أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير














المزيد.....

قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:32
المحور: الادب والفن
    


كان يجلس في غرفة واسعة، جدرانها مطلية بطلاء لماع يعكس الضوء كما تعكس الذاكرة بعضاً من صورها القديمة. نوافذها الكبيرة بدت كعيون مفتوحة على العالم، لكنها عيون اعتادت النظر دون أن ترى.
في الداخل كانت الحياة تدور بإيقاعها المعتاد؛ أوراق تُحفَظ، وطابعات قديمة تئن تحت وطأة العمل، وأصابع تتراقص فوق الأزرار كأنها تعزف لحناً رتيباً لا يتبدل. وكان هو جزءاً من تلك الحركة اليومية، يأتي صباحاً ويغادر مساءً وهو يشعر أن إنجاز العمل هو الغاية التي تستحق كل هذا السعي.
ولسنوات طويلة لم يكن يعنيه ما يقع خلف النوافذ. كان يظن أن الحياة هي ما يحدث داخل الجدران، وأن كل ما عدا ذلك مجرد ضجيج بعيد لا يستحق الالتفات.
لكن في ذلك اليوم شعر بحاجة إلى بعض الهواء. لذا نهض من مكانه واتجه نحو النافذة. كانت سحابة كثيفة من دخان السجائر تلامس سقف الغرفة وتتمدد فوق الرؤوس كأنها غيمة رمادية نسيت طريق المطر. وحين نظر إلى الخارج، وقع بصره على شيخ يجلس تحت ظل شجرة في باحة الحوش، ذلك الشيخ الذي سمع عنه كثيراً، رجل الجاه والمال والكلمة المسموعة، الرجل الذي كان يتقدم الجموع في المناسبات والمحافل.
لكنه الآن بدا شيئاً آخر، هيكلاً عظمياً بالكاد يتذكر الجسد كيف يحمل روحه، كان يتنفس ببطء، وكأن كل شهيق يحتاج إلى إرادة، وكل زفير يحتاج إلى صبر طويل. تأمله ملياً، ثم همس في داخله:
- أهذا هو الرجل نفسه الذي كانت الأبواب تُفتح له قبل أن يطرقها؟
ولم يجد جواباً، غير أن السؤال بقي معلقاً بينه وبين ذلك الجسد المنهك. وحين حاول الشيخ النهوض، أخفق. اقترب منه ابنه المدلل، طويل القامة، يرتدي معطفاً أسود وقبعة داكنة، تتدلى من أصابعه سيجارة غليظة. لم يسمع الكلمات بدقة، لكنه أدرك معناها من انكسار نظرات الشيخ نحو الأرض، ومن الطريقة التي تشبث بها بعصاه كغريق يتشبث بخشبة نجاة.
كان الصمت الذي تلا الكلمات أقسى من الكلمات نفسها، عندها شعر بشيء يتحرك في أعماقه، شيء يشبه الخوف، أو ربما يشبه المعرفة. لذا سأل نفسه:
- هل تأتي النهايات فجأة حقاً؟
ثم أجاب بصوت داخلي متردد:
- لو كانت النهايات مفاجئة لما حملت كل هذه المقدمات.
ظل يحدق في الشيخ. وفجأة لم يعد يرى رجلاً عجوزاً فحسب، بل رأى زمناً كاملاً ينحني، رأى سنوات طويلة من الركض والتعب والأحلام المؤجلة وقد تجسدت في جسد واحد، وأحس أنهم جميعاً يشبهون ركاب عربة قديمة تجرها خيول لا تتوقف، تركض بلا هوادة، لا أحد يعرف من يقودها، ولا أحد يعرف متى بدأت الرحلة. أما الطريق فليس طريقاً مرئياً، بل طبقة خفية من الحصى لا تراها العيون، لكن العظام تشعر بها مع كل اهتزاز. سأل نفسه مرة أخرى:
- هل حالنا سيكون كحال هذا الشيخ؟
ثم أردف:
- أم أننا ما زلنا نملك الوهم الذي كان يملكه قبل أن يجلس تحت هذه الشجرة؟
وللمرة الأولى لم يبحث عن جواب سريع، ترك السؤال ينمو داخله، كما تنمو الشقوق الصغيرة في الجدران حتى تصبح جزءاً من بنيتها.
لم يكن يعرف متى بدأت الرحلة، ولهذا راحت الأسئلة تتساقط في داخله الواحدة تلو الأخرى، كأوراق يابسة تتخلى عنها الأغصان حين تتيقن أن الشتاء قادم.
- هل كنت أنا من اخترت هذا الطريق؟
ثم أجاب نفسه:
- ربما نختار الخطوة الأولى فقط، أما بقية الطريق فيختارها الزمن عنا.
راقب الأشجار القريبة، كان يعرف أنها تفقد أوراقها كل عام. لكنه أدرك الآن أنها لا تموت حقاً، بل تتخلى عن صورة لتولد بصورة أخرى. أما الإنسان فلا يمنحه الزمن هذه الرفاهية، إنه يمضي إلى الأمام فقط، ولهذا يبدو الخوف أكبر.
ولأول مرة شعر أن السنوات لم تكن تمر حوله، بل كانت تمر من خلاله. كل يوم ظنه عادياً اقتطع جزءاً من عمره، كل انتظار، كل خيبة، كل حلم مؤجل، كل تنازل صغير ظنه بلا ثمن، كان حجراً آخر يُضاف إلى الطريق.
عندها أدرك أنه يقف في منتصف اللاشيء، لا هو قريب من البداية، ولا هو بلغ النهاية. لكن كل خلية في جسده كانت تعرف أن المحطة الأخيرة موجودة هناك، في مكان ما، تنتظر الجميع بصبر لا ينفد.
استنشق الهواء مرة أخرى، فبدا مختلفاً، لا أخف ولا أثقل، بل أكثر صدقاً، وكأن الروح حين تقترب من الحقيقة تتغير حواسها كلها.
عاد ببصره إلى الشيخ. هذه المرة لم يره وحيداً تحت الشجرة، بل رأى نفسه، ورأى زملاءه، ورأى الوجوه التي يلتقيها كل يوم، ورأى البشر جميعاً، مسافرين على العربة ذاتها، بعضهم يغني، بعضهم يتشاجر، بعضهم يجمع ما يستطيع حمله، وبعضهم يوزع عمره على الآخرين دون أن ينتبه أن العمر نفسه يتسرب من بين يديه.
عندها فهم شيئاً ظل غائباً عنه طويلاً. أن المأساة ليست في الوصول إلى النهاية، بل في أن يصل الإنسان إليها دون أن يعي الرحلة.
عاد إلى مقعده ببطء. وعادت الطابعات إلى ضجيجها المعتاد، وعادت الأوراق تتنقل بين الأيدي.
وكأن شيئاً لم يحدث. غير أنه كان يعلم أن شيئاً حدث بالفعل، فقد رأى ما لا يراه المنشغلون بالركض، رأى أن السقوط الأخير لا يبدأ حين تعجز القدم عن حمل الجسد، ولا حين تنطفئ الأنفاس، ولا حين ينحني الظهر تحت ثقل السنين، بل يبدأ يوم يتوقف الإنسان عن التأمل في الطريق الذي يسير فيه.
وحين رفع بصره نحو النافذة مرة أخيرة، بدا له الشيخ أصغر من ذي قبل، بينما بدا الزمن أكبر من كل شيء. ابتسم ابتسامة خافتة، وأدرك أن الشيخ لم يكن نهاية رجل واحد، بل كان مرآةً معلقة على حافة العمر. مرآةً أُتيح له أن يرى فيها مستقبله للحظة عابرة، عندها فقط فهم أن الحياة ليست سوى طريق طويل بين سؤالين:
- من أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟
أما ما بينهما، بكل ما فيه من نجاحات وخسارات وأحلام وندم، فليس سوى رحلة مؤقتة، رحلة نسميها عمراً، وما العمر كله...إلا ما قبل السقوط الأخير.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)
- قصة قصيرة: أرملة العشق العذري (الجزء الثاني)
- قصة قصيرة: الحفنة الأولى
- قصة قصيرة: مذبحةُ الرعب
- قصة قصيرة: عروس الحجر
- قصة قصيرة: حدود الامتلاء
- قصة قصيرة: هزيمة لا جبهة فيها
- شهادات من الماضي أبت الغياب: تأملات في رواية عبدالله الفيحان ...
- قصة قصيرة: الفخّ الحتمي


المزيد.....




- بوتين يشيد بالتوظيف الرقمي المبتكر في معرض -الإرميتاج الباهر ...
- انطلاق معرض -الإرميتاج الباهر- الرقمي في موسكو
- مهرجان -فونتانكا ساب- يطلق فئة -أسرار الشرق- للأزياء التنكري ...
- فرع غاليري تريتياكوف في سامارا يفتتح معرض المسابقة الدولية - ...
- الأسبوع المقبل.. استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران ...
- واشنطن تستعد لاستئناف المحادثات الفنية مع طهران وتحركات بشأن ...
- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير