ وماء، لكن الماء غلب الطين في تكويني… لذلك لم أكن صلبة يوماً. أشعر بأن هدير الماء يجري في داخلي، وأن روحي تريد أن تضحك وتصرخ في آنٍ واحد.
لكن الحياة لم تمنحها وقتاً طويلاً للحلم. رحل زوجها وهي لم تتجاوز العشرين، تاركاً لها طفلين وفراغاً هائلاً يبتلع أيامها. تلاشت أحلامها تدريجياً، وصارت حياتها تدور في دائرةٍ مكررة من التعب والوحدة والاعتماد على الآخرين.
ومع مرور السنوات، بدأت تشعر أنها عبءٌ ثقيل على من حولها، فانسحبت بصمت من الحياة الطبيعية. كانت تحاول التمسك ببقايا نضارتها وأناقتها، لكن الزمن كان يطاردها بصياح الديكة كل صباح، وبمرآةٍ لا ترحم.
أصابها الحزن والانطواء، وأخذت تستسلم شيئاً فشيئاً لسلطة الأعراف والتقاليد التي فرضت عليها أن تُكمل حياتها بوصفها أماً وأرملة فقط. كانت تتقلب على فراشها قبل النوم كأنها تصارع نفسها، تبكي أحياناً دون سبب واضح، ثم تُفرغ قسوة حزنها على من حولها، وغالباً ما تكون زوجة ابنها هي الضحية الأقرب. وحين تنظر إلى كفيها، ترى فيهما بقايا ذلك الجمال القديم، فتتذكر نظرات الطبيب المرتبكة، وتستعيد الأسئلة التي كانت تنهشها منذ شبابها. ثم تعود الأفكار لتتصارع في داخلها بعنف، وتهمس لذلك الصوت الخفي القابع في أعماقها:
- ليتك تؤلمني أكثر… اضغط على جرحي حتى النهاية. لا تنخدع بابتسامتي، فجراحي لا تزال غائرة في الأعماق، وأنا أخفي خلفها ما لا يستطيع أحد رؤيته.
في الليل، كانت تدور قرب الغرفة الشرقية التي ينام فيها ابنها وزوجته، تُصغي إلى همسات الحب التي تتسلل من النافذة نصف المفتوحة. كان الليل يفضح هشاشتها كلها، ويفتح أبواباً أوصدتها طويلاً؛ باب الحنين، وباب الوحدة، وباب الأنوثة التي رفضت أن تموت رغم السنين.
كان الزوجان يدركان وجودها خلف النافذة، فيغيران حديثهما سريعاً إلى كلمات مديح لها، فيقول الابن بصوتٍ مسموع:
- لقد ضحت أمي كثيراً من أجلنا.
فتعود إلى غرفتها مثقلةً بشيءٍ يشبه الهزيمة، وتجلس وحيدةً تمزق صورة والدها، ثم تهمس بانكسار:
- لم أعد أملك القدرة على احتمال الظلم، ولا على كبح النفس وهي تطالب بحقها في الحياة… لقد وقفت طويلاً فوق جمرٍ مشتعل، ولم يعد بوسعي المراوحة بين القدمين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...


المزيد.....




- أوبرا وطاقة.. غاريفولينا: الوقوف على مسارح روسيا هو السلوى ل ...
- الثقافة السورية تلغي حفل الفنان شادي جميل في دار الأوبرا بدم ...
- مايكل جاكسون.. كيف يتحول الفنان بعد رحيله إلى كيان استثماري؟ ...
- غاريفولينا تؤكد استحالة إقصاء الأوبرا الروسية من الساحة العا ...
- الأوسكار تدعو مئات الشخصيات للانضمام إليها.. هؤلاء أبرزهم
- كواليس لا تقل جمالا عن المشاهد نفسها.. غولدن لاين تستعيد ذكر ...
- السينما العربية تنافس على جوائز مهرجان -المرآة- الدولي في رو ...
- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: منابتُ أنثى